إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

من يقرر الحرب والسلم في لبنان؟

7arb(2)عارف زيد الزين*

 قال عميد الدبلوماسية اللبنانية الراحل حميد فرنجيّة: “إنّ الشر يصبح خيراً حتى يتفق عليه اللبنانيون والخير يصبح شراً حتى يختلف عليه اللبنانيون”( ).

 إنقسم اللبنانيون إلى تيارين سياسيين رئيسيين منذ استشهاد رئيس الوزراء السابق الشيخ رفيق الحريري في 14 شباط 2005( ).

 ومن المواضيع الرئيسية المختلف عليها قرار الحرب والسّلم الذي يؤدّي بشكل مباشر إلى التساؤل عن مدى الحاجة لسلاح المقاومة اللبنانية خصوصاً بعد التحرير في 25 أيار عام 2000( ).

 وقد احتدم هذا الخلاف بعد صدور القرار 1559 في 2 أيلول 2004 الذي يدعو إلى نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وزاد من وتيرة هذا الخلاف إستشهاد الرئيس الحريري في 14 شباط 2005 وإنسحاب الجيش السوري في 26 نيسان 2005 وإندلاع ما سمّي “بحرب تموز” في 12 تموز 2006 بين حزب الله وإسرائيل وتبني الحكومة اللبنانية بالإجماع ما سمّي “بالنقاط السبع” في 27/7/2006 وصدور القرار 1701 في 11 آب 2006.

 قبل الدخول في صلب موضوع المقال أي من يقرّر الحرب والسلم في لبنان وإرتباط ذلك سلاح المقاومة هناك بعض الملاحظات حول القرار 1701 والنقاط السبع ومؤتمر روما المنعقد بسبب حرب تموز 2006.

أولاً: حول القرار 1701 والنقاط السبع:
 نصّ القرار 1701 على عبارة “هجوم” عندما يصف أعمال حزب الله في حرب تموز و”العمليات العسكرية الهجومية” عندما يتعلق ذلك بإسرائيل ولم ينص القرار على حق الدفاع المشروع إن كان للبنان أو إسرائيل.
 لذلك فإن عبارة “هجوم” يمكن أن تدل على عمل عسكري محدود كالأعمال الإنتقامية لبلد ما لإستعادة حق معيّن وفقاً للعلاّمة شارل روسو والعمل الإنتقامي مختلف تماماً عن العدوان إذ أنّ العمل الإنتقامي لا يسمح للبلد الآخر بحق الدفاع عن النفس بعكس العدوان الذي يعطي للبلد المعتدى عليه حق الدفاع عن النفس كما هو وارد في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة مع العلم أنّ الحصار البري والبحري والجوي والعمليات الجوية والبرية والبحرية التي قامت بها إسرائيل هي إحدى وجوه العدوان المعرّف في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 تاريخ 14/12/1974 خصوصاً أنّ القرار 1701 في الفقرة التمهيدية رقم 10 أكّد أن “التهديد الذي يتعرض له لبنان يشكل تهديداً للسلام والأمن العالميين” ولم يؤكد على أي تهديد للسيادة الإسرائيلية.

 ويعني ذلك أنّ مبدأ التناسب التي نادى فيه البعض لا يمكن تطبيقه على الحالة اللبنانية إذا لم يكن هناك عدوان من جهة لبنان لأن مبدأ التناسب مشروط بحق الدفاع عن النفس وهذا الحق منتفي لصالح إسرائيل ولتوضيح هذا الإلتباس يحتاج إلى إستشارة غير ملزمة لمحكمة العدل الدولية تكون بمثابة إنتصار معنوي للدولة المعتدى عليها.

 يركّز القرار 1701 والنقاط السبع على بسط سيادة الدولة على جميع أراضيها ولم يتطرقا أبداً لحق الدفاع المشروع عن النفس من قبل الدولة اللبنانية المعتدى عليها، مع العلم أن البنك الدولي إعتبر في تقرير له “الدّفاع عن السيادة” من أهم وظائف الدّولة( ).

 بينما إعتبرت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس في مقالة لها قبل 7 أشهر من حرب تموز 2006 أنّ الديمقراطيات لا تحارب بعضها البعض وفقاً لمبدأ السلام الديمقراطي (Democratic peace) لكن هناك دول ديمقراطية تعد دول فاشلة (failed states) لعدم قدرتها على بسط كامل سيادتها على جميع أراضيها وهذه الدُّول تسبّب الكثير من المشكلات للمجتمع الدولي وكأنها تقول بشكل ضمني أنّ هذه الدّول يمكن إستباحة سيادتها ومحاربتها بسبب عدم بسط السيادة( ) دون أن تسمِّي من هي هذه البلدان، لكن السفير الأميركي السابق في الأمم المتحدة تحدّث عن هذه البلدان ومنها لبنان عندما تحدّث عن الديمقراطية اللبنانية وتهديد حزب الله( ).
ثانياً: مؤتمر روما:
 إنعقد مؤتمر روما في 26 تموز 2006 بحضور 14 وزير خارجية ورئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة من أجل إيجاد حل لحرب تموز 2006.

 خلت كلمة الرئيس السنيورة المفصلة عن العدوان الإسرائيلي من حق الدفاع المشروع عن النفس للدولة المعتدى عليها أي لبنان وتم التركيز على بسط سيادة الدولة بالإضافة إلى ذلك أكّد البيان الختامي للمؤتمر على وجوب بسط سيادة الدولة اللبنانية على جميع أراضيها دون ذكر حق الدفاع عن النفس لكن الغريب أنّ الجانب اللبناني لم يتحفّظ على الفقرة الأخيرة من البيان التي اعتبرت بشكل ضمني أن هناك ضحيتين لحرب تموز وهما الشعب اللبناني وإسرائيل( ) بالرّغم من الإدانة الواضحة التي تضمنتها كلمة الرئيس السنيورة لإسرائيل فكيف يمكن وصف الشخص بالجلاّد ثم القبول به كضخيّة؟

 إنّ ما قلناه إستطراداً أعلاه عن بسط سيادة الدولة والدفاع عن السيادة لهما علاقة غير مباشرة بموضوع المقالة وهو قرار الحرب والسلم وسلاح المقاومة اللبنانية.

 الحرب هي صراع بين القوات المسلّحة لدولتين بهدف صيانة الحقوق والمصالح( ).
 والسلم هي إنهاء حالة الحرب بين دولتين.
 
 ويختلف إتفاق السلام عن إتفاقية الهدنة إذ أنّ الأخير ليست إلاّ تعليق للعمليات العسكرية وليس إنهاء لحالة الحرب وفقاً المادة 36 من إتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907.

 في لبنان يتم إتخاذ قرار الحرب والسلم بعد إتفاق الطائف ووفقاً للمادة 65 من الدستور بأكثرية ثلثي مجلس الوزراء. لم يتم التوقف عند ماهية عبارة “الحرب والسلم” عند
إقرار المادة 65 الجديدة في مجلس النواب وإذا كان بلد كإسرائيل قد أعلنت الدولة اللبنانية الحرب عليه منذ 1948 بحاجة إلى قرار ثلثي مجلس الوزراء من جرّاء أية عملية عسكرية ضد هذا البلد لذلك فمن المنطقي وحتى يتم تفسير هذه العبارة من المراجع المختصة فإن أي إجراء عسكري ضد إسرائيل لا يحتاج إلى قرار من مجلس الوزراء. لكن إذا كان الأمر كذلك، فإن أي إجراء عسكري( ) لا يمكن اتخاذه في المبدأ إلاّ من القوات المسلحة النظامية أي الجيش اللبناني وفقاً للمادة الأولى من قانون الدفاع الوطني (المرسوم الإشتراعي 102 تاريخ 16/9/1983) وإنّ أي سلاح خارج إطار القوات المسلحة( ) يحتاج إلى ترخيص من وزير الدفاع الوطني وفقاً للمادة 25 وما يليها من قانون الأسلحة والذخائر (المرسوم الإشتراعي 137 تاريخ 12/6/1959) أي أنّ القانون اللبناني أقّر بحصرية السلاح وإتخاذ العمليات العسكرية للقوات النظامية متوافقاً مع منطق ورأي الفيلسوف الألماني ماكس فيبر بعكس المنطق اللينيني التروتسكي الذي يعتبر عكس ذلك.

لكن الأمر يختلف في حالات الإحتلال الأجنبي للبنان إذ يحق للمقاومة الشعبية عند إنتقاض السيادة وتقاعس القوات النظامية عن القيام بمهامها أن تقاوم قوات الإحتلال وفقاً لمبدأ حق تقرير المصير وإن كان لا يوجد إجماع دولي حول هذا المبدأ إلا أن القوى السياسية الرئيسية في لبنان سواء 14 أو 8 آذار متوافقة بالظاهر على الأقل حول هذه الصيغة لكن الخلاف يدور حول حق المقاومة بالإحتفاظ بسلاحها حتى بعد تحرير الأرض بالنظر إلى التهديدات الإسرائيلية اليومية بحراً وبراً وجواً حتى إيجاد إستراتيجيّة دفاعية متفق عليها وهذا رأي قوى 8 آذار. بينما ينطلق قوى 14 آذار من مبدأ حصرية السلاح في إطار الجيش اللبناني بعد زوال الإحتلال حتى إيجاد استراتيجية دفاعية متفق عليها.

من المعلوم أنّ الدولة اللبنانية لها قانونياً عدو واحد هو إسرائيل ومحتل واحد لأراضيها هو إسرائيل بدءاً بالقرار 425 و508 و509 إنتهاءً بالقرار 1701، ولا تسمى مقاومة قانوناً إلاّ المجموعة التي إختارت العمل العسكري في المبدأ ضد هذا العدو بغية تحرير أرض وطنها.

لكن السؤال هل يحق للمقاومة الدفاع عن أرض الوطن إذا زال الإحتلال وبالتالي الإحتفاظ بالسِّلاح؟ وفقاً للقوانين اللبنانية، إن قرار الحرب والسلم يحتاج إلى ثلثي مجلس الوزراء وحصرية السلاح في إطار الجيش اللبناني والدفاع عن لبنان من مهمة الجيش. لكن بعض الإتفاقيات الدولية الأساسية المتعلقة بقوانين الحرب تطبّق هذه القوانين على عناصر الميليشيات والقوات غير النظامية ولا تميّز بينها وين الجيوش النظامية خصوصاً إتفاقية لاهاي لعام 1907 المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية وخصوصاً المادة الأولى منها التي تعرَّف المحاربين ولا تميّز بين المقاومة والجيش.
 وقد نصت المادة الرابعة من إتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب الموقعة في 12 آب 1949 على ما يلي:
أ- المعنى المقصود لأسرى الحرب:
“1- أفراد القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع والميليشيات أو الوحدات المتطوعة التي تشكل جزءاً من هذه القوات المسلحة.
2- أفراد الميليشيات الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى بمن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة الذين ينتمون إلى أحد الأطراف إلخ…”.

هذا النص المتعلق بأسرى الحرب واضح من حيث تمييزه بين القوات النظامية والقوات غير النظامية المستقلة وبالرغم من ذلك فالقانون الدولي المطبّق هو واحد وهذه الإتفاقيات تتعلق بقوانين الحروب وليس بالضروري أن يكون هناك إحتلال أي بتفسير آخر فإنّ القانون الدولي يعترف بحق القوات غير النظامية (بما فيها المقاومة) في الدفاع عن وطنها بشكل ضمني.

إذا كان لبنان موقعاً على هذه الإتفاقيات( ) فإن مبدأ سمو المعاهدات على القوانين المحلية يجب أن يُطبق.

هناك أيضاً إتفاقية متعلّقة بلبنان يجب مناقشة مضمونها وهي إتفاقية الهدنة الموقّعة بين لبنان وإسرائيل في 23 آذار 1949 إنّ إتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل هي بلا شك إتفاقية من نوع خاص إذ لم تبرم بناء على إرادة حرَّة من قبل دولتين ذات سيادة بل تم إبرامها بناء على قرار مجلس الأمن رقم 62 تاريخ 16 ت2 1948 الصادر وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهذه الإتفاقية تعلّق الأعمال الحربية بين لبنان وإسرائيل ولا تنهي حالة الحرب بينهما( ).

ولا يمكن إلغاؤها إلاّ بقرار مماثل من مجلس الأمن أو باتفاقية سلام بين البلدين تنهي حالة الحرب مع موافقة مجلس الأمن( ) كُتب أكثر من بحث عن هذه الإتفاقية( ) لذلك لن نكرِّر ما سبق لكن سنتوقّف عند أحد بنود الإتفاقيّة الذي ينص على منع أي أعمال حربية من القوات النظامية وغير النظامية لأي من الفريقين وقد جاء في النص الأصلي الفرنسي لإتفاقية الهدنة في الفقرة الثانية من المادة الثالثة ما يلي:
Article 3
“2- Aucun élément des forces terrestres militaires ou paramilitaires, de l’une quelconque des parties, Y compris les forces irréguliéres…”.

يتبيّن من خلال هذه الفقرة التباس حول إذا كانت القوات غير النظامية مستقلّة عن القوات النظامية أو تابعة لها وفي ظل هذا الإلتباس ومن خلال التفسير العكسي لهذه الفقرة يمكن للقوات غير النظامية الدفاع عن الأراضي اللبنانية إذا حصل عدوان ما من إسرائيل والدّفاع يحتاج إلى سلاح يعني ذلك أنّه يمكن تفسير هذه الفقرة بحق القوات غير النظامية اللبنانية المستقلة عن الجيش الدفاع عن الأراضي اللبنانية في حال حصول عدوان إسرائيلي ومعنى ذلك أنّ هذه القوات غير النظامية يجب أن تح
تفظ بأسلحتها حتى إلغاء إتفاقية الهدنة من قبل مجلس الأمن ولا علاقة لهذا السلاح بالإحتلال أو زواله. وتشمل القوات غير النظامية وفقاً القانون الدَّولي المقاومة المنظمة يعني ذلك أنه يشمل الجناح العسكري للمقاومة اللبنانية ولم يكن البند الرابع لتفاهم نيسان 1996 سوى توضيح وتثبيت لما جاء في الفقرة الثانية من المادة الثالثة لإتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل والمادة الأولى من إتفاقية لاهاي والمادة 4 من إتفاقية جنيف الثالثة. فالتفسير العكسي لهذه المواد تعطي المعنى ذاته للبند الرابع لتفاهم نيسان إضافة إلى حق القوات غير النظامية في الدفاع عن السيادة وإرتباط سلاحها بإلغاء إتفاقية الهدنة وليس بزوال الإحتلال، وهذه المواد من هذه الإتفاقيات مخالفة للقوانين اللبنانية وللقرار 1559 لكن إتفاقية الهدنة صدرت وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ويجب الإلتزام ببنودها لو لم تكن واردة في وثيقة الوفاق الوطني وفي القرار 1701 حتى يتم إلغاءها بقرار مماثل من مجلس الأمن الدولي بالإضافة إلى مبدأ سمو المعاهدات على القوانين المحلية بالنسبة لإتفاقية جنيف الثالثة.

في الدول القوّية لا يوجد أي تناقض بين بسط سيادة الدولة والدّفاع عن السيادة بينما يوجد هذا التناقض في كثير من الدّول ومنها لبنان فبالإضافة إلى المربعات الأمنّية لا يوجد تنسيق كامل بين الجيش اللبناني والمقاومة اللبنانية بل تنسيق محدود وضروري أسفر عن تعذّر بسط الدولة لسيادتها على كامل أراضيها لكنه أسفر أيضاً عن دفاع فعّال عن السيادة اللبنانية بإنجاز غير مسبوق في تاريخ لبنان الحديث في حرب تموز 2006 كما قال فخامة الرئيس ميشال سليمان.
من المعلوم أنّ السيادة المطلقة والمساواة في السيادة التي نص عليهما ميثاق الأمم المتحدة ليسا موجودين سوى في النصوص باستثناء بعض الدّول العظمى. لذلك فإنّ مبدأ السيادة المحدودة قد ساد العلاقات الدولية منذ أكثر من 60 عاماً لذلك يجب إيجاد تكامل بين بسط سيادة الدّولة اللبنانية والدفاع عن سيادتها أو حل وسط يوصلنا إلى “سيادة آمنة” أي ليست سيادة مطلقة بل سيادة متاحة وفقاً للتوازن الدولي وقوّة لبنان في الدفاع عن أرضه شرط أن لا يكون تنازل الدّولة عن سيادتها خصوصاً من جهة بسط السيادة يشكِّل خطراً على أمنها القومي وكرامة أبنائها.

الوصول إلى حد أقصى من الدفاع الفعال عن الوطن وحد أدنى من عدم بسط السيادة حتى إيجاد استراتيجية دفاعية ترضي الجميع، “لأنّ الشر يصبح خيراً متى توافق عليه اللبنانيون” رحم الله الراحل حميد فرنجية مع التمني بوجود شخصيات تحبُّ الوطن كما أحبَّه.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد