إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

قراءة في أزمة نظام السوق الحرة المعولم

قراءة في أزمة نظام السوق الحرة المعولم

بقلم : زياد ابوشاويش

بحجم الأزمة وخطورتها كانت أقلام الكتاب جاهزة لسبر أغوار المشكلة المتفاقمة للسوق الحرة المعولمة وتجاوزها الخطوط الحمراء بعودة نظام التحكم الدولتي والتأميم والشراكة وشراء الأسهم والأصول المتعثرة وغير ذلك من أساليب ووسائل اضطرت لاتخاذها صاحبة فكرة هذه السوق والتي فتحتها على مصراعيها إلى أن أوصلتها إلى مأزقها الراهن.

هذه الإجراءات لتطويق الأزمة وتجاوزها تتناقض مع منهج الرأسمالية الحرة وسيطرة الأسواق على مقاليد الأمور والحياة ومن ثم تسييرها لكل شئون الناس والمؤسسات حسب رؤيتها وتوازناتها الخفية والمعلنة، ومن هنا نتحدث عن تجاوز الخطوط الحمراء فكراً وممارسة،أما التجاوز الأخطر فهو التهديد الذي مثلته هذه الأزمة لحياة الناس ومدخراتهم وطريقة معيشتهم ومستواها وامتداد هذه الأزمة لتطول كل مناحي الاقتصاد كما البلدان في مختلف قارات العالم بهذا القدر أو ذاك. إن أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية كانت مرشحة للوصول إلى هذا المستوى الخطير وقد شكلت القاطرة لإبراز أزمات مموهة شملت الاستثمار بكل صنوفه والبنوك بكل ما تمثله من رساميل متحركة عبر العالم والتي تقلصت في بضعة أيام بعشرات التريليونات من الدولارات.

لقد مثلت فكرة الإئتمان عصب النظام المصرفي ونظام الاستثمار ومن هنا فإن ضرب المؤسسات العاملة في هذا المجال وشركات التأمين بمختلف صنوفها قد أحدث حالة من الفزع بين الناس العاديين بالإضافة للمستثمرين وأصحاب الأسهم مما أدى إلى الاندفاع باتجاه البيع وسحب الودائع وغيرها من السلوكيات المنفعلة خوفاً وإشفاقاً من المستقبل، وهذا أدى بدوره إلى نقص حاد في السيولة النقدية وبدء العد العكسي لانهيارات طالت البنوك وغيرها من مؤسسات السوق الحرة واضطرت حكومات الدول المعنية للتدخل لحماية جمهورها من تبعات المعضلة بشراء بعض أصول هذه البنوك والمؤسسات وعلى الخصوص حكومة البيت الأبيض التي عمدت إلى طرح مشروع إنقاذي بمبلغ 700 مليار دولار امتلكت من خلاله العديد من أصول البنوك وشركات التأمين أو أصبحت شريكاً رئيسياً فيها ولمعرفة أكثر بنماذج من هذا التدخل نشير لبعضها فعلى سبيل المثال قامت حكومة بريطانيا بتأميم مصرف ” براد فورد أند بينغلي “، وقامت كل من حكومة هولندا وبلجيكا ولوكسمبورج بالسيطرة على نسبة 49 % من بنك ” فورتيس ” لإنقاذه من الفلس، كما أقدمت حكومة أيسلندا بالسيطرة على بنك “يتس “، كما قام مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي بإنقاذ مجموعة ” سيتي ” المالية من الانهيار.

إن ذات الخطوات قد اتخذتها بعض الدول التابعة والمرتبطة بسوق الدولار في آسيا وأمريكا اللاتينية ومنها بعض الدول العربية، ناهيك عن ضخ عشرات المليارات من الدولارات واليورو في شرايين السوق لحمايته من الانهيار .

هناك بكل تأكيد سوابق للتدخل من جانب الدول والحكومات الليبرالية وقد استخدم بعضها في أزمة الأسواق الآسيوية قبل عقد من الزمن وتحديداً عام 1997، كما نتذكر الأزمة الكبرى في تاريخ النظام الرأسمالي التي امتدت من عام 1929 وحتى عام 1933 والتي تسببت بنتائجها المدمرة في الحرب العالمية الثانية بعد صعود نجم القوميين المتطرفين أمثال هتلر وحزبه النازي في ألمانيا، وكما في ايطاليا وصعود نجم الفاشيين بزعامة موسيليني.

إن أزمة السوق الراهنة قد أدت في فترة قصيرة جداً إلى فقدان خمسة ملايين فرصة عمل في أمريكا وحدها بسبب أزمة الرهن العقاري فقط وهي جزء صغير من الأزمة الراهنة.

كان النظام الرأسمالي يسوق أفكاره الليبرالية بالاعتماد على نتائج تم تحقيقها في العديد من دول العالم ولابد لنا أن نقر بأن فكرة المغامرة المحسوبة والمنافسة المفتوحة هما فكرتان جذابتان مع تحقيق أرباح كبيرة وسريعة، كما لابد أن نقر أن تطبيق أسلوب الانفتاح الاقتصادي واقتصاد السوق الحرة قد عالجتا أزمات خطيرة مرت بها بعض البلدان ككوريا الجنوبية وما سمي وقتها بالنمور الآسيوية، لكن استمرار هذا النهج وبدون رقابة والضغوط التي مارستها الولايات المتحدة على بل
دان عديدة لانتهاج سياسة اقتصادية مماثلة لما تفعله أمريكا وجملة الروابط بين السوق الأمريكية وهذه الدول قد مهدت الطريق لشتى أنواع الخداع والفساد وغياب الشفافية وتحولت بعض كبريات الشركات المعولمة والبنوك عابرة القارات إلى نمر من ورق سرعان ما انكشفت أمام جمهورها وانهارت الثقة التي تعتبر السلاح الأمضى في يدها بسبب هذه السياسة الرعناء وهؤلاء المستثمرين الجشعين، ومن ثم بدأت تداعيات جملة من الانحرافات والانفلاتات والإفلاس في التضخم ككرة الثلج المتدحرجة.

إن نظرة سريعة على أصول بعض البنوك والشركات وقيمتها السوقية ستظهر إلى أي حد من خداع الذات تتم ممارستها وعلى الناس من قبل هذه البنوك والشركات، وإذا كان هذا يمكن فهمه على أساس حجم الأرباح التي تحققها هذه المؤسسات المالية والاستثمارية فإن ذلك يتحول إلى كابوس مخيف بمجرد توفر حالة من الخوف والارتباك كالتي نشاهدها اليوم، وفشل هذه المؤسسات في تغطية ديونها وطلبات المودعين والمستثمرين، وعدم تمكن شركات التأمين من تغطية الخسائر وبدء الدورة المعروفة للأزمة الرأسمالية والتي نجحت دوائرها في تجاوز أزماتها السابقة عبر سلسلة من الإجراءات وبالاعتماد على مسألتين هامتين في الاقتصاد لأي بلد وهما الأتمتة والبرمجة المعتمدة على الحواسب المتطورة، أي الاستخدام الناجع لثورة المعلوماتية التي أطلت على الدنيا منذ منتصف خمسينات القرن الماضي ووصلت ذروتها في العقد الأخير منه. وبالعودة لجوهر الأزمة من الزاوية النظرية نجد أن مفهوم ملكية الدولة في القطاع المالي, حتى وإن كانت مساهما ثانويا, يتعارض مع ما يعتبره منظرو السوق الحرة الأساس الذي يقوم عليه النظام المالي الأميركي. إن الدولة اليوم سواء في أمريكا أو أوروبا تقوم بالتدخل بشكل سافر في حياة الناس وهذا لم يكن وارداً أثناء فترة الاعتقاد بأن ” السوق أدرى من غيرها “. يقول الكاتب الأمريكي أنتوني فاجولا في مقاله بالواشنطن بوست يوم 13 / 10 الجاري : “  وباستحواذها مؤخرا على شركتي الإقراض ” فاني ماي ” و” فريدي ماك”  وإنقاذها المالي لشركة ” أي آي جي ” أصبحت الحكومة الأميركية من الناحية الفعلية, هي المسئولة عن ضمان الرهن العقاري والتأمين على الحياة لعشرات الملايين من الأمير كيين, وأصبح عدد كبير من الاقتصاديين يتساءل عما إذا كانت لا تزال هناك سوق حرة إذا كانت الحكومة قد انغمست بمثل هذا العمق في النظام المالي ” وكما نلاحظ فقد تحدث الخبير الاقتصادي في جوهر المشكلة التي تواجه النظام الرأسمالي بطبعته الأمريكية المتسيدة في العالم، وهو ما دفع أكثر من رئيس دولة وخبير اقتصادي للمناداة بإعادة النظر في هذه السيطرة والبدء بتطبيق نظام أكثر توازناً وعدلاً.

إن الاستخفاف بالتنظيم والتحكم وتمجيد المخاطرة أو المقامرة بالأحرى قد أصيب في مقتل ولابد أن يتم إعادة النظر في مجمل النظام بنموذجه الأمريكي أو حتى الألماني الموصوف بالاتزان والعقلانية. وبعد فهل يمكن القول أن النظام الرأسمالي على وشك الانهيار؟ إنه سؤال كبير ويحتاج لكثير من التحليل وتقديم المعطيات للإجابة الصحيحة أو القريبة من الصواب حوله، لكن يمكننا القول بثقة أن الأزمة الراهنة سوف تمتد زماناً وعمقاً وستكون لها نتائج كبيرة وخطيرة على مجمل النظام الاقتصادي العالمي، وأن نظام العولمة المتوحشة الذي ساد لعقدين من الزمن بعد اتحاد المنظرين له في أمريكا وبريطانيا بعهد كل من الرئيس الأمريكي رونالد ريجان ورئيسة وزراء بريطانيا مارجريت تاتشر، هذا النظام لن يستمر على ما هو عليه وأن دول الأطراف كما يسمونها ستعيد النظر في كل منهجها وتبعيتها لمركز هذا النظام، وأن الإجراءات المالية والسياسية التي تقوم بها دول كأمريكا وأوروبا واليابان قد تخفف من وقع الكارثة أو تخفف من آثارها لكنها لن تلغي ارتداداتها المتوقعة كساداً وركوداً اقتصادياً لعقد من الزمن على الأقل.

زياد ابوشاويش

[email protected]

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد