إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

تجمعات "الفارسية والمالح" مشاهد حيّة على عنصرية الاحتلال الإسرائيلي

Male7محمد أبو علان*
قد يستوعب العقل البشري أن يرى مجتمع من المجتمعات ظروفه المعيشة لا زالت بعيدة عن مظاهر التمدن والحضارة وما تشمل هذه المظاهر من خدمات بنية تحية وتعليم ومؤسسات صحية واجتماعية وترفيهية متطورة، وقد يكون مرد هذا الواقع المعيشي المتدني نتاجاً لظروف موضوعية مرتبطة بالواقع الاقتصادي لمثل هذا المجتمع، وانعدام الموارد الاقتصادية والمالية الكافية التي تمكنه من خلق ظروف معيشية ملائمة لأبنائه ولو بالحد الأدنى.
 
والشيء الذي لا يمكن أن يستوعبه العقل البشري هو التباين في الظروف المعيشية ومظاهر الحياة بين بشر يعيشون في بقعه جغرافية واحده، ولا يفصل بين هؤلاء البشر إلا بضعة أمتار، وأحياناً أخرى لا يفصل بينهم سوى جدران من الأسلاك الشائكة أو الجدران الأسمنتية، يرى كل طرف من خلاله الطرف الآخر وظروفه المعيشية المتابينة عنه بصورة يعجز العقل البشري عن استعيابها وتحليل مسبباتها دون الولوج  في نشأتها التاريخية والعودة للوراء ولعشرات السنيين.
 
وهذا الواقع الذي نتحدث عنه هو جزء من نمط الحياة التي يعيشها الشعب الفلسطيني فوق أرضه المحتلة، وفي بقعة جغرافية تشكل جزء من فلسطين وتعتبر الأهم من النواحي الاقتصادية والسياسية، وتُعرف بين الخبراء والمختصين والمقيمين فيها بسلة فلسطين الغذائية لما فيها من أرض خصبه ووفرة مياه، وزنود سمراء اكتوت بشمسها الحارة، واعتادت على العطاء للأرض بقدر ما كانت هذه الأرض تعطيهم من خيراتها.
 
فإلى الشرق من مدينة طوباس وعلى بعد ما يقارب الخمسة عشر كم يقع تجمعي الفارسية والمالح واللذان يشكلان جزء من منطقة الأغوار الشمالية، تجمعات بدويه يسكنهما قرابة الأربعمائة وثلاثون شخصاً عاملين جميعهم في الزراعة وتربية المواشي، يعيشون في مجموعات متنائرة من الخيم المصنوعة من الخيش، خيم لا تقي ساكنيها من حر الصيف ولا من برد الشتاء، ومعاناة هؤلاء السكان ليس من الطبيعة وظروفها القاسية التي كان بالإمكان تسخيرها لخدمتهم لو قدر لهم العيش الحر والكريم بأرضهم، لا بل من ظروف خلقها احتلال تجاوز الستون من عمره ولا يقيم وزناً لحياة بني البشر من غير أبناء جلدته، ولا يعترف بشيء أسمه حقوق إنسان أو مواثيق دولية .
 
فقبل وصولك لمشارف هذه التجمعات تستوفك حواجز الاحتلال ومعسكراته ومستوطناته المنتشرة على أرضي هذه التجمعات السكانية والتجمعات المجاورة لها، مثل بردلا وكردلا وعين البيضاء التي ترزح تحت ظروف معيشية ليست بأفضل من حال تجمعات الفارسية والمالح، ولشدة حجم المعاناة في الوصول لهذه التجمعات باتت المسافة إليها تقاس بعامل الزمن وليس بعدد الكليومترات، وكل هذا بسبب إجراءات المرور الصعبة عليها بشكل يومي وعلى مدار العام ومنذ سنوات طوال والتي فرضها الاحتلال كمقدمة لإكمال مخططه لإفراغ هذه الأرض من أهلها، وجعلها جزء من مستوطناته الزراعية ومعسكرات التدريب لجيشه المُحتل المقامة في تلك المنطقة.
 
فالمدارس ممنوع إقامتها في هذين التجمعين، وطلبة هذه التجمعات تراهم في ساعات الصباح الباكر وساعات ما بعد الظهيرة على جنبات الطريق بانتظار الحافلة الوحيدة تقريباً لتأخذهم لمدارسهم في التجمعات المجاورة وتعيدهم منها، هذا في أحسن الظروف، وفي أسوئها ترى جزء من هؤلاء الطلبة ذاهبين إما سيراً على الأقدام، أو يستخدمون الدواب في أحيانا أخرى لكي يصلوا لمدارس تبعد عن مكان إقامتهم عدة كيلومترات، والمواصلات ليست المعاناة الوحيدة لهؤلاء الطلبة، فحواجز الاحتلال عنصر معاناة آخر لهم في حلهم وترحالهم، فحاجز تياسير العسكري يوقفهم لساعات وساعات لإذلالهم وتعذبيهم تحت حر الشمس وبرودة الشتاء، فتراهم ينتظرون ساعات طوال على هذا الحاجز ليس لسبب إلا لكونهم فلسطينيين، وكونهم طلاب علم يبتغونه رغم صعوبة الظروف وقسوة المكان وضيق الحال الذي يعيشون وذويهم.
 
وفي الوقت الذي يعيش سكان هذه التجمعات وأبنائهم  هذه الظروف الصعبة والمعاناة اليومية تراهم يسترقون النظر لتلك الحافلات الفارهة، التي لا تعرف حر الصيف ولا برد الشتاء، حافلات أعدت خصيصاً للمستوطنين وأبنائهم، مستوطنين جيء بهم من شتى بقاع الأرض ليسرقوا أرضهم، ويضيقوا سبل العيش عليهم وعلى أهاليهم، ويغلقون مراعي أغنامهم، كل ذلك من أجل تهجريهم من هذه الأرض وجعلها موطناً ومرتعاً لقوات الاحتلال وقطعان مستوطنيه، ولسان حال هؤلاء الطلبة الأطفال يرددون بيت الشعر لأحمد شوقي والقائل:
“حرامٌ على بلابله الدوح                    حلالٌ للطير من كل جنس”.
 
وهذه المعاناة ما هي إلا جزء يسير من معاناة أكبر في مختلف جوانب حياة سكان هذه التجمعات بشكل خاص والتجمعات المجاورة لها بشكل عام، ففي الوقت الذي ينعم فيه سكان هذه ال
مستوطنات التي لا تبعد إلا أمتار في بعض المناطق عن التجمعات الفلسطينية بالمياه والكهرباء والمدارس والمراكز الصحية وكل سبل العيش والراحة، لا يجد سكان الفارسية والمالح ماءً نقياً لشربه، ولا طبياً معالجاُ لألم ألم بأحدهم فجئه، ولا مدرسةً تأوي طلابهم، وعليهم الاكتفاء بضوء قنديلٍ قديم تفوح منه رائحة الكاز، وزجاجةٍ قنديل قديم اكتست بالسواد الداكن لتعبر عن واقع مر يتذوقه أناس كل ذنبهم حبهم لأرضهم، وتمسكهم بها، وسعيهم وراء لقمة عيش كريمة فيها.
 
ومعاناة الأرض الفلسطينية ليست بأقل من معاناة أهلها كونها الهدف الرئيس لإجراءات الاحتلال وممارساته، فالاحتلال لم يترك لهم الكثير من أراضيهم لزراعتها بعدما صادر معظمها وحولها إلى معسكرات تدريب لجيشه، وجعل جزء منها مستوطنات زراعية، مثل مستوطنات روتم وشدموت ميحولا وميحولا التي تعتبر أول مستوطنة زراعية أقيمت على أراضي الضفة الغربية بعد احتلالها في العام 1967، وبالعين المجردة تستطيع التفريق بين الأرض التي لا زالت بأيدي أصحابها الفلسطينيين وتلك التي صودرت من قبل سلطات الاحتلال، فأين ما ترى الخضرة والمياه والأرض الخصبة تدرك فوراً أنها مصادرة وتحت سيطرة المستوطنين، كون الاحتلال وفر لهم منذ اللحظة الأولى لمصادرتها  المياه والطرق والرعاية الزراعية للمستوطنين، في المقابل حرم الأرض التي يزرعها سكان الأرض الأصليين من المياه والطرق، ومنعهم من توفير وسائل الزراعة الحديثة مما جعل الأرض بالنسبة لهم مشاريع غير مجديه اقتصادياً، مما دفع بالكثيرين منهم لهجرتها وتحولوا لأيدي عاملة في أراضي المستوطنات المجاورة التي هي بالأصل أراضي لهم صودرت لصالح المستوطنين، وإما السعي للحصول على أماكن عمل في تجمعات ومناطق بعيدة عن أماكن سكنهم.
وتجمعات الفارسية والمالح هما جزء من حوالي الستة عشر تجمعاً سكنياً يقعان ضمن منطقة الأغوار الجنوبية والشمالية وهما جزء من محافظتي طوباس وأريحا،  وتمتد هذه المنطقة من عين جدي وحتى حدود منطقة بيسان المحتلة من العام 1948، ويسكن هذه المنطقة ما يقارب (15500) نسمة وتنتشر على مساحة جغرافية تبلغ حوالي(2400) كم2، واستهدفت هذه المنطقة من بداية احتلال الضفة الغربية في العام 1967 لما تمتاز به من مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة ووفرة المياه فيها، ووفق مفاهيم وقيم الاحتلال الإسرائيلي تعتبر هذه المنطقة مثالية لعملية الاستيطان المتنامية في فلسطين المحتلة وخاصة إن عدد السكان القاطنين فيها قليل قياساً بحجم المساحة الجغرافية، ناهيك عن اعتبار الاحتلال الإسرائيلي لهذه المنطقة حزام أمني له اهمتيه الاستراتيجية وفق مفاهيمه الأمنية والتي هي في الحقيقية عبارة عن ادعاءات باطلة بغرض مصادرة الأراضي والسيطرة عليها. 
فعلى طول شارع (90) الذي يخترق منطقة الأغوار الشمالية والجنوبية ترى العديد من المستوطنات الزراعية الإسرائيلية ببيوتها البلاستكية وأشجار النخيل على جنبات الطريق ومصانع التعبئة والتغليف للمنتجات الزراعية، وكل هذه المنتجات تصدر لأوروبا والعالم أجمع على إنها منتجات من “أرض إسرائيل” على الرغم من إنها تزرع وتصنع من أرض فلسطينية وتصنع بأيدي فلسطينية نتيجة ظلم الاحتلال وقسوة إجراءاته التي تهدف إلى حرمان الفلسطيني من أرضه ومقدراته.
 
كل هذا الظلم وهذه المعاناة لسكان منطقة الأغوار الفلسطينية بشكل عام، ولسكان هذين التجمعين بالذات يتم تحت أنظار العالم أجمع، دون سعي جدي من أي طرف كان لوقف هذه المعاناة أو لرفع جزءٍ منها على الأقل، فحق الإنسان في العمل والحرية والحياة الكريمة، وفي العلم والرعاية الصحية حقوق مضمونه في كافة المواثيق الدولية والأممية وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي يحتفل هذا العام بالذكرى الستون لإعلانه، ولكن من الواضح إن تجمعات الفارسية والمالح ومن يسكنها، لا بل كامل الشعب الفلسطيني وأرضه لا يحظيان باهتمام واعتراف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمجتمع الدولي خاصة عندما يكون الاحتلال الإسرائيلي طرف عندها تصبح الأمور تقاس بأكثر من مكيال.
 
*- فلسطين المحتلة.
 
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد