حمار وحوار وزواج المسيار

0
حمار وحوار وزواج المسيار
 
يوسف حجازي
 
الانتظار الانتظار، والى متى الانتظار ، وماذا بعد الانتظار ، مئة عام وأكثر ونحن ننتظر ، مئة عام وأكثر وحياتنا بلا معنى ، مئة عام وأكثر ونحن ننتظر لحظة ما بعد الانتظار ، مئة عام وأكثر ولم نعاتب أنفسنا ، مئة عام وأكثر ولم نحاسب أنفسنا ، مئة عام وأكثر ولم نكل ولم نمل من أقوال وأفعال من يجلسون فوق قمة النظام السياسي الدولي والعربي والفلسطيني ، مئة عام وأكثر والذاكرة الفلسطينية هاربة من زمن الانحطاط والانكسار والتشلح ، مئة عام وأكثر من الظلام والفساد والشخصانية ، مئة عام وأكثر من الثرثرة خارج الضرورة ، مئة عام وأكثر من الهزائم ولانكسارات والقلق والفوضوية ، مئة عام وأكثر ونحن ننتظر الخلاص من مخالب الصهيونية والامبريالية والنظام السياسي العربي والنظام السياسي الفلسطيني ، مئة عام وأكثر ونحن نعيش المأساة وزمن المأساة الذي لم نستطع أن نوقفه ولن نستطيع أن نوقفه إذا ظل الحال على هذا الحال وسنظل واقفين على محطة التاريخ ببلاهة بانتظار مروره وبانتظار من يخلصنا من آثاره وكأننا لا نزال نعيش في زمن صموئيل بيكيت ، مئة عام وأكثر ونحن نموت نيابة عن الضمير العالمي ولم يتحرك الضمير العالمي ، مئة عام وأكثر ونحن نموت نيابة عن الضمير العربي ولم يتحرك الضمير العربي ، مئة عام وأكثر ونحن ننتظر لحظة فرح تفرح فيها الروح ، خواطر كانت تدور في رأسي حتى دار رأسي وخرجت ابحث عن حمار ، ولأني إنسان لا يفهمني غير نفسي وحتى نفسي هذه قد  لا تفهمني في بعض الأحيان ، ولأني كنت أتوقع الأسوأ حتى لا يفاجئني الأسوأ ، لذلك قررت أن ابحث عن حمار وليس عن مثقف مزيف كما قال جون بول سارتر أو عن كلب حراسة كما قال بول نيزان ، لأن المثقف المزيف أو كلب الحراسة لا يشعر بانتمائه إلى الوطن ولا يكتب من اجل الوطن ، ولذلك يرى أن الحياد التام في معالجة المسائل العامة والأحداث الهامة ليس مرغوبا تماما كما انه غير محتمل ، وهو وبالإضافة إلى ذلك لا يملك نفسه ولا يقدر معنى أن يملك الإنسان نفسه ولو كان يقدر ذلك لما ترك للآخرين أن يقوموا بالتفكير بالنيابة عنه ، لذلك كان لا بد من حمار وإن طال الزمن ، لكن ولأن الحمير لا تزورني إلا حينا بعد حين ، ولأن الإنسان يبحث عن الذي ينقصه ، قررت أن اذهب إلى البحر والى نفس المكان الذي كنت استقبل فيه الحمير ، وسرت في نفس الطريق حتى وصلت إلى المكان وهنا خطرت في نفسي خاطرة وقلت في نفسي
كيف وصلت إلى ما  أريد ولماذا لم يصل الشعب الفلسطيني  إلى ما يريد ؟
وهنا قالت نفسي إلى نفسي لأني عرفت ما أريد وعرفت الطريق إلى ما أريد ، ولكن الشعب الفلسطيني لم يكن يعرف ما يريد ولا الطريق إلى ما يريد ، ومن يسير على غير طريق كمن يسير على غير هدف وكلما أسرع ابتعد عن الهدف ، وجلست وحدي شريدا انتظر طيف حمار ينقذني من هذا اليأس ، وقلت في نفسي لولا السراب في الصحراء لما استمر الإنسان في البحث عن الماء ، وأنه إذا خاب الرجاء المنتظر في البشر فلا أعتقد انه سوف يخيب في الحمير ، وأنا أحب الحمير ، وأحب أغنية بحبك يا حمار للفنان سعد الصغير ، ورغم أن الحمير لا تزورني إلا حينا بعد حين ، إلا أنني كنت دائما لا أجد على شفتي ما اهتف به كلما زارني حمار إلا أهلا وسهلا ، لأن الحمير هم الوحيدون من أبناء السيد كائن حي الذين لا يكذبون ولا ينافقون ولا يفترون ولا يغدرون ولا يخونون ، ولا يردون على الكذب بالكذب ، ولا يردون على النفاق بالنفاق ، ولا يردون على الافتراء بالافتراء ، ولا يردون على الغدر بالغدر ، ولا يردون على الخيانة بالخيانة لسبب بسيط جدا وهو أنهم حمير ، ولأنه ليس من طبع الحمير الكذب والنفاق والافتراء والغدر والخيانة ، ولأنهم وحيدون في ذلك ولأن الوحدانية هي وحدانية الصفات والأفعال ، وفي الحمير تتطابق الصفات والأفعال ، ولكنها للأسف لا تتطابق عند البشر ، لذلك نجد في طبع البشر الكذب والنفاق والافتراء والغدر والخيانة ، ولذلك أيضا يستطيع الإنسان أي إنسان  أن يدير ظهره لأي حمار وهو متأكد انه لن يطعنه من الخلف ، ولكنه لا يستطيع أن تدير ظهره لأي إنسان حتى ولو كان أخوه لأنه سوف يطعنه من الخلف بسبب وبدون سبب ، أفكار وخواطر كانت تعبر أفق خيالي وتدور في وجداني وتطوف في حواسي الخمسة المطعونة بحب الوطن ، وتحيي في ذاكرتي ذكريات ، ذكريات تحكي الوطن ، وذكريات تبكي الوطن ، وذكريات تبحث عن الوطن ، والذكريات صدى السنين الحاكي كما غنت فيروز في الزمن الذي كنا نتمنى أن يكون زمن جميل والثورة التي كنا نتمنى أن تكون ثورة حتى النصر والتحرير، ولكن الزمن سرق والثورة سرقت  ولم يتبقى من الزمن والثورة إلا الشهداء والجرحى والأسرى وهموم شعب اكبر من همته وهمة  قيادته ،  وما غنت فيروز ، سنرجع يوما إلى حينا ، وسيف فليشهر ، وجسر العو
دة ، والقدس العتيقة ، وزهرة المدائن ، وأبي قلي بحق الله هل نرجع إلى يافا ، وضيعتي كان اسمها بيسان ، وقمر مشغرة ، وبحبك يا لبنان يا وطني ، واسوارة العروس مشغولة بالذهب ، وشام يا ذا السيف ، وفجأة هاج البحر وماج وعلا الموج وارتفع وخرج من البحر حمار واتجه نحوي بخطوات ثابتة ورأس مرتفعة وعيون رأيت فيها الشفقة والوقار واقترب منى وقال هل سئمت الانتظار
قلت : لا
قال الحمار : لماذا
قلت : لأني انتظر ما بعد الانتظار
قال الحمار : ولكن متى تتوقفون عن الانتظار
قلت : ماذا تعني بذلك
قال الحمار : الانتظار ومهزلة الانتظار المفتوح على الانتظار بلا حدود ، حتى تقيحت أجسادكم من كثرة الانتظار ، وصار لحم ظهوركم جزء من الجدار ، وصارت رؤوسكم مستودعات بلا خبرات أو تجارب أو أفكار ، متى تتوقفون عن الانتظار ببلاهة على محطة التاريخ
قلت : ولكننا ننتظر القادم من الأقدار
قال الحمار : غودو ، تنتظرون غودو، ولكن صموئيل بيكيت قال عندما سأل من هو غودو قال لا اعرف من هو غودو ومن يكون ، ولا اعرف حتى إذا كان موجودا أو غير موجود ، ولو كنت اعرف من هو لكتبت ذلك في المسرحية
قلت : نحن لا ننتظر غودو ولكننا ننتظر من سوف يخرج من عباءة السنين ، من بدر ، من القادسية ، من اليرموك ، من حطين ، من اجنادين
قال الحمار : لماذا تكسرون ساعة الزمان ، الوقت يمر ، الشهداء لا يعودون
قلت :  هذه  قصة للكاتب الجزائري الطاهر وطار
قال الحمار : نعم وعنوانها الشهداء  يعودون هذا الأسبوع
قلت : قرأتها وأرجو أن تسمح لي أن اقتبس منها هذا الحوار الجميل بين الشيخ العابد أبو الشهيد مصطفى وعبد الحميد شيخ البلدية ومدير مدرستها وابن الخائن الذي قتله مصطفى بعد تلقيه رسالة من الخارج تخبره بعودة ابنه الشهيد
قال الحمار : تفضل
قلت : أرجو أن تصغي إلى الحوار جيدا
قال : تفضل وسوف أصغي إلى الحوار جيدا
وهنا فتحت القصة وأخذت أقرأ الحوار بين الشيخ العابد وشيخ البلدية ومدير مدرستها
قال الشيخ العابد ماذا يكون موقفك كشيخ بلدية لو يعود شهداء القرية أو على الأقل البعض منهم
قال شيخ البلدية : لماذا هذا السؤال يا عمي العابد
وقال لنفسه إذا ما عاد مصطفى ابنك فسأنتقم لأبي ، سآكل لحمه بأسناني
في حين كان الشيخ العابد يؤكد لنفسه ، لن أحدثه عن مصطفى فهو الذي اغتال أباه الخائن
قال الشيخ العابد : مجرد سؤال بذهني وأرجوك أن تجيبني عنه بصراحة بكل صراحة
قال شيخ البلدية : الأمر بالنسبة لي بسيط ، أنهم مسجلون في سجل الوفيات ، وعليهم ان يثبتوا حياتهم من جديد ، لن يتسنى لهم ذلك حتى تنتهي مدة انتخابي على الأقل
الشيخ العابد : لكن الأمر يتعلق بشهداء ، بمجاهدين حقيقيين أعني
شيخ البلدية : وان كان
الشيخ العابد ، ماذا تعني
شيخ البلدية : لن يلبثوا أسبوعا حتى يتزيفون ، سيؤولون إلى ما آل إليه غيرهم
الشيخ العابد : وان عادوا بسلاحهم
شيخ البلدية : تتعداني المسألة إذ ذاك وتصبح متعلقة بالدولة ، الأمر جد بسيط بالنسبة للقانون يا عمي العابد ولكنه سيكون أكثر تعقيدا لكم انتم ، وسار في طريقه وهو متأكد أن الشيخ العابد المسكين في طريقه إلى الجنون
قال الحمار : قصة جميلة جدا ولكن ماذا يمكن أن نفهم منها
قلت : ما فهمته منها أن لا احد يريد عودة الشهداء ، الخونة حتى لا ينكشف أمرهم ، واللصوص الذين تقاسموا أشياء الشهداء وزوجاتهم ، وبعض المواطنين الذين ادعوا أن أبنائهم شهداء خوفا من ضياع المساعدات والتسهيلات التي منحت لهم
قال الحمار : لكن ما ذا سوف يكون موقف الشهداء لو عادوا وأدركوا هذه الحقيقة
قلت : سوف يندمون على تضحياتهم
قال الحمار : وهل ستقبل الأجيال القادمة التضحية إذا أدركوا هذه الحقيقة
قلت : لا
قال الحمار : طاهر وطار مثقف عضوي
قلت : وهل يوجد مثقف عضوي ومثقف غير عضوي
قال الحمار : نعم يوجد مثقف عضوي ومثقف بلاطي
قلت : وما الفرق
قال الحمار :  المثقف العضوي هو المثقف الذي يتبنى قضايا شعبه وهو نقيض المثقف ألبلاطي الذي يسكت متى يتوجب الكلام ويتكلم متى يتوجب السكوت
قلت : لكن سكوتهم كلام  مرير يترجم عن اختيار محدد بالرفاهية الفكرية
قال الحمار : الثقافة خائنة أن لم تكن سلاحا للثورة والتزاما بعمل تغييري
قلت : هذا يعني أن الثقافة الفلسطينية خائنة
قال الحمار : نعم إلا ما ندر ، وما ندر استثناء والاستثناء لا يقاس عليه
قلت : كنت انتظر أن يدور الحوار بيننا عن الحوار الفلسطيني
قال الحمار : وهل تعتقد أن هذا الحوار بعيد عن الحوار الفلسطيني
قلت : لا ولكن كنت انتظر أن نتحدث في حوار القاهرة بين الفصائل
قال الحمار : أنا لا ادري لماذا تصرون على استعمال مصطلحات لا تتطابق مع الحقيقة ، ولا ادري إلى متى سوف تستمرون في السقوط في فخ الشعارات واجترارها
قلت : هل تعني أن ما يجري في القاهرة ليس حوارا
قال الحمار : نعم
قلت : وما هو
قال الحمار : محاصصة مليشياوية بين اصوليين ووصوليين
قلت : والفصائل
قال الحمار : غيوم لا تمطر
قلت : والتاريخ والشهداء والجرحى والأسرى
قال الحمار :    ذهبوا مع الريح ، وهذا سؤال يجب أن يوجه إلى هذه الفصائل
قلت : وحماس وفتح
قال الحمار : لن يحدث التماثل في اللاتماثل ولن يتحقق التعادل في اللاتعادل
قلت : لماذا
قال الحمار : لأن فتح ذهبت بنصوص مقدسة إلزامية وحتمية وحماس ذهبت بخطاب لاهوتي إلزامي وحتمي ، ولأن اللغة التي تتحدث فيها فتح واللغة التي تتحدث فيها حماس لا تجسد صلة جوهرية بين الكلمة ومعناها ، وهذا لا يؤدي إلى إنتاج حقائق جديدة لا تكون حكرا على فتح أو حماس ولكن تكون قائمة في فتح وحماس بنسب متفاوتة ، لأن الحقيقة نسبية ومتغيرة وينتجها البشر لأنفسهم وفق شروط الزمان والمكان والمعرفة والعمل وبالطبع لا يمكن تحديدها مسبقا
قلت : وإذ  كان ما يجري في القاهرة ليس حوارا فماذا يكون إذن
قال الحمار : إذا اتفقت فتح وحماس سوف يكون زواج مسيار سياسي
قلت : كيف
قال الحمار : لأن زواج المسيار زواج بلا سكن أو مبيت أو إنفاق ، حيث تسكن الزوجة في بيت أهلها ويسكن الزوج في بيت أهله ، ولا يتم الوصال بينهما في بيت أهل الزوجة ولا في بيت أهل الزوج ولكن في مكان آخر غير محدد ويتغير حسب الظروف المادية وحسب مقتضيات السرية
قلت : يعني أن ما يجري بين فتح وحماس هو زواج مسيار سياسي بمعنى أن تظل فتح واقفة على برنامجها وحماس واقفة على برنامجها
قال الحمار : نعم لأن فتح وحماس والفصائل ذهبت استجابة لضرورات فصائلية وليست وطنية
قلت : وما هي هذه الضرورات
قال الحمار : الحصار بالنسبة لحماس والتسوية بالنسبة لفتح والاستمرار بالنسبة للفصائل
قلت   : والحل
قال الحمار :  حل السلطة وحل الفصائل والإعلان عن فشل النظام السياسي الفلسطيني والبدء في حوار وطني فلسطيني من اجل تأسيس نظام سياسي فلسطيني جديد
قلت : هذا مستحيل
قال الحمار : لا يوجد مستحيل ولكن نحن من يخطأ في الاختيار ، ولماذا يكون ما جرى تثبيته ثابتا إلى الأبد ومهما كان منافيا للعقل
قلت : هل تريد إن تقول أن استمرار السلطة والفصائل شيئا منافيا للعقل
قال الحمار : نعم
قلت :  لماذا
قال الحمار : هل استطاع الشعب الفلسطيني أن يصل إلى ما يريد من حيث بدأت الفصائل ؟
هل هذا النظام السياسي مصدر قوة أم مصدر ضعف للقضية الفلسطينية ؟
هل هذا النظام السياسي يحد جذوره في الثقافة الوطنية الفلسطينية ؟
هل هذا النظام ال
سياسي نابع من احتياجات المجتمع الفلسطيني أم مفروض عليه ؟
هل هذا النظام السياسي يعكس قيم ومبادئ وآمال وطموحات المواطنين الفلسطينيين ؟
قلت : لا ولكن ما البديل
قال الحمار : نظام سياسي جديد ورواية جديدة وإستراتيجية جديدة
وهنا وعند هذا الحد من الحوار ودعني الحمار وقال في زيارتي القادمة سوف أحدثك عن النظام السياسي الجديد والرواية الجديدة والإستراتيجية الجديد ، وعندما قلت له لماذا لا تحدثني الآن قال نحن الحمير لا نكسر ساعة الزمن ولدي ما أقوله وافعله في مكان آخر ، وودعني على وعد بالعودة وودعته على وعد بالوفاء للحمير وانصرف تصحبه رعاية الله ودعواتي وهو يلوح بأذنيه ورجليه ، ورجعت اجتر حواري مع الحمار وقلت إذا كانت كل هذه الحكمة في حمار فكيف تكون إذن في كل الحمير ، ولماذا لم يعترف البشر في فضل الحمير على من يلبسون الحرير .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.