إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

حد الردة وحرية التعبير في الإسلام

 
بقلم محمد رياض
الإسلام دين عظيم وفكر جبار شجاع يقبل التحدي ولا يهرب من المواجهة, فهو يواجه الحجة بالحجة والكلمة بالكلمة والبرهان بالبرهان. (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) البقرة 111.    
 والقراّن الكريم يؤكد بوضوح وباّيات قطعية الثبوت وقطعية الدلالة على أن الناس أحرار فيما يعتقدون به وأنه لا سلطان لأحد عليهم إلا لله الذي سيحاسبهم يوم الدين.
قال تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة-256
(قل الحق من ربك فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) الكهف 29
 (ولو شاء ربك لاّمن من في الأرض جميعاًَ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس 99
و دلالة الاّيات اعلاه صريحة في هذا الموضوع.  وهناك إجماع فقهي على أن العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب, وبعبارة اخرى سبب النزول وفيمن نزلت ولماذا نزلت لا يغير من حقيقة أن مفهوم القاعدة القراّنية عام ويسري على كل الحالات المتعلقة بالموضوع المنصوص عليه في كل زمان ومكان, إلا ما جاء به نص قراّني اّخر كاستثناء من القاعدة العامة, ولا يصح تأويل النصوص من عند أنفسنا فنخصص العام أو نقيد المطلق من غير أن نستند في ذلك على نص اّخر متعلق بنفس الموضوع.  فالمهم هو عموم اللفظ, واللفظ في هذه الاّيات عام وينطبق على الكافر الذي لم يؤمن وعلى من كان مؤمناًَ ثم تحول إلى الكفر, ولم يرد في كتاب الله من إستثناءات على القواعد العامة أعلاه ليحتج بها الرافضون لتطبيق منهج القراّن الضامن لحرية الإعتقاد.
والسيرة النبوية زاخرة بامثلة كثيرة لأناس إرتدوا عن الإسلام بعد أن كانوا قد اّمنوا ولم يؤذهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم, وإليكم بعض الأمثلة على ذلك:
 ورد في البخاري ومسلم عن جابر أنه قال ( أن اعرابياًَ بايع الرسول صلى الله عليه وسلم, فاصاب الأعرابي وعك بالمدينة, فأتى النبي فقال يا محمد أقلني بيعتي “يعني أحلني من بيعتي لأني أريد ترك الإسلام” فأبى النبي ….ثم خرج الاعرابي “المرتد” من المدينة , فقال الرسول صلى الله عليه وسلم (إنما المدينة كالكير, تنفي خبثها وينصع طيبها) ولو كان المرتد يقتل شرعاًَ لكان جزاء هذا الاعرابي القتل, ولما سمح له بالخروج من المدينة وقد عبر للناس عن نيته ترك الإسلام .
كذلك كان في المدينة الكثير من المرتدين من سادة الأوس والخزرج الذين دخلوا في الإسلام في الظاهر وشهدوا بالتوحيد أمام الرسول عليه السلام ولكنهم بقوا على كفرهم فيما بينهم امثال عبد الله بن سلول, كذلك كان هناك بعض اليهود الذين تاّمروا على التظاهر بالدخول في الإسلام ثم الخروج منه بعد فترة وجيزة لإرباك حديثي العهد بالإسلام من اهل المدينة وتشكيكهم في دينهم.  وقد نزلت فيهم اّيات قراّنية تحكم بكفرهم (و قالت طائفة من أهل الكتاب اّمنوا بالذي أنزل على الذين امنوا وجه النهار وأكفروا اّخره لعلهم يرجعون) اّل عمران 72.
كذلك قبيل معركة أحد, نجح عبد الله بن سلول بإقناع ثلث جيش المسلمين برفض أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم بإكمال المسير لملاقاة المشركين,  حيث قال لهم عبد الله بن سلول إن محمداًَ يريد هلاككم, وقفل راجعاًَ بهم إلى المدينة. والنصوص واضحة بكفر من يعصي أمر الله وأمر رسوله (ومن يعصي الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها ابداًَ) الجن 23
والخلود في النار يكون فقط للكفار كما نعلم.
ومع ذلك لم يقتل النبي الكريم أياًَ من المنافقين (المرتدين) مع علمه بإظهارهم للإسلام وإخفائهم للكفر, وحين سأله بعض الصحابة السماح لهم بالبطش بالمرتدين قال عليه السلام (لا تقول العرب أن محمداًَ يقتل أصحابه).
كذلك روى البخاري عن أنس رضي الله عنه (أن رجلاًَ كان نصرانياًَ فأسلم, وقرأ البقرة واّل عمران. فكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم, فعاد نصرانياًَ….فأماته الله ثم اصبح وقد لفظته الأرض) وفي هذا الحديث أنه إسلم ثم إرتد في المدينة وبقي فيها حتى مات ولم يقتله احد.
وعندما عزم أبو بكر الصديق على حرب قبائل المرتدين ممن منعوا الزكاة عن بيت المال المركزي في المدينة, إعترض عمر بن الخطاب ولم يكن يرى ما يوجب قتالهم, إلا ان أبا بكر بين لعمر أنه إنما يريد ردع الأقاليم النائية المتمردة سياسياًَ وعسكرياًَ والرافضين لدفع الضرائب لسلطة الدولة المركزية في المدينة وردهم ل
لطاعة وصيانة وحدة الدولة الناشئة حديثاًَ. وهذا غير قتال من غيروا عقائدهم وحسب. (والله لو منعوني عقالاًَ كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه). 
وروي عن عمر بن عبد العزيز (أن قوماًَ أسلموا ثم لم يمكثوا حتى قليلاًَ ثم إرتدوا, فكتب فيهم ميمون بن مهران إلى عمر بن عبد العزيز, فكتب إليه عمر ان رد عليهم جزيتهم ودعهم).
وقرر الباجي وهو من اعلام المالكية (أن الردة معصية لم يتعلق بها حد ولا حق لمخلوق كسائر المعاصي)
أما الإمام أبو حنيفة فله رأي وجيه في هذا حيث إشترط إقتران الردة بالخروج على الدولة الإسلامية بالسلاح, ولهذا لم يجز أبو حنيفة أن يقام حد الردة على المرأة المرتدة لأن المرأة بطبيعتها لا تقدر على حمل السلاح والخروج على الدولة.
ومما ذهب إليه سفيان الثوري وإبراهيم النخعي (المرتد يستتاب أبداًَ ولا يقتل).
وهكذا يتبين من صريح القراّن وفعل الرسول عليه السلام وعمل السلف الصالح وأقوال الكثيرين من العلماء أن الأسلام لا يقيم حداًَ على من غير قناعاته الفكرية والدينية وإنما إرتبط ما عرف بحد الردة تاريخاًَ بمفهوم التمرد والخروج المسلح على الدولة المركزية التي تتوحد فيها أقاليم الأمة, وهذا ما يطلق عليه في فقة القانون الحديث بجريمة الخيانة العظمى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل دم أمرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث……وذكر منها, التارك لدينه المفارق للجماعة)
وهكذا قرن ترك الدين بمفارقة جماعة الامة ومظاهرة أعدائها عليها ليتحقق عندها شرط إقامة الحد.

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد