إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

فـوكوياما نهاية التاريخ أم نهاية اميركا.. بقلم د. محمد احمد النابلسي

Fokomya
تصدر فرانسيس فوكوياما قائمة المفكرين السياسيين مطلع التسعينيات عبر نظريته حول “نهاية التاريخ” ويومها كان من يجهل نهاية التاريخ يصنف في اطار الأمية السياسية. وملخص النظرية انه وبسقوط الشيوعية بقي العالم تحت سطوة قطب أوحد هو امريكا. وبالتالي فانه لم تعد هنالك أية أسباب أو مبررات لإندلاع حروب من شأنها ان تحرك التاريخ أو تغيره.
لكن وبعد سنوات إندلعت حروب فتكت بمئات الآلاف من البشر سواء اكانت قبلية (قبائل الهوتو والتوتسي في أفريقيا) أو قومية كما بين الصرب والكروات في يوغسلافيا أو دينية ومذهبية كما في أنحاء عديدة من العالم. وهكذا ثبت ان التاريخ لا يحتاج الى قوى عظمى كي تصنعه فتاريخ الانسان مستمر عبر ثقافته سواء اكانت قبلية ام دينية أم قومية. وهكذا ادرك فوكوياما ان لا نهاية للتاريخ.
هنا إستبدل فوكوياما نهاية التاريخ بنهاية الإنسان معتبراً ان الثورة الطبية سوف تعالج الفوارق الانسانية التي بقيت تشعل الحروب. فهنالك حبوب السعادة التي تغني عن الصدامات وهنالك الهندسة الجينية التي تلغي فوارق اللون والشكل بين البشر. وبذلك تنتهي الفوارق الانسانية المؤدية للحروب.
لكن رغبة الانسان في الحفاظ على هويته وشكله واستمراريته هي أساس غريزة الإستمرار الإنسانية وبالتالي فان لا نهاية ممكنة للإنسان!. وسقط فوكوياما مرة أخرى.
وبقي فوكوياما ذي سمعة جيدة في الاوساط الفكرية الامريكية التي تقبل مبدأ “الصرعة” وهو الذي تمكن من اطلاق صرعتين اجتاحتا العالم. وكعادة المفكرين الامريكيين فانهم يتأكون قليلاً على بعض مصادر الفكر الجاد لإستخدامها في صياغة صرعاتهم. وكان إتكاء فوكوياما على الفيلسوف الالماني هيغل وتحديداً على قوله بسعي الإنسان للحصول على الإعتراف.
هذا الأسبوع يفاجأنا فوكوياما في مقالة له منشورة في عدد نيوزويك من الاسبوع الحالي تحت عنوان  ”انهيار أميركا كمؤسسة” وفيه يعترف أن بعض مفاهيم الرأسمالية سقط مع انهيار كبرى الشركات في وول ستريت والذي تسبب في أكبر أزمة مالية يشهدها العالم منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي. وتابع يقول إن الولايات المتحدة لن تنعم بوضعها الذي ظلت تتمتع به حتى الآن كقوة مهيمنة على العالم, وهو ما أكده الغزو الروسي لجمهورية جورجيا في 7 أغسطس/آب الماضي.
وأضاف أن قدرة أميركا على صياغة الاقتصاد الدولي عبر الاتفاقيات التجارية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ستضعف وستتضاءل معها موارد البلاد المالية, كما أن المفاهيم والنصائح وحتى المعونات التي تقدمها للعالم لن تحظى بذلك الترحيب الذي تلقاه الآن.
وهذا يعني ضمناً عدم قدرة امريكا على الإستمرار في إبتزاز الشعوب عن طريق البنك الدولي وعن طريق المعونات المفخخة وإغراءات المعونات المكرسة للسيطرة السياسية. بحيث تتحول الدول متلقية المعونات الى تابعة سياسية لا تجروء حتى على محاكمة أحد مواطنيها اذا كان صديقاً للسفير الأمريكي. وهو ما حدث مع السيد سعد الدين ابراهيم في مصر.
لكن فوكوياما يستدرك قائلا إن الولايات المتحدة قادرة على استعادة نفوذها في نهاية المطاف, ذلك أن العالم سيعاني على الأرجح من انكماش اقتصادي وليس من الواضح أن النموذج الصيني أو الروسي سيصيب نجاحا ملموسا أفضل من الصيغة الأميركية.
ويستلهم فوكوياما لدعم فكرته دروسا من ما وصفها بالنكسات الخطيرة التي لحقت بالاقتصاد في ثلاثينيات وسبعينيات القرن الماضي حيث تمكنت الولايات المتحدة من التعافي منها بفضل قابلية نظامها للتكيف ومرونة شعبها.
وهنا لنا وقفة مع هذا المفكر الذي يغلق أفق الإبداع البشري وقدرة الانسانية على إبتداع أو تطوير نماذج مناسبة أقله وفق نظرية النشوء والإرتقاء. فهو يرى أن عودة النموذج الامريكي مؤكدة بسبب عدم صلاحية النموذجين الروسي والصيني وهي مسألة موضوع نقاش على أية حال. فهل يفاجأنا فوكوياما بفرضية “نهاية الإبداع البشري” بعد نهاياته السابقة؟!.
هذا ويربط الكاتب تعافي أميركا من الأزمة هذه المرة بمدى براعتها في إحداث تغييرات جوهرية, يتمثل أولها في ضرورة الخروج من عباءة عصر الرئيس الأسبق رونالد ريغان فيما يتعلق بالضرائب ووضع الضوابط. ومع إقراره بأن خفض الضرائب أمر جيد إلا أن فوكوياما –الذي يعد أحد منظري المحافظين الجدد- لا يراه بالضرورة محفزا للنمو.
ويخلص إلى القول في هذا الصدد إن التعامل “غير المستنير” مع أزمة وول ستريت المالية يكشف أن التغيير الأكبر الذي يتعين على الولايات المتحدة إجراؤه يكمن على صعيد السياسة, وأن الاختبار الأخير للنموذج الأميركي يتمثل في قدرته على إعادة اكتشاف نفسه، ذلك أن النموذج الجيد هو ذلك الذي يملك “المنتَج المناسب” لترويجه قبل كل شيء وإليه تنسب الديمقراطية.
ومضى إلى القول إن الديمقراطية هي أحد العناصر الأساسية في النموذج الأميركي, ومن ثم فإن الترويج لها عبر الدبلوماسية ودعم منظمات المجتمع المدني والإعلام الحر وغ
يرها لم يكن أبدا مثار جدل.
لكن المفكر الأميركي يقر مع ذلك أن الديمقراطية عند الكثيرين ما هي إلا كلمة السر للتدخل العسكري وتغيير أنظمة الحكم, وهي مشكلة نجمت عن استغلال إدارة الرئيس جورج بوش لهذه الكلمة لتبرير حربه على العراق. وبمعنى آخر فانه يعترف بأن ديمقراطية بوش ومنتجاتها ومتفرعاتها وحكوماتها وشخوصها لم تكن ديمقراطية بل كانت إستغلالاً سيئاً وتوظيفاً سياسياً وعسكرياً لشعار الديمقراطية دون ان تمت له بصلة. كما يقر فوكوياما بان اصلاح النموذج الامريكي يقتضي اصلاح هذه الإساءات للديمقراطية.
بمعنى آخر فان فوكوياما يطلق ما يشبه دعوة ديمقراطية بوش الحربية للإعتذار مع أن أضرار سياساته فاقت كثيراً أضرار الاستعمار التقليدي.
ويصف فوكوياما الشرق الأوسط على وجه الخصوص بأنه حقل ألغام لأي إدارة أميركية, حيث تدعم أميركا حلفاء غير ديمقراطيين مثل السعوديين, وترفض التعامل مع جماعات مثل حركة حماس وحزب الله التي تولت زمام السلطة عبر انتخابات. ويرى أن ذلك يفرغ الولايات المتحدة من مصداقيتها حينما تدافع عن الحريات.
تبقى المسألة ان فوكوياما لم يجب عن السؤال المحوري المطروح راهناً وهو: “كيف يمكن للولايات المتحدة ان تستعيد مصداقيتها؟”. والمصداقية الاقتصادية قبل السياسية والأخيرة قبل الإنسانية. ذلك ان ضحايا الديمقراطية الامريكية باتوا يعدون بالملايين والأهم ان الباقين على قيد الحياة سيربطون حصولهم على الاعتراف بقدرتهم على الانتقام من الظالم الامريكي. وهو ما يمكن تصنيفه إرهاباً لو استعادت امريكا مصداقيتها ولن تستعيدها. فهي قد تستعيد الأسواق ونموذج الإستثمار المناسب لكنها لن تستعيد قدرتها على إجبار الشعوب على إذلال نفسها بنفسها. وهو مافعلته ضياعاً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتجنباً للإنتقام بعد حوادث سبتمبر ورعباً بعد صدمة وترويع العراق وذلاً صافياً بعد إغتيال الحريري.
 
رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد