إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

قرار العفو: الرابح والخاسر؟

Issa د/ نصار عبدالله
القرار الذى أصدره الرئيس حسنى مبارك بالعفو عن الأستاذ إبراهيم عيسى رئيس تحرير الدستور يطرح سؤالا بالغ الأهمية فيما أعتقد ألا وهو من الرابح حقا من قرار العفو، ومن هو الخاسرأو من هم الخاسرون إن كان ثمة خاسرون ؟؟؟ …وفيما أتصور فإن الرابح الأول من هذا القرار هو السيد رئيس الجمهورية الذى تحقق له الكثير من ورائه، فهو أولا قد استطاع أن يتدارك ما كان يمكن أن يبدو عليه مقام الرئاسة ـ لوتم تنفيذ الحكم فى عيسى ـ من أنها تقف موقف اللامبالى أو أنها تقف موقف المتشفى أو الشامت الذى يتابع ما يحيق أو بالأحرى ـ ما يحاق ـ بكاتب موهوب كثيرا ما يستبد به الغضب من هول ما يرى فيتجاوز ما قد يراه البعض من أبسط مقتضيات اللياقة الإنسانية أو أدب الخطاب ، ..استطاع قرار العفو أن ينقذ مقام الرئاسة من شبهة أو مظنة كانت كفيلة بأن تنزل بها إلى مستوى لا يرضاه لها حتى أشد الكارهين لها أوالمترصدين لأخطائها، … ثم إن قرار العفو قد استطاع ثانيا أن يتجاوز ذلك المأزق الذى كانت الرئاسة ستجد نفسها فيه لو تم تنفيذ حكم الحبس فى إبراهيم عيسى بعد سنوات من وعد واضح صريح أبلغه السيد الرئيس بنفسه إلى نقيب الصحفيين السابق مؤداه أنه سوف يتم إلغاء عقوبة الحبس فى قضايا النشر، ….فمن خلال العفو الرئاسى سوف يكون بوسع الرئيس أن يقول إنه لم يحنث بوعده السابق ، وإن الوعد ما زال قيد البحث عن أفضل سبل التحقيق ( رغم أنه لا يبدو فى الأفق ما ينبىء عن قرب الوفاء به!!! )، ثم يأتى بعد ذلك ثالثا مكسب ثالث هام للرئاسة باعتبارها قمة السلطة التنفيذية ، حيث أصبحت حرية الصحافة والصحفيين معلقة من الناحية العملية بإرادة الرئاسة وحدها ، فلا هى مكفولة بتشريع يلغى عقوبة الحبس ويضمن حرية النشر والتعبير ضمانا حقيقيا ( لأن مثل هذا التشريع الذى وعد به الرئيس ما زال ، وربما سيظل إلى أمد لا يعلمه إلا الله محض سراب خالص ) ، ولا هى كذلك مكفولة بإجراءات قضائية عادلة ، بعد أن انحرفت واعوجت عن مسارها الصحيح دعوى الحسبة إذ أمسكت بها بعض الأيدى المعوجة لكى تمتد بها إلى رقاب الصحفيين ، ولكى ترسى للمرة الأولى فى التاريخ المصرى سوابق قضائية جديدة تضيق الخناق على حرية التعبير، وهكذا خرجت حرية الصحفيين من دائرة التشريع ومن دائرة القضاء لكى تبقى الكلمة النهائية والأخيرة بيد مؤسسة الرئاسة وحدها … وهو ما يعنى من حيث الممارسة العملية توسيعا جديدا لسلطات الرئاسة ( الواسعة أصلا ) …على حساب السلطتين : التشريعية والقضائية!!…، هذا هو الرابح الأول ، أما إبراهيم عيسى نفسه فإنه لم يربح سوى أنه قد نجا بجلده من الحبس لمدة شهرين ، لكنه فى مقابل ذلك قد خسر الكثير ، فقد خسر أولا ومعه كل الكتاب والصحفيين إحساسهم بذلك النوع من الأمان الذى يمنحه للمرء شعوره بأنه يحيا فى ظل دولة تتحدد فيها الحقوق والواجبات بمقتضى قانون عادل يطبقه قضاء عادل فى ظل إجراءات نزيهة وعادلة!!، وأصبح المصدر الوحيد للإحساس للأمان ـ إن جاز أن يسمى هذا أمانا ـ أصبح هو مجرد الأمل فى أن يتدخل الرئيس فى اللحظة الأخيرة لكى يصدر عفوا رئاسيا ، وهو أمل قد يصيب،  لكنه أيضا ـ يوما ما ـ قد يخيب!! ،… كما خسر إبراهيم عيسى ثانيا فرصته فى إمكان نقض الحكم الراهن وصدور حكم جديد ببرائته ، وشتان شتان بين أن يصدر حكم ببراءة إنسان ، وبين أن يصدر حكم بإعفائه من العقوبة بعد إدانته!، فهو فى الحالة الأولى برىء، وفى الثانية مذنب مشمول بعفو الرئيس ( شأنه فى ذلك شأن الجاسوس الإسرائيلى عزام عزام مثلا ) ، كما خسر الأستاذ عيسى ثالثا فرصته فى أن يكون هو أول شهيد لحرية الرأى يدخل السجن بعد وعد الرئيس بإلغاء حبس الصحفيين ، وللأمانة فإننى لست واثقا تماما مما إذا كان هذا الأمر من بين ما يهتم به الأستاذ إبراهيم عيسى ويضعه فى حساباته وأولوياته، لست واثقا من ذلك لأننى لا أعرف الأستاذ عيسىعن قرب ، لكننى أعلم على وجه اليقين أن هناك الكثيرين من الكتاب والصحفيين يهتمون بغير شك بان يحمل كل منهم رقم (1) ، وأن يكون كل منهم هو الأول من بين أقرانه أيا ما كان المجال الذى تقترن به تلك الأولوية ، حتى لو كان ذلك المجال كارثة من الكوارث!!!، وهذا هو فيما أتصور واحد من أهم أمراض الصحافة والثقافة فى مصر التى كثيرا ما سهلت لأعداء حرية التعبير أن ينقضوا عليها ويصيبوها فى مقتل ، لكن الحديث تفصيلا عن تلك الآفة اللعينة ليس هنا مجاله بطبيعة الحال!!، ثم يبقى فى النهاية أن نقول : إنه أيا من كان الرابح ، وأيا من كان هو الخاسر، فإن الشكر لرئيس الجمهورية واجب فى جميع الحالات.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد