إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الشيخ القرضاوي .. وشيعته .. والازمة المالية ..!

 

ما زالت الأزمة المالية العنيفة التي هزت الاقتصاد العالمي محور الاهتمام الرئيسي على كافة الأصعدة والمستويات وعلى مستوى العالم ، وشغلت الخبراء من كل صنف والعلماء في كافة الميادين ، وكما شغلت الحكومات فقد شغلت الأحزاب السياسية من كل لون وصنف. ومن بين بينها أحزاب التيارات الإسلامية السياسية .

وتباينت الآراء وتعددت تفاصيلها لكنها من حيث الجوهر انقسمت إلى قسمين رئيسيين الأول اعتبر الأزمة بالرغم من عنفها وقسوتها وما سيترب عليها من آثار فادحة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا إلا أنها أزمة عابرة مهما طال زمنها أو قصر، فيما القسم الثاني اعتبرها علامة فارقة ودلالة قطعية وقاطعة على انهيار النظام الرأسمالي .

ومن هذا القسم الثاني كانت تيارات الإسلام السياسي من شيعة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وغيرهم من ممثلي أحزاب هذا التيار التي رأى بعض ممثليها سواء من قادتها السياسيين أو مفكريها ومثقفيها أن ما تشهده الولايات المتحدة وأوروبا هو عقابا من الله ، ويشكل إشارة على صحة النهج الاقتصادي الإسلامي، وان هذا النهج هو الذي سوف يسود الاقتصاد العالمي .. ودائما ما ربط هؤلاء تصورهم هذا بآيات من القران الكريم. ليؤكدوا صحة وجهة نظرهم وصوابها.

وعندما كتبنا وقلنا إن هذا التصور يقوم على الأماني والرغبات وانه ليس له علاقة بالواقع والحقيقة وانه ينشر الوهم والضلال تصدى لنا العديد جدا من شيعة الشيخ القرضاوي من أتباع وأنصار التيار الإسلامي السياسي الذي ينتمي له الشيخ، واكتظ بريدنا الالكتروني بعدد هائل من الرسائل معظمها لم تتضمن سوى الشتيمة وتوجيه الاهانات والاتهامات بالكفر ومعاداة الإسلام والمسلمين من قبيل “علماني كافر ملحد ماركسي شيوعي إلى آخره، بل وصل البعض إلى اتهامنا بمعادة الله والرسول. وقلة منها كانت رسائل عاقلة حاول أصحابها الرد بشكل منطقي عرضوا مبرراتهم للتأكيد على نهاية العصر الرأسمالي .

ولإقناع هؤلاء بغير ما يتوهمون يتطلب منا ومن غيرنا الكثير جدا من الجهد والمثابرة، وهي مهمة ضرورية للحيلولة دون وقوع الجماهير العريضة في براثن الوهم والضلال وفي ذلك نتائج كارثية تزيد من استفحال الأوضاع المأساوية في بلادنا العربية والتي هي نتيجة طبيعية ومؤكدة لانتشار الجهل والوهم والضلال.

لكن الشيخ يوسف القرضاوي وهو شيخ الوسطية في الإسلام الذي يتهمه حزب التحرير بالانحراف كونه وسطيا وكونه واقعيا (كون حزب التحرير يرفض الواقعية ويعتبرها استسلاما وهزيمة كما كتب احد كتابهم مؤخرا).. خالف شيعته وأنصفنا وعزز وجهة نظرنا وأيدها على الرغم من التباين الفكري واتساع شقة التباينات بيني وبينه في العديد جدا من القضايا.

ففي برنامجه الأسبوعي “الشريعة والحياة” على قناة الجزيرة لهذا الأسبوع قال ردا على سؤال حول تصوره عما إذا كانت الأزمة المالية الراهنة في العالم تعني انهيار النظام الرأسمالي بقوله إن الاقتصاد الرأسمالي يقوم اليوم على أسس معرفية “المعلومالية” أي أن المعرفة أصبحت تشكل عصب الاقتصاد في العالم المعاصر وقال إن الغرب يمتلك أسس هذه المعرفة ويستخدمها بكفاءة واقتدار، ولديه إمكانات هائلة لتطويرها وتنميتها، ولذلك من غير المعقول أن نقول أن هذه الأزمة ستنهي النظام الرأسمالي.

  وأضاف إنها ولا شك أزمة موجعة لكنها لن تنهي النظام الرأسمالي نظرا للقوة الهائلة لاقتصاديات الدول الغربية.

وأعطى الشيخ القرضاوي مثلا على ذلك بقوله ان الناتج القومي الإجمالي للولايات المتحد يبلغ 12 تريليون دولار، فعندما يلقي بالسوق 700 مليار دولار فإنها لا تعني شيئا لأنها نسبة قليلة جدا بالمقارنة مع حجم الناتج الإجمالي.

وأضاف إن الأمر لا يقف عند هذا الأمر بل إن دول العالم كله تقريبا اندفعت بقوة لتؤازر بعضها بعضا.

إذن فالشيخ المحترم ينفي الكثير جدا من تحليلات وأراء الكتاب الإسلاميين الذين تدافعوا وبشماتة للإعلان عن انهيار النظام الرأسمالي، لان انهيار الدول الغربية يمثل رغبة سياسية لهؤلاء الكتاب الذين ينتمي معظمهم لتيارات الإسلام السياسي، ولا تقوم إطلاقا على أسس علمية واقعية.

 

وقال الشيخ القرضاوي بنفس البرنامج “إن الاقتصاد الإسلامي يقوم على الأخلاق” أي انه أكثر تهذيبا وإنسانية واهتماما بالجوانب الاجتماعية وبالعدالة من وحشية النمط الأمريكي أو ما يسمى بالليبرالية الاقتصادية.

واتفق مع الشيخ القرضاوي بان الليبرالية المتوحشة للاقتصاد الأمريكي على وجه الخصوص هي الم
سئولة عن الأزمة وعن كل ما سيترتب عليها، وان الاقتصاد الإسلامي فعلا يقوم على قاعدة أخلاقية أكثر رحمة وعدلا وسماحة من الرؤية الليبرالية المنفلتة من عقالها، لذا استغربت جدا اندفاع بعض المفكرين الاقتصاديين الإسلاميين للتبشير بنهاية عصر الرأسمالية مع العلم إن جوهر الاقتصاد الإسلامي هو ذاته رأسماليا يقوم على قاعدة تقديس الملكية الخاصة ومبدأ الربح.

ولم يكن لأحد إن يعترض أو يجادل فيما لو قام المفكرون الاقتصاديون الإسلاميون بالتبشير بنهاية عصر الوحشية الليبرالية في الاقتصاد الرأسمالي ، وان المستقبل سيفرض بعض القيود على التهور غير المحدود بالجري وراء الربح بأي شكل وأي طريقة، وان الدول الرأسمالية مجبرة على اتخاذ العديد من الإجراءات الرقابية التي ستوقف انفلات الأمور من عقالها، وان الدول والحكومات على مستوى العالم مضطرة للحد من سطوة عنصر الربح في المعاملات المالية والتجارية.

 ولذلك أعود للتأكيد على أن ما انبرى بعض إتباع التيارات الإسلامية لترويجه والتبشير به من انتهاء وانهيار عصر الرأسمالية كان موقفا سياسيا وليس موقفا اقتصاديا، موقف يروج للأحزاب الإسلامية سياسيا، ولرؤية هذه الأحزاب لصورة المجتمع الذي تسعى لبنائه، من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، أي أن موقفهم كان ترويجا لأفكار وتوجهات تيار سياسي، يمارس بقوة ألاعيبه السياسية في ميدان الصراعات السياسية الداخلية في كل بلد يتواجد فيه.

 

ومن الضروري الإشارة إلى أن التخلف لن ينتج إلا التخلف، وطالما أن شعوبنا ترزح تحت وطأة الفاقة والفقر والعجز، ولا تنتج أي نوع من الخيرات، وان أساليب الإنتاج لديها ما زالت بدائية، في كافة الميادين وكأنها ما زالت تعيش في العصور الوسطى، يفصلها عن مجتمع المعرفة وعصر الاقتصاد القائم على “المعلومانية” كما قال الشيخ القرضاوي،  فإنها لن تنتج إلا أفكارا بدائية وسلوكيات بدائية، وعلاقات بدائية،

ومن الضروري القول أن ما يجري في العالم هو مباراة.. ويجب أن تكون حرة .. وكل طرف يستخدم أسلحته .. وبالنهاية لا يصح إلا الصحيح .. ولم يحدث بالتاريخ أن اتفقت البشرية على صحيح واحد .. فكل مجموعة عندها ما هو صحيح، وهذا عنصر ايجابي بل انه عنصر ضروري وأساسي بل هو العنصر الذي له الدور المركزي في تطور البشرية.

ابراهيم علاء الدين

[email protected]

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد