إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

انشد وطن واشحد وظيفة

palestinian2بقلم : خالد منصور
التقيته في شوارع رام الله، ينتظر على موقف لسيارات مخيم الجلزون، صديق قديم عرفته في سنوات الانتفاضة الأولى، كان حينها شابا في مقتبل العمر، يفيض حيوية ورجولة، وطنيا مقداما مخلصا للقضية، وهي بالنسبة له تأتي في المقام الأول قبل الفصيل وقبل الذات الأنانية.. اذكره محرضا للشباب ومؤطرا لهم، أدمن السجن والاعتقال، وكان كل ما خرج من سجن يعود إلى آخر، ابن عائلة فقيرة معدمة، نشا في بيئة اقل ما يقال عنها أنها بيئة بؤس وشقاء، دخل الجامعة منتفعا من منحة قدمها له نادي الأسير– وبسبب الملاحقات والاعتقالات المتكررة لم يستطع إكمال دراسته.. انقطعت أخباره عني لأكثر من 10 سنوات، انشغل هو بهمومه وبسجونه ومطارداته، وأنا انشغلت بعملي السياسي المرهق القلق واللا معروفة نهايته، وبعدها بوظيفتي بمؤسسة الإغاثة الزراعية– التي أكملت من خلالها رسالتي في الحياة، لأكون دوما بين الناس– وعلى الأخص بين من يحتاجون الدعم والمساندة وبين من اعتقد أنهم الأكثر إخلاصا وعطاء لحرية الوطن وشعبه.
    كدت للوهلة الأولى أن لا أتعرف عليه، فقد بدا لي مختلفا إلى حد كبير، الشيب غزا ما تبقى من شعر في رأسه، وتجاعيد وجهه كانت وكأنها خرائط خطتها السنون، لترسم معالم محنة شعب بأكمله، جلست وإياه في مقهى شعبي، لنحتسي القهوة على قارعة الطريق، سألته عن أخباره وعن السنين التي غابها عني، فقص علي قصة لا أبالغ حين أقول أنها تصلح لتكون مادة لأقوى الروايات التراجيدية.. قال لي: مع قدوم السلطة وبدء ما أطلق عليه مرحلة السلام شعرت بالفراغ، ونشب في داخلي صراع شديد بين قناعاتي بلا جدوى السير وراء أوهام السلام الإسرائيلية، وبين ما حاولت قيادتنا إيهامنا بأنه تراكمات ستوصلنا إلى تحقيق كامل أهدافنا الوطنية المشروعة.. وفي مثل هذه المرحلة أصبحت أنا والكثيرين طاقة غير مرغوب بها، وعبئ ثقيل يؤرق قيادات المرحلة الجديدة، وأضاف: وجدت نفسي محاصر بالنفاق والدجل ومحاط بقناصي الفرص والباحثين عن المغانم والنفوذ، وفي مثل هذا الوضع أصبح مطلوب مني أن أتغير.. فقد تغيرت الساحة والوجوه، وتغيرت القلوب والنفوس، ولم يعد لي ما اعمل عليه من تحريض وتجنيد وتخطيط لأنشطة وطنية، لكن ولاني كنت واثقا بان ما تجري خلفه قيادتنا ما هو إلا سراب ولن يقودنا إلى ما حلمنا به من دولة حقيقية وعودة للاجئينا إلى ديارهم الأولى، فقد واصلت الاحتفاظ برأيي بان من الضروري مواصلة النضال– وان كان بأشكال أخرى تكون شعبية جماهيرية– تبقي على حالة اليقظة للجماهير، وتمنع المحتل من تحقيق أي مكاسب جديدة على الأرض، وتفهمه أن الصراع بين شعبنا واحتلاله لم تنتهي، بل أنها قابلة للتصاعد والانفجار فيما لو فشلت الجهود السياسية..
    وأضاف صديقي بحزن واضح: لكن موقفي هذا كلفني الكثير، وأصبحت كمن يغرد خارج السرب، وبدأ الكثيرون من أصدقائي الذين وصلوا إلى مواقع المسئولية في أجهزة السلطة المدنية والعسكرية يتحاشون جلساتي وصاروا يبتعدون عني.. بل وأكثر من ذلك أغلقوا الأبواب في وجهي للحصول على وظيفة اعتاش منها تؤمن لأسرتي مصدر رزق آمن..
    سألته: إلى هذا الحد وصلت أوضاعك المعيشية..؟؟ فأجاب: نعم يا صديقي فانا من نذرت حياتي للنضال والوطن والقضية اشحذ الآن وظيفة..!!! ووضعي في مهب الريح.. تخيل.. أنا من كنت أواصل الليل بالنهار، وأتنقل من منطقة إلى أخرى، وأمارس العمل– التنظيمي السري والجماهيري العلني– أنا الآن أخاف أن يأتي الغد الذي سيجوع فيه أبنائي ويحرمون من فرص تعليمهم..
    وانهي صديقي كلامه بالقول: يبدو أنني ادفع ضريبة لانتمائي الحقيقي إلى الوطن والقضية، وادفع ضريبة لأنني لم أكن انتهازي ووصولي.. لكنني لست نادما أبدا ولن أتغير، وسأواصل العمل وفق قناعاتي، ولن أبيع ضميري حتى ولو جعت– مقابل وظيفة اعتقد أنني استحقها وأولى بها من عشرات بل ومئات الوصوليين.
مخيم الفارعة
24/10/2008    
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد