إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

اختفاء البق!

Baq(1)

د/ نصار عبدالله
قال لى أحد الأصدقاء المنتمين إلى الحزب الوطنى : ” أنت فى كل ما تكتب تقريبا ، لا ترى شيئا إيجابيا على الإطلاق …رغم أن الحقبة الراهنة التى نعيشها تحفل بالإيجابيات غير المسبوقة التى لا يستطيع أن ينكرها أحد ” … ولأنى أشعر بأن صديقى هذا قد ظلمنى، فقد قررت أن أعيد نشر واحد من المقالات التى سبق أن تناولت فيها ظاهرة إيجابية جدا أعتقد أن كاتبا مثل الأستاذ سمير رجب أو مثل الأستاذ ممتاز القط لن يجد صعوبة على الإطلاق فى ردها إلى صاحب الفضل فيها، خاصة وأنها قد بدأت تتضح منذ بداية الثمانينات من القرن الماضى ،..(وهو توقيت لا شك أن له دلالته!!)! … الظاهرة المقصودة هى ظاهرة اختفاء البق ، أماالمقال فهو ” أين ذهب البق” ؟ وفيما ياتى نصه : ـ
 هل تذكرون البق؟ تلك الحشرة اللعينة المستديرة ذات اللون العسلى والتى لم يكن حجمها يتجاوز نصف حبة من العدس (أبى جبة)، ومع هذا فقد كانت تسبق المشكلات العاطفية والمالية فى أسباب حرماننا من النوم!، ..ربما كانت الأجيال الجديدة لم تعاصر مثلنا تلك الحشرة التى لم يكن يكاد يخلو منها بيت مصرى خاصة فى بيوت الطبقات الفقيرة والمتوسطة، حيث كانت تعشش بين ألواح الأسرة، وفى ثنايا المراتب والألحفة والوسائد، وفى انكسارات الحوائط وزوايا النوافذ والأبواب، وتحت فجوات المقابض وفى ثقوب الأقفال، بل إن منها ما كان يعشش فى زواياالأسقف وأركانها ويظل ساكنا طيلة النهار، حتى إذا أتى الليل وأوى المرء إلى سريره تحركت الواحدة من جيوش البق من مكمنها ثم سقطت من السقف مثل جندى المظلات لكى تستقر بدقة شديدة خلف أذن المرء أو فى قفاه!، ثم تبدأ فى الزحف وهى تصب موادها المهيجة التى تدفعه إلى الهرش المحموم محاولا عبثا أن يظفر بها، ونادرا ماكان المرء يفلح فى ذلك إلا أن يقوم من نومه ويخلع ملابسه ويفتشها بدقة ، حينئذ يعثر عيها وقد اختبأت فى ياقة جلباب أو بيجامة، حتى إذا تخلص منها وعاد إلى رقاده انقضت عليه واحدة أخرى أو اثنتان أو ثلاثة ، فيعاود الكرة مرة بعد مرة إلى أن يصيبه الإعياء فيستسلم مهزوما ويهمد، ويسلم دماءه حلالا مستباحا للبق فى بعض الحالات، أو يظل يقاوم إلى أن يدركه الصباح فى حالات أخرى! ،.. ورغم كل المجهودات التى كان يبذلها المصريون لتخليص بيوتهم من البق إلا أن تلك الحشرة كانت تثبت دائما قدرتها على البقاء والصمود فى مواجهة كل أساليب الإبادة التى كان يشنها عليها الإنسان، بما فى ذلك استخدامه للمبيدات الحشرية بدءا من مادة دى دى تى التى كانت تعد فى أوان اكتشافها فتحا من الفتوحات، ومرورا بالتوكسافين واللينيدين وانتهاء بالبيروسول والأيروسول، وهى جميعها مبيدات لم تفلح إلا فى محاصرة أجيال معينة من البق ، أما الأجيال التالية فقد تحصنت ضد كل تلك المبيدات ولم تعد تعبأ بها ، وبهذه المناسبة أذكر أنى ألقيت ذات مرة ببقة إلى داخل علبة مملوءة بالتوكسافين فظلت البقة تجاهد إلى أن خرجت منها ناجية وراحت تواصل سيرها فى أمان كأن لم يصبها شئ ،…. وفجأة وبدون سبب معلوم، ومع بداية الثمانينات من القرن الماضى  بدأ البق يتقلص إلى أن اختفى تماما من سائر البيوت  بما فى ذلك بيوت متوسطى الحال والفقراء ، وقد تعاصراختفاؤه مع اختفاء كائنات أخرى مثل طائر الحدأة التى كثيرا ما كانت فى الريف تختطف الطيور الصغيرة من أسطح المنازل بل إنها كثيرا ما كانت تختطف الطعام الذى كان يحمل على الرءوس فى الصوانى من البيوت إلى المناظر لكى يتم تناوله بشكل جماعى فى المناسبات العامة،.. لكم أتمنى وأنا أستعيد ذكرى تلك الأيام ، كم أتمنى أن يفسرلى أحد المتخصصين فى العلوم البيئية أسباب اختفاء البق والحدأة، وعما إذا كان هناك صلة بين الأمرين، أم أن اختفاءهما من مصر فى وقت واحد تقريبا هو مجرد صدفة.
                                                           
   [email protected]

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد