إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الازمة المالية الاميركية بين "الامبراطورية" والعراق.. بقلم نقولا ناصر*

emporaterya
لا بد اولا من الاتفاق مع مرشح الحزب الديموقراطي الاميركي للبيت الابيض باراك اوباما بان الازمة التي بدات قطاعية بمؤسسات الرهن العقاري ثم تدحرجت مثل كرة الثلج الى قطاعي التامين والمصارف لم تعد “ازمة وول ستريت” بل “انها ازمة اميركية” قد تكون “كارثية” تقود الى اغلاق “الاف الشركات” والغاء “ملايين الوظائف” في الولايات المتحدة ، ولا بد ثانيا من ملاحظة ان موجات مد هذه الازمة قد تحولت الى طوفان عالمي لا يعني الرئيس الحالي جورج بوش والمرشحين لخلافته الا بقدر ما يهب العالم المنكوب باحادية القطب الاميركي الاوحد لنجدته ، ثم لا بد ثالثا من تسجيل حقيقة ان صفقة “الانقاذ” التي اقرتها السلطتان التنفيذية والتشريعية في واشنطن قد فشلت في اعادة الثقة الى الاسواق الاميركية والعالمية على حد سواء ونتيجة لذلك سرعان ما “تبددت ثقة المستثمرين” كما قال عنوان للواشنطن بوست في التاسع من الشهر الجاري .
 
و”الثقة” اصبحت هي السلعة الاكثر اهمية في الاقتصاد الاميركي ، فهي “اهم من الذهب والعملة” كما قال رئيس الوزراء الصيني ون جياباو اثناء لقاء له مع كبار رجال المال الاميركان على هامش الدورة الثالثة والستين للجمعية العامة للامم المتحدة بنيويورك في الرابع والعشرين من ايلول / سبتمبر الماضي . وعندما يقرا المرء في مجلة “المجلة” اللندنية ، المحسوبة على المملكة العربية السعودية التي تربطها بالولايات المتحدة علاقات استراتيجية عريقة ، ما كتبه مسعد الكردي مؤخرا من ان “الولايات المتحدة الاميركية تدفع العالم الى الهاوية” لا يسعه الا الاستناج بان انهيار الثقة “الاقتصادية” التي اشار اليها جياباو لا بد وان يتبعه بالضرورة انهيار في الثقة “السياسية” في العملاق الاميركي ان تاكد انه يتهاوى فعلا .  
 
ولا يسع المراقب الا ان يلاحظ بان احد الاسباب الرئيسية لانعدام الثقة هذا يعود الى ان “حاميها هو حراميها” كما يقول المثل العربي ، اذ على الصعيدين الاميركي والعالمي ترك البحث عن احتواء الازمة لمن كانوا السبب فيها بينما يجري البحث عن انقاذ هؤلاء انفسهم وليس عن انقاذ الشعوب في اميركا وخارجها التي كانت ضحية لهم ، فصفقة بوش كانت في الواقع قرارا بان يخسر دافع الضرائب الاميركي مرتين ، مرة لتفرغ احدى جيوبه عندما انفجرت الازمة فكان ضحية لاحتكاراتهم ومضارباتهم وجشعهم وسوء ادارتهم ومرة ثانية لتفرغ جيبه الاخرى عندما قرر الحاكم والمشرع الاميركي انقاذهم بطريقتين الاولى بالسحب من جيب دافعي الضرائب والثانية باعفائهم ومؤسساتهم من الضرائب ، ولو لفترة زمنية محددة ، حسب قانون صفقة الانقاذ التي اقترحتها ادارة بوش وصادق الكونغرس عليها معدلة ، ليضاف دليل هو الاحدث على ان المبدا الاساسي الذي يحرك الدولة الراسمالية المعاصرة هو “تاميم” التكلفة والخسارة والمخاطر الاقتصادية و”خصخصة” الارباح كما كتب احدهم ، او كما قال “حزب الاشتراكية والتحرير” الاميركي في بيان في الثلاثين من الشهر الماضي فان “طبيعة الراسمالية ونظام الائتمان في حد ذاتهما يعنيان انه كلما حلت ازمة خطيرة تاخذ البنوك المجتمع رهينة قائلة: اما ان تنقذونا او ينهار الائتمان وتحل الفوضى” .    
 
انهيار امبراطورية ؟
 
وربما يفسر اي حديث عن انهيار الامبراطورية الاميركية ابتداء من الازمة الراهنة بانه من باب التمني الذي يراود المواطن العربي الذي يشعر بالعجز امام سطوة اميركا وجبروتها وهيمنتها على الثروات وصنع القرار في وطنه الكبير ومن باب رفع الروح المعنوية للمقاومين العرب لهذه الهيمنة خصوصا في العراق وفلسطين حيث تتجسد هذه الهيمنة احتلالا عسكريا مباشرا او بالوكالة ، وفي هذا السياق كان لاقتا للنظر ان يتفرغ الفلسطيني غازي ابو فرحه ، بينما شعبه منشغل باجتياح قوات الاحتلال الاسرائيلي لمخيم جنين بالضفة الغربية في الشهر الرابع عام 2002 ، لتاليف وطبع ونشر كتاب عن “انهيار اميركا التام عام 2005 + 3” قال فيه ، مستلهما نظرية العلامة ابن خلدون ، ان للامم ، كالافراد ، اعمارا تتراوح بين (70 – 80) سنة تنهار عندها ، موضحا ان اميركا انهارت منذ استقلالها عام 1783 مرتين الاولى عام 1855 عندما اندلعت الحرب الاهلية بين الشمال وبين الجنوب والثانية عام 1929 عندما “صفر الدولار (وصل للصفر) وأغلقت البنوك الامريكية ابوابها مدة عامين ورجع الأمريكيون لنظام المقايضة البدائي في البيع والشراء واستمرت البطالة والجوع سبع سنين ، ولم تخرج من حالة الموت ألسريري الا بعد ان فرضت على نفسها العزلة والاعتماد على الذات” ، كما قال في رسالة الكترونية لهذا الكاتب واخرين وعلق على الازمة المالية الاميركية الحالية بقوله “لقد تحققت نبوءة كتابي” .
 
واذا كان في الاتف
اق مع ابو فرحة تسرعا فان له ما يسوغه في تصريحات وكتابات العديد من زعماء العالم ومثقفيه مثل الرئيسين الروسي دميتري ميدفيديف ،عن انتهاء عهد الهيمنة الاميركية ، والفرنسي نيكولا ساركوزي عن ضرورة التعددية القطبية ، المالية في الاقل ، في العالم ، غير ان متابعة التحليلات الاسرائيلية واليهودية الاميركية تكشف وجود من يتفق معه في اوساط من لم يعد نفوذهم في صنع القرار الاميركي سرا ، بخاصة في ما يتعلق بالعرب ، فعلى سبيل المثال كتب ديفيد ليفي مدير “مبادرة الشرق الاوسط” في مؤسسة “نيو اميركا فاونديشن” بواشنطن العاصمة يقول “ان نفوذ الولايات المتحدة كان يضعف في قدرته على الالهام والتهديد معا” في الشرق الاوسط مضيفا “ان المنطقة كانت تتطلع بصورة متزايدة الى اماكن اخرى بحثا عن الاستثمارات والاسواق والازمة في وول ستريت سوف تسرع هذه العملية فقط” . لكن صحيفة هارتس الاسرائيلية في افتتاحية لها في الثامن والعشرين من الشهر الماضي كانت مباشرة اكثر: “ان الولايات المتحدة وهي القوة الاعظم سياسيا واقتصاديا وعسكريا منذ الامبراطورية الرومانية تمر اليوم في ازمة وجود ، … ان اميركا تسير في طريق الانحطاط ، ومعها اولئك الذين شاركوها في الايمان المضلل بالحرية المالية ، … وكم هي مفارقة ان يكون الرئيس الذي انفجرت في عهده فقاعة الائتمان المالي وضربت الازمة هو ابن الرئيس الذي وعد بنظام عالمي جديد . وذاك الوعد يتحقق الان لكن بطريقة لم يقصدها بوش الاب” !
 
والملاحظ ان البعض سارع الى الاستنتاج بان الازمة الحالية ستكون “نهاية الراسمالية” وليس نهاية الامبراطورية الاميركية فحسب ، غير ان هذا التسرع في استنتاج سابق لاوانه بكثير لا تتفق معه حتى جريدة قاسيون الناطقة باسم الحزب الشيوعي السوري ، وهو من الاحزاب المماثلة القليلة التي ما زالت تتمسك كالقابضة على الجمر ب”الماركسية اللينينية” كما عرفناها تقليديا ، ففد كتب مثلا ايراهيم البدراوي في 29 ايلول / سبتمبر الماضي يقول: “اخيراً وقعت الواقعة . انفجرت الازمة المالية في الولايات المتحدة بشكل لا سابق له . وصلت الراسمالية إلى أقصى درجات انحطاطها وطفيليتها . بيد انه ينبغي التأكيد على عدم ابتذال “الحتمية” ، ذلك ان التطور التاريخي وان كان يؤكد حتمية زوال الراسمالية ، غير ان هذه الحتمية لن تتحقق من تلقاء نفسها ، وانما سوف تتحقق عبر “الفعل الثوري الحاسم” الذي لابد أن يبدعه الكادحون وطلائعهم الثورية” .
 
غير ان العديد من المؤشرات التي يلتقطها المتابع للازمة التي ما زالت فصولها تتكشف تدل على ان حركة التاريخ تسير بالراسمالية في شكلها البشع الراهن نحو التغيير ان لم يكن الانهيار ، فدولتها تتجه نحو التدخل حد ان تستعير من الاشتراكية “التاميم” بهذا الشكل او ذاك ، لا بل انها تدخل مساهمة مع القطاع الخاص ، فقد اعلن وزير الخزانة الاميركي هنري ام. بولسون يوم الجمعة الماضي على سبيل المثال ان حكومته سوف تشتري حصصا مباشرة في البنوك وغيرها من المؤسسات المالية في سابقة هي الاولى في الولايات المتحدة منذ عام 1929 . ويبدو ان هذا الاتجاه نحو “تغيير” ما في الشكل الراهن للراسمالية يعكس توجها نحو ترشيدها او نحو اعادتها الى اصولها كما يتضح من تعليقات بعض المؤمنين بها ، حيث يعتقد كثيرون منهم بان بوادر تدخل الدولة وكذلك المضاربات التي قادت الى الازمة هي انقلاب على مبادئ السوق الحرة التي ينبغي العودة اليها على قاعدة ان ازمات الراسمالية تعالج بالمزيد من الراسمالية لا بالخروج عليها . غير ان هذا الجدل “الراسمالي” حول التغيير البنيوي يكاد يغطي على متغير اهم بدات تتضح معالمه تظهر وتنبا به وزير المالية الالماني بير شتاينبروك عندما تحدث عن “نقلات في اهمية نيويورك ولندن وفي وضعهما باعتبارهما المركزين الماليين الرئيسيين ” في العالم وبان “مراكز قوة جديدة في العالم المالي” سوف تنشا ، ومن الطبيعي ان يستتبع التغير في المركز المالي تغيرا في المركز السياسي ايضا .
       
 كما ان حركة التاريخ تسير بالامبراطورية الاميركية في الاقل نحو بداية انهيار قطبيتها الاحادية وبداية تاكل قدرتها على الحسم العسكري كما يتضح من المستنقع الذي اغرقتها فيه المقاومة العراقية بحيث تعجز عن اعلانها الانتصار في العراق بعد ست سنوات من غزوه في حرب تكلفها عشر مليارات دولار شهريا ليس ضد جيش نظامي بل ضد شعب اعزل من أي سلاح ثقيل . وكان التقرير “غير النهائي” الذي قررت الادارة الاميركية تاجيل نشره الى ما بعد انتخابات الرئاسة والذي حصلت النيويوك تايمز عليه ونشرت خلاصته يوم الاربعاء الماضي والذي “اجمعت” فيه ستة عشر وكالة مخابرات اميركية منفصلة عن بعضها على “تفكك السلطة المركزية في افغانستان” برئاسة حامد كرزاي وحذرت مجتمعة من ان واشنطن توشك ان تخسر حربها على افغانستان … كان هذا التقرير هو الدليل الاحدث على تاكل القدرة العسكرية للامبراطورية الاميركية في فرض استعمار مباشر غربي جديد ، اميركي هذه المرة ، على المنطقة العربية الاسلامية في الشرق الاوسط .
 
تعتيم على دور غزو العراق في الازمة
 
وباستثناء المقارنة العابرة بين كلفة الحربين الاميركيتين على العراق وافغانستان وبين قيمة حزمة الانقاذ المالية التي اعتمدها الرئيس والكونغرس الاميركي البالغة (700) مليار دولار بالكاد يجد الباحث أي بحث جاد في وسائل الاعلام الاميركي الرئيسية على المستوى القومي عن العلاقة بين الحربين وبين الازمة المالية ، لكن اذا كانت الادارة الجمهورية الحالية وحزبها يتجنبون الربط بين الامرين في فترة انتخابات رئاسية لانها قد تؤثر في حظوظ المرشح الجمهوري للرئاسة في الفوز فان التعتيم على هذه العلاقة اقدم من هذه الانتخابات بكثير وكان تضليل الشعب الاميركي حولها جزءا من سياسة التضليل الاميركية الرسمية حول الاسباب التي قادت الى غزو العراق خصوصا ثم احتلاله والتي تكشفت اليوم عن سلسلة من الاكاذيب الفاضحة المؤكدة .
 
ومع ذلك نجد في السابع من الشهر الجاري مقالا للروائي وموسيقي “الجاز” جلعاد اتزمون ، الذي ولد في دولة الاحتلال الاسرائيلي وخدم في جيشها ، كتبه من لندن حيث يقيم حاليا يقول فيه ان “الناس المسؤولين مباشرة عن القتل والتهجير الجماعي لملايين العراقيين والذين يبقون الفلسطينيين جوعى خلف الاسوار هم لسوء الحظ انفسهم الى حد كبير المسؤولون عن الابادة الطبقية لملايين الاميركيين المحرومين من الامتيازات الحكومية الذين هم الان على شفا التجريد الكامل من ممتلكاتهم” ، ويعيد الكاتب الازمة الى خطط رئيس مجلس ادارة الاحتياطي الفدرالي الاميركي الان غرينسبان لتوفير ظروف ازدهار اقتصادي في الداخل يصرف انظار الاميركيين بعيدا عن حرب رئيسه على العراق ، فقد كان يعرف جيدا جدا بانه طالما ظلت احوالهم جيدة ليشتروا البيوت ويبيعونها فانهم لن يلتفتوا الى رئسهم وهو يشن الحرب على “العرب الاشرار” في العراق باسم الديموقراطية ليضرب عصفورين بحجر واحد بحيث يضع يديه على النفط العربي من جهة و”يؤمن” اسرائيل من جهة اخرى ، لكن النتيجة كانت كما يبدو ان بوش “اطاح بصدام الذي نجح في جر الامبراطورية الاميركية معه” بينما نجح “فقراء الاميركيين” في “سحق الراسمالية الاميركية وكذلك النظام النقدي والمصرفي الاميركي” !
 
لكن مقالا لكارول جنسن بعنوان “حرب العراق فجرت الازمة الاقتصادية ويمكن ان تكلف اميركا نظامها المالي” (ترجمه الزميل العراقي د. عبد الوهاب حمبد رشيد ونشر مؤخرا في العديد من وسائل الاعلام) وضع النقاط على كثير من الحروف التي تركها اتزمون غير منقطة اقتصاديا ، فاقتبس من مقابلة نشرت في صحف استرالية اوائل العام الحالي مع جوزيف ستيغليتز الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل للسلام والذي كان مستشارا للرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون قوله ان حرب العراق كلفت الولايات المتحدة (50 – 60) مرة اكثر من تقديرات ادارة بوش وكانت السبب المركزي في الازمة المصرفية التي تهدد الاقتصاد العالمي” ، واعتبر الحرب على العراق هي “السبب الخفي” لانهيار “الثقة” في الاقتصاد الاميركي الذي اشار اليه رئيس الوزراء الصيني “لان الاحتياطي الفدرالي استجاب للاستنزاف المالي المكثف للحرب بإغراق الاقتصاد بائتمانات رخيصة … بحيث أصبحت النقود ، في الواقع ، تُقرض لاي كان” ، ليضيف ستيغليتز لاحقا في الواشنطن بوست بان “الترابط بين تكلفة الحرب وإجراءات بوش تخفيض الضرائب قاد إلى العجز في الانفاق” . وعلى ذمة المقال “تنبااقتصاديون ، حتى قبل ان تبدا الحرب” ، مثل البروفسور ويليام نوردهاوس من جامعة ييل الاميركية ، بان “الحرب على العراق يمكن أن تُكلف الولايات المتحدة مئات البلايين من الدولارات … وتدفع العالم نحو الركود” .
 
*كاتب عربي من فلسطين
 
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد