إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

أعطونا مسرحًا نسويًّا

rania(3)رانية مرجية
إنْ كانتِ الموسيقى غذاءً للرّوح، فالفنُّ المسرحيُّ الملتزمُ والعلاجيُّ هو مَن يُحرِّرُ أرواحَنا مِن أسقامِها، وأحزانِها، وكبْتِها، واحتضارِها.
قد يستغربُ البعضُ طلبي وتوجُّهي هذا، وقد يتهمّونَني بأنّي أُحَرِّضُ وأُشجِّعُ التّحرُّرَ الكاملَ، ومنهم من سيتّهمُني بالجنونِ، كما سبقَ واتُّهِمْتُ بأنّي أُحَلِّقُ بعيدًا عن أرضِ الواقعِ ومتطلّباتِ العصرِ، وأنّي أُحَرِّضُ النّساءَ على قولِ “لا للعنفِ”، وأنّي أستهترُ بمشاعرِهِنَّ وكبْتِهِنَّ.
نعم، أرفضُ العنفَ والتّهميشَ والتّمييزَ في التّربيةِ والمعاملةِ المنتهَجةِ ضدَّ الأنثى، ولا أُخفي ذلكَ ولنْ أخفي، فالمرأةُ الفلسطينيّةُ كانتْ دائمًا شريكةً في اتّخاذِ القراراتِ الاجتماعيّةِ والسّياسيّةِ المهمّة. هي حاربتْ وناضلتْ ضدَّ “الأسرلةِ” والتّمييزِ واندحارِ الهويّةِ، منْ أجلِ الحفاظِ على الانتماءِ الفلسطينيِّ مثلَها مثلَ الرّجلِ، بل إنّ الكثيراتِ مِن نسائِنا يقُدْنَ المظاهراتِ في الدّاخلِ، وينشطنَ في الحركاتِ الوطنيّةِ والإنسانيّةِ لحقوقِ الأسرى الأمنيّينَ، وحقوقِ المواطنِ والعدالةِ الاجتماعيّةِ، وحقًّا أنا أشكرُ اللهَ باليومِ ألفَ وألفَ مرّةٍ، لهِمّةِ أبناءِ وبناتِ شعبي الكادحينَ/ات، الصّامدين/ات، المرابطينَ/ات، المتنوّرين/ات، في أراضيهم وأراضي أجدادِهم.
ولأنّي صادقةٌ مع نفسي ومع مجتمعي العربيِّ الفلسطينيِّ في الدّاخلِ، وجدتُ أنّهُ يتحتّم عليَّ أن أُبرّرَ مطلبي هذا، بوضعِ النّقاطِ على الحروف.
لقد نشأتْ هذهِ الفكرةُ لديَّ منذُ أكثرَ من أربعِ سنواتٍ ونصف، لاسيّما وأنَّ العنفَ المنتهجَ ضدَّ المرأةِ بشتى أشكالِهِ وأنواعِهِ، يزدادُ يومًا بعدَ يومٍ، وبصَمْتٍ من المجتمعِ وبتحريضٍ مِن بعضِ الأثمةِ المتسلّطينَ، المتستّرينَ وراءَ الدّينِ والمُثُلِ والأخلاقِ، وفي الواقع ما هم إلاّ مجموعةً مِن الفاسقينَ المجرمينَ، تجّارِ الدّينِ والتّفوّقِ الذّكوريِّ، وفي بعضِ الأحيانِ ضحايا التّربيةِ المتوارثةِ الخاطئةِ، الّتي تميّزُ في التّعاملِ بينَ الذّكرِ والأنثى، بالتّعاملِ معهم وكأنّهم عالمَيْنِ مختلفيْنِ، فللولدِ دائما امتيازاتٌ على البنت. لهذا وجدتُ أنّ الوسيلةَ الوحيدةَ والأنجحَ لنشرِ وزيادةِ الوعيِ بينَ الفتياتِ والنّساءِ، يكون من خلال خلقِ مسرحٍ لهنَّ، يتطرّقُ ويَعرِضُ مشاكلهنَّ وقضاياهنَّ المُلحّةَ، ويَعرضُ عليهنَّ أساليبَ وطرقَ تعاملٍ مع ما يتعرّضنَ لهُ مِن مشاكلَ متعلّقةٍ بالعنفِ، سواءٌ كانَ نفسيًّا أم جسديًّا أم جنسيًّا، بأسلوبٍ حضاريٍّ وفنيٍّ وإنسانيٍّ، وذلك يتمُّ مِن خلالِ تقديمِ مسرحيّاتٍ هادفةٍ وعلاجيّةٍ وتثقيفيّةٍ.
وبما أنّ مسرحَنا الفلسطينيَّ المحليَّ يكادُ لا يتطرّقُ إلى موضوعِ العنفِ والتّنكيلِ بالمرأةِ، وما زالَ صامتًا صمْتَ النّعاجِ، إزاءَ قضايا قتلِ النّساءِ على خلفيّةِ ما يُسمّى بشرفِ العائلةِ، وبما أنّهُ لغايةِ يومِنا هذا تجري عمليّاتُ الختانِ بينَ بعضِ عائلاتِ النّقبِ، وكذلكَ هنالكَ أوساطٌ كثيرةٌ تَحرمُ بناتها مِن مواصلةِ الدّراسةِ الأكاديميّةِ واختيارِ شريكِ الحياةِ، كانَ لا بدَّ لنا أنْ نصرخَ عاليًا ونعلنَ موقفَنا، وعلينا كمجتمعٍ فلسطينيٍّ متنوِّرٍ يُحاربُ مِن أجلِ العدالةِ والحرّيّةِ والدّيمقراطيّةِ والمساواةِ والسّلامِ الحقيقيِّ، أن نطالبَ أوّلاً بتغييرِ مفاهيمِنا الخاطئةِ، وممارستِنا غيرِ اللاّئقةِ ضدَّ أمّهاتِنا، وبناتِنا، وأخواتِنا، وزوجاتِنا، وليتَ كلَّ رجلٍ عربيٍّ يقرأُ كتابَ: “المرأةُ هيَ الأصلُ” للدّكتورة نوال السّعداوي، ليفهم أنّهُ مِن دونِ امرأةٍ لا حياةَ ولا استمرارَ.
أنا كإنسانٍ أوّلاً وامرأةٍ ثانيًا، عليَّ الانحناءَ وشكُرَ كلٍّ مِن: حركةِ نساءٍ ضدّ العنفِ في ناصرةِ الجليلِ، وحركةِ سوارِ وكيانِ في حيفا عروسِ البحرِ المتوسّطِ، على كلِّ ما يُقدّمونَهُ مِن ندواتٍ وورشِ عملٍ، ومحاضراتٍ ودراساتٍ ونشراتٍ تثقيفيّةٍ لزيادةِ الوعيِ، كذلكَ علينا أن نشكرَ كافّةَ متطوّعاتِهم، على ما يُقدّمونَ مِن دعمٍ مهنيٍّ ونفسيٍّ وقانونيٍّ، لكلِّ توجُّهٍ وتوجيهٍ نسويٍّ، وأنا أثقُ بدعمِهم لوجودِ مسرحٍ نسويٍّ، لأنّنا نريدُ أن ننهضَ بمجتمعِنا، بتغييرِ المفاهيمِ الخاطئةِ المتوارثةِ، والّتي لا تتمشّى وحقوقِ الإنسانِ وعصرِنا هذا.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد