إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

عروبة إبراهيم عليه السلام؟! (الحلقة الخامسة)

عروبة إبراهيم عليه السلام؟! (الحلقة الخامسة)
                                                               مصطفى إنشاصي
وقع معظم كتاب التاريخ ودارسي الكتب الدينية عند الحديث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام وبني إسرائيل من بعده في خطأ جسيم جداً، وذلك عندما رفعوا نسبه إلى من تدعيه التوراة (سام بن نوح)، كما أن التوراة تناقضت في ذكر نسب سيدنا إبراهيم، وغالباً ما يذكره المؤرخون دون التطرق إلى أصله العرقي وأصل قبيلته التي انسلخ عنها بعد أن أوحى إليه الله تعالى بأن يترك قومه ويهاجر إلى الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، مما يُظهر بني إسرائيل واليهود وكأنهم قبيلة متميزة عن غيرها من القبائل التي عاصرتها، ومستقلة عن جميع قبائل وأعراق الأرض منذ فجر التاريخ، أو منذ ما بعد الطوفان، في وقت الحقيقة فيه خلاف ذلك. لذلك سنخالف ما درج عليه المؤرخون والكتاب عن تاريخ فلسطين عند ذكرهم سيدنا إبراهيم وبني إسرائيل واليهود من بعده، ونبدأ تحديد نسب سيدنا إبراهيم عليه السلام، لنثبت نسبه العربي منذ ولادته، وكذلك أن الذي دفع العرب أبناء عمومة بني إسرائيل إلى كراهيتهم وعدم الترحيب بهم أو بجوارهم، ومحاربتهم لهم، راجع إلى ما طُبع عليه بنو إسرائيل من طباع سيئة، وأخلاق عدوانية، منذ فجر تاريخهم.
عروبة سيدنا إبراهيم عليه السلام
إننا نرى أن الرأي الراجح أن أصل سيدنا إبراهيم عليه السلام أنه من قبيلة آرامية عربية الأصل، هاجرت إلى بلاد الشام والعراق مع الهجرة الآرامية في الألف الثالث قبل الميلاد، وأن قسم منها سكن القسم الجنوبي من العراق، وذلك في العهد الأموري الذي أسس دولة بابل الأولى التي كان من أشهر ملوكها “حمورابي”. وقد ولد سيدنا إبراهيم عليه السلام في بدايات القرن التاسع عشر قبل الميلاد ـ على أقرب التواريخ للصحةـ ونشأ في مدينة “أور بابل” الواقعة في القسم الجنوبي من العراق، وليس كما جاء في التوراة أنه كان كلدانياً، “وأخذ تارح إبرام ابنه… من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض (كنعان)..” سفر التكوين 11/31. وذلك لأن اسم “كلدية” نسبة إلى قبيلة “كلدية” العربية التي هاجرت إلى جنوب العراق وأقامت فيها دولة “بابل الثانية” لم يظهر إلا في القرن الثامن قبل الميلاد، أي بعد مولد سيدنا إبراهيم بأكثر من ألف سنة، إلا أنه قد جاء في التوراة نص آخر عن أصل نسب سيدنا إبراهيم عليه السلام، يتوافق مع الدراسات النقدية وما أثبته علم الآثار، وهو: “آرامياً تائهاً كان أبي” سفر التثنية 56/5.
أضف إلى ذلك أن القرآن الكريم لم يذكر أن سيدنا إبراهيم هاجر من بلاده ومعه أبيه، لأن أبيه لم يكن على دينه الذي دعا إليه قومه، حيث أن سيدنا إبراهيم عليه السلام دعا قومه إلى عبادة الله تعالى الواحد الأحد، وإلى توحيد الخالق وترك عبادة الأصنام والأوثان والآلهة المتعددة التي كانوا يعبدونها، وقد جاء في التوراة ما يفيد ذلك ويناقض النص الأول الذي يقول أن الرب أمر تارح أن يأخذ ابنه إبراهيم من أرض الكلدانيين ويذهب به إلى أرض (كنعان).. حيث جاء في سفر التكوين الإصحاح 12/1 “وقال الرب لإبرام: (اترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك واذهب إلى الأرض التي أريك..)”.
وفي القرآن الكريم جاء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. {الأنعام: الآية 74}. وعندما ضاق أبا سيدنا إبراهيم بدعوة ابنه له وعجز عن رده إلى عبادة الأصنام قال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾. {مريم: الآية 46}. وهذا دليلٌ على عدم صحة النص الأول في التوراة وصحة النص الثاني، والتأكيد على أن إبراهيم هاجر من غير أبيه إلى أرض محددة، قال تعالى: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. {الأنبياء: الآيات من51ـ71}.
قال المفسرون: وقال ابن عباس؛ فكانت هجرته من العراق إلى الشام التي بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأنبياء ووفرة الأنهار والأشجار. قال ابن الجوزي: وبركتها أن الله عز وجل بعث أكثر الأنبياء منها وأكثر فيها الخصب والأنهار. ورد في تفسير ابن كثير عن أُبي بن كعب قال: “عن الأرض التي بارك الله فيها للعالمين هي بلاد الشام. وما نقص من الأرض زيد في بلاد الشام. وما نقص من الشام زيد في فلسطين وكان يقال هي أرض المح
شر والمنشر”
وقد هاجر سيدنا إبراهيم عليه السلام وزوجه (سارة) وابن أخيه (لوط) والعدد القليل الذي آمن معه من سواد العراق إلى فلسطين والشام ابتغاء إظهار الدين والتمكن من نشره. وساروا مع طريق القوافل حتى وصلوا “حران” مدينة شمال الهلال الخصيب تقع على إحدى أفرع الفرات وإلى القرب من تل الخلف. وهي مدينة تجارية واقعة على طريق القوافل بين بابل وسواحل البحر المتوسط. وقد مكث في حران فترة من الزمن ثم تركها ومن معه مهاجراً إلى فلسطين وذلك نحو عام 1805ق.م تقريباً، وبعد عبور نهر الأردن واصل سيدنا إبراهيم سيره إلى فلسطين حتى نزل مدينة “شكيم” نابلس. ثم رحل عنها متنقلاً في أرض فلسطين إلى أن استقر بع المقام في مدينة “بئر السبع”. أما سيدنا لوط فقد نزل قرية “سدوم” قرب البحر الميت.
وقد أقام إبراهيم وسط أبناء عمومته من القبائل العربية من سكان بئر السبع وفلسطين داعياً إلى الله تعالى. وقد قامت علاقة طيبة بينه وبين سكان البلاد الذين أحسنوا وفادته وضيافته لما رأوا من حسن خلقه وصلاحه وكرمه. واستمرت إقامته إلى أن حلت المجاعة بأرض فلسطين فارتحل إبراهيم إلى مصر، ولم يطل به المقام هناك لِما أخبرتنا به كتب السير مما حدث بينه وبين فرعون مصر، فخرج منها عائداً إلى فلسطين بعد أن زوده فرعون مصر بالمال والماشية وجارية ـ قيل أنها أميرة من أميرات القصر أو أنها من الأسرة الحاكمة ولم تكن خادمة كما قال البعض، وقد تكون صفة الجارية نقلها الكتاب عن التوراة ـ وهبها لزوجه (سارة) اسمها (هاجر). وبعد عودته إلى فلسطين استقر مرة أخرى في “بئر السبع”. وبعد فترة قصيرة تزوج إبراهيم من هاجر التي أنجبت له إسماعيل عليه السلام وذلك نحو عام 1794 ق.م، الذي حمله وأمه بعد أن غارت منها سارة عابراً الصحراء إلى مكة في الجزيرة العربية وأسكنهما هناك. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ. َبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. {إبراهيم: الآيات 35-37}. قال المفسرون في “مِن ذُرِّيَّتِي” ولده إسماعيل وزوجه هاجر. وجاء في الحديث: “أن هاجر لما ولدت إسماعيل غارت منها “سارة” زوجة إبراهيم فأمره الله تعالى أن يحمل ولده إسماعيل مع أمه من الشام إلى مكة فوضعهما عند دوحة مكان زمزم…” وقد أراد الله تعالى أن يكون سيدنا إسماعيل سبباً في إعادة العلاقة والصلة بين أرض الحجاز وفلسطين.
وبعد أن رزق سيدنا إبراهيم بإسحاق (ولد إسحاق بعد سيدنا إسماعيل بأربعة عشر عاماً) من زوجه سارة، هاجر إلى الخليل ونزل وسط سكانها العرب وبعض الحثيين الذين كانوا يقيمون فيها بصفة فردية وليسوا حكاماً أو ذوي سلطة، وقد كانت تسمى الخليل آنذاك “بقرية أربع” نسبة إلى أربع أحد حكامها وغالباً أنه هو الذي أقامها وبناها. وبقية القصة معروفة وليست موضوعنا، ولكن نريد أن نلفت النظر إلى ما تبع تلك القصة من تقسيمات للعرب إلى عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة، وذلك في الحلقة القادمة؟!.
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد