إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

القبائل العربية لا (الكنعانية)؟! (الحلقة الثالثة)

القبائل العربية لا (الكنعانية)؟!

                   (الحلقة الثالثة)                      مصطفى إنشاصي

لأني أعشق التاريخ تجدني كلما وقع بصري على عنوان مقالة أو بحث له علاقة بالتاريخ سارعت لقراءته، وفي كل مرة تصدمني تلك المعلومات غير الصحيحة التي مازال كتابنا ومفكرينا يرددونها، وبعد أن قرأت عدة مقالات عن تاريخ فلسطين والقدس في الفترة الأخيرة في المواقع الالكترونية أرى أنه يجب أن الفت الانتباه إلى تلك المعلومات التاريخية التي باعتقادي أنها خاطئة تاريخياً.

ومن الأسماء التي يمثل استخدامها دون التدقيق في مخاطر ذلك الاستخدام لأن لها علاقة بالرؤية الدينية التوراتية، والتي تعتبر من صلب قضايا الصراع بين المسلمين واليهود على فلسطين (القضية المركزية للأمة)، والتي لها علاقة مباشرة أيضاً بغايات التوراة للسيادة العالمية الدينية لليهود، تلك الرؤية التي يؤمن بحرفيتها النصارى البروتستنت، وبالمعنى العام لها النصارى الكاثوليك والأرثوذكس، أسماء مثل (الكنعانيون، الفينيقيون). أو كأن يوثق البعض إلى أن أقدم جذر تاريخي في بناء القدس يعود إلى اسم بانيها، وهو (إيلياء بن إرم بن سام بن نوح)، ولو سألته أو بحثت عن مصدره التاريخي الموثوق الذي اعتمد عليه في توثيقه لهذه المعلومة أو تلك على شاكلتها كما هو أصل اسم (الكنعانيون والفينيقيون) ستجده التوراة المحرفة التي بين أيدينا، والتي ثبت عدم صحتها أو جواز اعتمادها مصدر تاريخي موثوق، خاصة وأنه لا يوجد دليل آثاري أو تاريخي يؤكد صحة ما جاء فيها، بل العكس الصحيح، فقد أثبتت الدراسات النقدية اللغوية والتاريخية وعلم الأديان، أن التوراة كتاب غير موثوق لا دينياً ولا تاريخياً ولا أنثروبولوجياً، وذلك لأنه كُتب متأخراً وعلى أيدي كتبة يهود، أودعوا فيه جميع خرافات وأساطير الأقوام التي عاشت في العالم القديم، ونسبوها إلى إله خاص بهم هو غير إله جميع البشر، إلى إلههم الخاص “يهوه”، وأضافوا إليها جميع عقدهم النفسية ضد البشرية وتوجهاتهم السياسية المستقبلية إلى نهاية الكون، وجعلوا منها كتاب ديني موحى به من الله إلى أنبياء بني إسرائيل؟!

في هذه الحلقة سنلقي الضوء على مصدر آخر قد يكون أكثر صحة من المصدر التوراتي لأصل اسم (الكنعانيون، الفينيقيون)، أو الأصل اللغوي الذي اشتقت منه تلك الأسماء.

 عربية لا (كنعانية) ولا (فينيقية)

كانت القبائل التي أطلقت عليها اسم (الكنعانيون والفينيقيون) هي فرع من الهجرات العربية التي غمرت الساحل السوري ولبنان وفلسطين في الألف الرابع قبل الميلاد، وهي أول وأكبر القبائل العربية التي سكنت فلسطين ولبنان. فقد “وصل (الفينيقيون) ونزلوا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط ابتداءً من أوجاريت (على مقربة من اللاذقية) إلى صور، كما احتل (الكنعانيون) جزءاً آخر من الشاطئ من جبال الكرمل حتى حدود مصر، وهي المنطقة التي عرفت فيما بعد باسم فلسطين”.

ومن خلال البحث التاريخي والمسح ألآثاري الغالب أنه لم يثبت اسم (كنعان) إلا في العهد القديم (التوراة)، كتب الأب دوفو: “كانت بداية العصر البرونزي القديم 3100 ق. م هي الزمن الذي استقر فيه (الساميون) لأول مرة في فلسطين وقد أُطلق عليهم (الكنعانيون) تبعاً لإطلاق (الكتاب المقدس) الذي خلع هذا الاسم على السكان (الساميين) في فلسطين قبل وصول الإسرائيليين).

الثابت علمياً أن العهد القديم (التوراة) كتب بعد سيدنا موسى عليه السلام بنحو خمسة قرون، وقد جاء فيه اسم (كنعان) كجد للقبائل العربية التي سكنت فلسطين. لذلك لا بد من وقفة مع أصل كلمة (كنعان). يقول مجموعة من المؤرخين وعلماء الآثار:

أنه كان يُظن قديماً أن اسم (كنعان) (سامي) الأصل وأنه مشتق من فعل “خنع، قنع، كنغ” إشارة إلى الضِعة ومنها مجازاً الأرض الواطئة لسكناهم على الساحل، ولكن الرأي المقبول الآن عند أكثر المشتغلين بهذه الدراسات هو أن أصل كلمة (كنعان) غير (سامي)، ويُحتمل أن يكون مشتقاً من اللفظ الحوري Knaggy بمعنى الصباغ الأرجواني، إذ كانت هذه المنطقة تشتهر بهذه الصبغة القرمزية عندما اتصل الحوريون بتلك البلاد في القرن الثامن عشر أو السابع عشر قبل الميلاد. وفي البابلية كتبوا اسمها “كنغى”، وكتب بالفينيقية كنع Kena، وبالعربية (كنعان) أي بلاد الأرجوان.

لم يقل علماء الآثار أن (كنعان) اسم علم على (كنعان بن حام بن نوح)؟! ولكنهم ظنوا في البداية أنه مشتق من فعل “خنع، قنع، كنغ” كما سبق ذكره، وأنهم اكتشفوا أن الاحتمال الأقرب إلى الصحة، أنه مشتق من اللفظ الحوري Knaggy! فكيف لنا أن نستخدمه على أنه اسم علم، في الوقت الذي لم يذكره اسم علم إلا (التوراة)، وقد سبق أن ذكرنا القصة التي اختلقها كتبة التوراة والهدف والغاية منها وعدم صحتها.

أما اسم (فينيقيا) فهو مشتق على الأرجح من الكلمة اليونانية Phoenix التي تعني باليونانية نفس معنى كلمة Knaggy الحورية؛ أي  تعني اللون القرمزي أو اللون الأرجواني، وهو اللون الذي كانت القبائل العربية التي سكنت ساحل لبنان وسوريا (الفينيقيون) يستخرجون لونه من المحارات البحرية ويصبغون به ثيابهم. والظاهر أن الإغريق هم الذين خلعوا عليهم هذه التسمية. وغالباً ما تكون جماعة الميكانيين الذين جاءوا إليها للاتجار في أواخر الألف الثاني عشر قبل الميلاد هم الذين خلعوا عليها ذلك الاسم. وفي البداية كان لفظ (فينيقي)  يُستعمل لكل القبائل العربية التي سكنت فلسطين ولبنان، ثم حدد إلى الذين يسكنون الساحل، ومن حوالي الـ1200ق.م أصبحت كلمة (فينيقي) مرادفة لكلمة (كنعان). إلا أن اسم (الكنعانيين) ظل يطلق على من سكن الساحل الفلسطيني والمناطق الداخلية، واسم (فينيقي) على من سكن الساحل اللبناني والسوري مع أنهم قبيلة واحدة ولا فروق بينهم.

واجب تصحيح الأسماء

وبناء على ما تقدم فأننا نرى أن تُستخدم كلمة “سامي” و”عربي” كمترادفين لكلمة واحدة نقصد بها العرب، كما يُفضل وضع كلمة (سامي) و(كنعاني) و(فينيقي) وغيرها من الأسماء التي مصدرها توراتي ومشتقاتها عند النقل بين قوسين للدلالة على تحفظنا عليها، وأننا اضطررنا إلى استخدامها لضرورات النقل فقط. وتأكيداً منا على أننا لا نؤمن بخرافة التقسيم التوراتي لأصل الأجناس البشرية على الأرض، وأن القبائل التي يسميها البعض من المؤرخين وعلماء الآثار بالقبائل (السامية)، لا يوجد أي دليل قرآني أو تاريخي أو آثاري صحيح يؤكد حقا أنها تعود بأصولها العرقية إلى من تدعيه التوراة المحرفة (سام بن نوح)، واعتبار ذلك محض خرافة وأسطورة، ولكن الثابت أن اسم “كنعان” كاسم علم وأصل للقبائل العربية التي سكنت فلسطين وكجد أعلى لتلك القبائل، أول من أستعمله كان العهد القديم “التوراة”. كما أنه هناك شبه اتفاق بين المؤرخين وعلماء اللاهوت من الذين لم يقعوا فريسة للتعصب العرقي والديني الغربي؛ على أن ذلك التقسيم التوراتي لأصل الجنس الب
شري له غايات دينية وسياسية يهودية. وقد يكون كتبة التوراة صاغوا مؤامرتهم أيام السبي البابلي على أساس أن اسم (الكنعانيون) وغيره من الأسماء كانت موجودة وعلماً على تلك القبائل العربية التي كانت تسكن فلسطين وغيرها، ولكنهم أعطوها الصبغة الدينية السياسية، وجعلوا لها أصول دينية وعقدية يترتب عليه حقوق وواجبات على كل الأجناس البشرية أدائها تجاه الذرية الوحيدة (اليهود) التي هي من نسل (سام بن نوح)، التي خصتها الأسطورة التوراتية بالأرض الموعودة “فلسطين” وبالسيادة العالمية، وأن (كنعان بن حام) لُعن وحُرم من البركة والسيادة؛ بسبب غلطة ارتكبها أباه (حام بن نوح). وعلى الرغم من أن مصدر أصل تلك الأسماء غير التوراتي تطمئن له نفوسنا أكثر ويعتبر أصدق مما جاء في التوراة عن أصل مصدر اسم (الكنعانيون والفينيقيون) إلا أننا سنبقى نضع الاسم بين قوسين لأنه ليس كل الكتاب أو القراء يعرفون المصدر الأصلي للكلمة أو ويرفضون التسمية الدينية السياسية التوراتية.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد