إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

كيف تعاطـت الجزائـر مع الإعصـار المالـي الأمريـكي؟

Algeria(1)د.جـمال سـالمي
 رغم التقاريـر اليومـية التشاؤمـية من مراسلي كبرى الفضائيات الغربية والعربـية في داخـل الأسـواق المالـية العالمـية، ورغم هشاشـة الاقتصاد الجزائري وتبعيـته المستديـمة لاقتصاديـات الغـرب الأورو-أمريكي الرأسمالي الجـشع، فقد تعاطـت السلطـات النقديـة الجزائـرية بشكل غريب جـدا مع أزمـة السيولـة المالـية العالمـية، التي اندلعـت كالحريـق المالـي المهـول في بورصـات الولايـات المتحـدة، ليمـتد لهيب الخسائـر بسرعـة حالـيا إلى بقـية البورصـات العالمـية..
*                     *                 *
تصريحـات متناقضـة تمامـا لثلاثـة من وزراء المالـية، تعاقبوا على هذا المنصـب منذ سنـوات:
قـال وزير المالـية الحالـي أنه لا خطـر أبـدا على الجزائـر من هذه الأزمـة، لأنها وضعـت أموالـها في الخزيـنة الفدرالـية الأمريكـية..
فيما صرح الوزيـر السابـق ( وهو حالـيا مستـشار مالـي للرئيس بوتفليـقة ) بأن النظـام المالـي الجزائـري في خطـر، بعد أن اشتهر عندمـا كـان وزيـرا للمالـية في بدايـة هذه الألفـية بتصريحاته الناريـة حـول خطـورة النظـام البنكـي الجزائـري المتخـلف على الأمـن القومـي للبلـد..
بينما قـلل وزير المالـية الأسـبق في عشريـة الدمـاء والدمـار، وأحـد أشـد المقربـين من رئيس الحكومـة الحالـي، من شـأن المخاطـر التي قد تصـيب الاقتصـاد الجزائـري، جـراء هذا الإعصـار المالـي الأمريكـي، مدافـعا عن إيـداع الأمـوال الجزائـرية في الخزيـنة الأمريكـية، بحـكم أن كل الدول تفـعل ذلك، على غـرار الصـين التي أودعـت 1000 ملـيار دولار كامـلة..
*                     *                 *
قـمة اللامـبالاة والتهـوين، وهو ما أصـبح سـمة غريـبة في أذهـان وسلـوك معظـم، وليس كل أصحـاب القـرار الاقتصـادي في جزائـر ما بعـد ورشـة البـناء الكبرى (= عهـد بومديـن) وسـوق الاستـهلاك “الترفـي” الواسـع (= عهـد الشاذلـي)..
فخلافـا للإمـارات العربـية المتحـدة، التي وصلـت فيها مداخـيل إمـارة واحـدة (= دبـي) في ميزانـية الدولـة البترولـية الغنـية، حوالـي 60 % بالمائـة خـارج المحروقـات..
وخلافـا أيضا للمملـكة العربـية السعوديـة التي لم تكتف بتطوير قطاعها الزراعـي، وتحقـيق اكتـفاء ذاتـي غذائـي، بل صـارت رغم صحرائها الشاسعة ومناخـها الجـاف والقاسـي، تصـدر القمـح والسـكر..
لم تبـن الجزائـر البترولـية الثوريـة الغنـية اقتصـاد إنـتاج حقيقـي، غير مرتـهن للتقلـبات اليومـية العشوائـية في أسـعار الذهـب البترولـي الأسـود في الأسـواق العالمـية، ولم تتخـلص لحـد اليـوم، طـوعا لا كرهـا، من تبعيـتها المهيـنة الشامـلة، خاصـة الغذائـية، للغـرب الرأسـمالي الاستغلالي الجـشع، خاصـة فرنـسا وكنـدا وأمريـكا..
*                     *                 *
ومهـما كانت صدقـية تصريحـات وزير المالـية الحالي أو السابق أو حتى الأسبق، فالبحبوحـة الحالـية، التي يتنفـس بها الاقتصـاد الجزائـري اصطناعـيا، لا سبب حقيقـي لها غير ارتـفاع أسـعار النفـط..
أما بقـية القطاعـات، فالجمـيع يعـرف تدنـي مردوديـتها، وضعف أدائها، وإثقالـها كاهـل خزيـنة الدولـة بملاييـر الدولارات، مقابـل خسائـر سنويـة تكاد تكـون إراديـة ومبرمجـة..
*                     *                 *
الاقتصـاد الجزائـري لا يُبنـى بالتصريحـات ومعسـول الكلـمات، ولا يصنـعه بريـق الشـعارات ولا عبـير العـبارات، كما لـن يجـدي معه أبدا صـدق أحـلام القلـة القليلـة جـدا من الاقتصاديـين الجزائريين الوطنـيين المخلصـين، سـواء كانـوا في دواليـب السلطـة، أو بين عمـوم الجماهـير..
إنما يبنـيه العـمل الهـادف الجـاد، وفـق استراتيجـية علمـية / عملـية دقيـقة، بأيـدي رجـال ونسـاء جزائريـين قلـبا وقالـبا، آمنـوا كما آمـن ذات شـتاء سبعيـني جمـيل: هـواري بومديـن وأب الصناعـة الجزائريـة عبد السـلام بلعـيد، أن بناء دولـة قويـة مستقـرة، سياسـيا واجتماعـيا، باقتصـاد صناعـي مستـقل، هو الضـامن الوحـيد لعـدم عـودة الاستدمـار الفرنسـي اللعـين، ولـو بأشـكال أخـرى وفـق نظريـة القـوة الناعـمة..
*                     *    &#160
;            *
إن مـا يخـشاه كل متتـبع إعلامـي فطـن، هـو تكـرار نفـس الآثـار السلبـية الاجتماعـية / النفسـية القاسـية للأزمـات المالـية العالمـية، على غـرار بركـان 5 أكتوبـر 1988 كإفـراز موضوعـي لأزمـة الاقتصـاد العالمـي سـنة 1986، وانهـيار الوضـع الداخلي، دمويـا واجتماعـيا واقتصاديـا، في نهايـة تسعينـيات آخـر قـرن من الألفـية الماضـية، كنتيجـة طبيعـية لأزمـة السيولـة المالـية العالمـية، التي اندلعت كالحريـق المالـي، بفعـل فاعـل رأسـمالي أمريكي، يهـودي الأصـل، يدعـى سوروس، في الأسـواق الآسيويـة سـنة 1997..      
 
أسـتاذ الاقتصـاد في جامـعة عنابـة الجزائـرية
   
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد