إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

اللوبي العربي

Nofothأيمن شحادة
منذ فترة وجيزة وضع أحد المحلّلين الصحفيّين تقريراً يلقي الضّوء على واقع النّفوذ الصّهيوني العالمي بحيث بدا الأمر وكأنّ العالم قائم سياسيّاً واقتصاديّاً وفكريّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً وبشكل حصريً على الأسس والدّعائم التي كان للمفكّرين والأدباء والفلاسفة والعلماء اليهود الفضل الأساسي في إنشائها وتطويرها على مرّ العصور وحتّى يومنا هذا حيث بات اللوبي الصّهيوني، وإنطلاقاً من هذا الواقع، يمسك بمكامن النّفوذ في العديد من المرافق الحسّاسة خاصّة الإقتصاديّة والسياسيّة والثّقافيّة منها، فأعدّ لائحة طويلة بعشرات الأسماء اللامعة في عالم الفكر والثقافة والفلسفة والعلم والمال والأعمال على أساس أنّهم من اليهود، وفي المقابل عمد هذا المحلّل إلى تهميش أو بالأحرى نسخ الدّور العربي التّاريخي إسلاميّاً ومسيحيّاً وذلك على كافّة الأصعدة كما إلى تحجيم واقعه الحالي  لدرجة وكأنّه لا فضل للعرب لا ماضياً ولا حاضراً في أيّ مضمار له علاقة بالرُّقيّ والتطوّر الحضاري الفاعل في خدمة الإنسان والمجتمع والبيئة، لا بل وذهب بعيداً في وصفه العرب بالمجتمعات والأنظمة المتخلّفة التي نشأت على أنقاض حضارات متعاقبة لم تكن قواسمها وأهدافها المشتركة سوى استحواذ السّلطة والمال والنّساء.
 
قد يكون حاضرنا كأمّة عربيّة إسلاميّة مسيحيّة في حالة يرثى لها، والسّبب هو جوهر الإختلاف بين واقع الأمّة العربيّة وبين واقع الصّهيونيّة العالميّة، فالوصف الذي أتى في تقرير هذا المحلّل الصّحفي كان مبالغ به إلى حدّ كبير، إلاّ أنّه ألقى الضّوء من حيث لا يدري على موقع القوّة لدى الحركة الصّهيونيّة والتي هي بمثابة نقطة الضّعف لدى الأمّة العربيّة بإسلاميّيها ومسيحيّيها: الإنتماء للوطن الأمّ، الثّقة بالنّظام الحاكم فيه، التّكاتف والتّعاون والتّنسيق الدّئم لدى أبناء الوطن في دول المهجر (بالأخصّ في دول القرار) من أجل تأمين أفضل الدّعم السياسي والإقتصادي والثّقافي والإنساني للوطن إلى أقصى حدود الممكن المتاح، ….. فالصّهيونيّة العالميّة أسّست لوبي “Lobby” قبل أكثر من مئة عام قام على جمع وربط الجاليات اليهوديّة ضمن منظومة دخل في صلبها تقريباً كلّ يهود العالم من أثرياء ورجال أعمال وسياسيّون واقتصاديّون وعلماء وأدباء ومفكّرون وحتّى عمّال عاديّون حيث بذل كلّ من موقعه أقصى ما يمكن للمضي قدماً في تحقيق حلم اليهود، حيث نجح هذا اللوبي بعد سنوات طويلة من التّواصل والعمل التّنسيقي المضني والشّاقّ في تثبيت وتعزيز نفوذه إجتماعيّاً وإقتصاديّاً في الدّول العظمى آنذاك كأمريكا وبريطانيا وفرنسا إلى أن تمكّن لاحقاً من إستغلال هذا النّفوذ على السّاحة السياسيّة بشكل كبير جدّاً لدرجة أنّه بات للصّهيونيّة العالميّة مظلّة دعم دائمة أصبحت بمثابة جزء أساسي من مسلّمات العمل السياسي في كلّ من تلك البلدان، فأثمر هذا المجهود عن ولادة دولة إسرائيل بعد 50 عاماً من ولادة اللوبي الصّهيوني أي قبل 60 عاماً من الآن، كما أثمر عن قلب مفهوم اليهوديّة لدى الكثير من شعوب وأنظمة العالم من دين إلى قوميّة، لتصبح إسرائيل في يومنا هذا كالطّفل المدلّل لدى الدّول العظمى فتأخذ مصالحها واحتياجاتها ومخاوفها وهواجسها وأمنها بالحسبان كما لو أنّها جزء مميّز من كياناتها الخاصّة، ولهذا نلاحظ تمتّع إسرائيل بغطاء دولي سياسي واقتصادي وعسكري هو بالتّأكيد الأوسع في تاريخ العالم المعاصر تجاه بلد بحجم إسرائيل سكّاناً ومساحةً.
 
ولكن الأمر الملفت هو أنّ ما للعرب في دول القرار يبقى أكثر بكثير ممّا للصّهاينة، فللعرب أضعاف مضاعفة ممّا لليهود أكان ذلك يتعلّق برؤوس الأموال أو بالإستثمارات أو بالأملاك، أو بأعداد رجال المال والأعمال والصناعة والإقتصاد والثقافة والفكر والأدب والعلم من العرب ، أو بكثافة النّاشطين والروّاد في الحياة السياسيّة والإجتماعيّة والإنسانيّة من الذين لهم أصول عربيّة، أو بحجم جاليات المغتربين العرب ككلّ، … ولكنها وللأسف ….. قوّة مشرذمة، مفكّكة عاجزة عن تقديم شيء يذكر للأمّة العربيّة، …. فالجاليات العربيّة في المهجر تفتقد للشّعور بالإنتماء لأوطانها، لا تثق بمؤسّسات بلادها، غير مستعدّة لتقديم شيء لحكومات أنظمتها، … أي أنّ المصري غير مستعدّ لتقديم العون والمساندة للحكومة المصريّة أو لأيّ من المؤسّسات التّابعة لها، وكذلك السّوري بالنّسبة لسوريا، واللبناني للبنان، والأردني للأردن، وهلمّ جرّاً، ….  ولكن ما يزيد الأمر سوءاً لدى الجاليات العربيّة هو فقدان التّرابط والتّنسيق وضياع الثّقة ليس فقط فيما بينها بل حتّى ضمن جاليات مغتربي الوطن الواحد، ….. فكيف لنا أن نواجه نفوذ اللوبي الصّهيوني بهذه الهيكليّة المتصدّعة ؟ وفي الوقت نفسه لا يمكننا تجاهل الأمر الواقع، فهذه القوى العظمى هي من يمسك بدفّة السياسة العالميّة وهي من يتحكّم بواقعنا السياسي على الرّغم من بعض النّقاط البسيطة جدّاً والتي تمكّن بعضنا من تسجيلها هنا أو هناك بين الحين والآخر. صحيح أنّ هذه الهيمنة السياسيّة الإقتصاديّة العسكريّة لدول القرار قد تنهار في غضون سنوا
ت قليلة ولكنّها قد تدوم لعشرات سنين إضافيّة، وبناءً عليه يتحتّم علينا التّحرّك بموضوعيّة وبمنطق، وليس من الحكمة أبداً أن نتجاهلها أو أن نقرّر مواجهتها أو التّصدّي لها بالإمكانات المتوفّرة لنا حاليّاً …. وهي إمكانات إقتصاديّة كبيرة …. إنّما بلا مفعول بسبب فقدان الرّافعة السياسيّة العربيّة وانعدام وجود الدّرع العربي المتماسك ولو بالحدّ الأدنى.
 
نحن بالتّأكيد نشهد تحسّناً تدريجيّاً لأداء الأنظمة العربيّة وإن بوتيرة بطيئة جدّاً في أكثر الأحيان، إلاّ أنّ بناء وتعزيز الدّور الإغترابي العربي في دول قرار الأمر الواقع يبقى أمراً جوهريّاً وأساسيّاً وملحّاً يمكن ويجب إستثماره مستقبلاً لما فيه خير ومصلحة الشّعوب العربيّة، أو بالأحرى سيكون التحرّك الفعّال بدونه “مستحيلاً” كما هو الحال عليه الآن، ……. وكما نرى فإنّ الدّور الصّهيوني القوي دوليّاً بات قادراً ليقف كسدّاً منيعاً أمام أيّ مسعى عربي ولو كان هذا المسعى يهدف إلى مجرّد تطبيق سليم وعادل لقرار دولي صادر عن مجلس الأمن في شأن الصّراع العربي الإسرائيلي، أيّ أنّ تجذّر اللوبي الصّهيوني في دول القرار تتيح للدّولة العبريّة أن تتمرّد على كلّ ما لا يلائم أو لا يتماشى مع رؤياها حتّى ولو كان ورائه إجماع دولي لدرجة قد تصل إلى التكبّر والتّطاول على الدّول العظمى.
 
الأمر مع العرب سيحتاج إلى معالجة جذريّة قد تمتدّ لسنوات بهدف إيجاد قواعد يمكن على أساسها أن يصار إلى بناء إطار تلاقي بين الجاليات العربيّة المختلفة ويفضّل أن تكون اللقاءات الدّوريّة الإجتماعيّة والثّقافيّة من دعائمه الأولى، وهذا يعني أنّه لا بدّ لنا من السّعي الحثيث لإنشاء لوبي عربي بعيداً عن المصالح والأهواء الخاصّة، وهذا المشروع سيكون بالغ الصّعوبة بسبب تفرّق وشرذمة الجاليات العربيّة، والأهمّ من هذا كلّه بسبب ضعف الثّقة وقلّة الإيمان وانعدام الحلم الذي يهيمن عليها، إذ سيحصل هناك شكّ غريزي في نوايا أيّ جهة أو مجموعة ستسعى إلى إطلاق فكرة إنشاء اللوبي العربي، وسيولد هناك نفور تلقائي ورفض مرجّح لأيّ تعامل معها، فالإرتهان لقوى سياسيّة معيّنة، أو الإنضواء تحت مشاريع طائفيّة ومذهبيّة أو الطّموحات الماديّة سيكونان في طليعة عناوين الشكوك العفوية ولكن أيضاً المبرّرة نظراً للتّاريخ السّلبي للجمعيّات والتّجمّعات العربيّة في الخارج أكان ذلك على الصّعيد السياسي أم على الصّعيد المادّي.
 
يجب أن تقتصر الحملة الأولى لبناء هذا اللوبي على تأسيس هيئات للتّنسيق والتّواصل الإجتماعي والثّقافي والتّرفيهي بشكل حصري بعيداً تماماً عن أيّ مطالبات مادّيّة مهما كانت رمزيّة، وقبل كلّ شيء بعيداً أيضاً عن أيّة شعارات سياسيّة لأيّ دولة عربيّة أو أيّ طائفة أو مذهب أو حركة أو حزب أو تيّار أو منظّمة، وهذا يعني أنّ التّمويل الذّاتي (من خارج الجاليات العربيّة في المهجر) سيكون أمراً لا بدّ منه في المراحل الأولى التي قد تمتدّ لسنوات طويلة إلى أن تستكمل عمليّة بناء جسور الثّقة بين الهيئات وبين الجاليات، وكذلك فيما بين الجاليات، فالطّريق شاقّة ووعرة ولكنّها بدون أدنى شكّ مجدية ويمكن المراهنة والبناء عليها للسّير بالأمّة نحو مستقبل أفضل، …… وبكلّ واقعيّة نقول: لو قدّر للعرب أن يستثمروا سياسيّاً 25 بالمئة من الزّخم الإقتصادي والإجتماعي الذي قد ينتج عن تضامن أقلّ من نصف الجاليات العربيّة في دول القرار لتمكّنوا من تحقيق المعجزات (بالمفهوم السياسي).
 
قد تكون احتمالات النّجاح أفضل وبشكل ملفت إذا تمّ تشكيل الهيئة التّأسيسيّة من أشخاص أكفّاء وميسورين من كامل أرجاء الوطن العربي لإضفاء الصّبغة القوميّة على نواة هذا اللوبي العربي والتي بدونها ستكون فرص النّجاح ضئيلة جدّاً هذا إذا لم نقل … معدومة، وهنا تكمن الصّعوبة الحقيقيّة في هذا المشروع العربي خلافاً للمشروع الصّهيوني الأسهل بكثير والذي قام حصراً على أسس العقيدة اليهوديّة وما ابتدعوه تحت إسم العرق اليهودي السّامي.   
  
أيمن شحادة
Ayman Chehade
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد