إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

وثائق النفي والإثبات تُشير إلى المسؤول عن استهداف المسيحيّين في العراق !

Mase7eenنبيل أبو جعفر                                                                              
من الذي يستهدف المسيحيين في العراق، ويعمل على تهجيرهم والإعتداء على بيوتهم ودور عبادتهم، مع أنهم لم يُعادوا أحداً ولم يحملوا السلاح في وجه أحد من أبناء بلدهم الذي عاشوا فيه طوال تاريخهم الذي يربو على الألفي سنة، وساهموا في بناء حضارة أرض الرافدين؟
 
لقد تصاعدت وتيرة هذا الإستهداف الذي وصل، على حدّ تعبير رؤساء الطوائف المسيحية في العراق في وصفهم له بالإبادة الجماعية، دون أن يتم الإعلان صراحة عمّن يقف وراء ذلك، ومن له مصلحة فيه. على الرغم من تعدّد الاتهامات ورفع كل طرف أصابع الإتهام باتجاه الطرف أو الأطراف الأخرى.
 
   أهل النظام المُنَصّبْ من قبل الأميركان والميليشيات الكردية يتهمّون تنظيم القاعدة دون أي دليل، مستندين في ذلك إلى رصيده الكبير في عمليات مشابهة ولكن في مناطق أخرى ولأسباب أخرى، كما يحاولون حشر ‘جماعة النظام السابق’ انطلاقاً من مواقف وحسابات سابقة، مع أن قيادة البعث في العراق كانت سباقة إلى إصدار بيان حذّرت فيه من الفتنة التي تترتب على استهداف المسيحيين، وأشارت إلى مسؤولية الميليشيات الكردية وأهل الحكم في بغداد بالوقوف وراءها، ناهيك عن ان ‘جماعة النظام السابق’ تضم كل فئات الشعب العراقي من مسلمين ومسيحيين وأكراد… الخ. فأين الحقيقة إذن، وكيف يمكن تأكيدها بالمعلومات والمواقف المعلنة وباعترافات أهل الشأن وأطروحاتهم، وخصوصاً الناس المستهدفة في هذا المسلسل الإجرامي؟
 
 
 
حقائق دامغة
 
   بداية لا يمكن القفز من فوق حقيقة أن العراق ‘السابق’ بكل طوائفه وأعراقه كان موطناً للجميع، يشعر الكل فيه بالأمن والأمان، حتى بشهادة الذين يعيدون سبب ذلك الى ‘ديكتاتورية النظام’، ويروّجون الى أنه كان يضطهد الأكثرية ‘القوية’ مذهبياً وليس الأقليّات الضعيفة من أي مذهب أو دين أو عرق.
 
   اليوم انقلبت الآية 180 درجة عن السابق، حيث أصبحت ا’لأكثرية الحاكمة’ بدعم الاحتلال تضطهد الأقليات المسالمة وغير المرتبطة بأي أجندة أو جهة خارجية.
 
    أما إذا أردنا تسليط الضوء أكثر على الحقائق فيمكننا تسجيل النقاط التالية التي أُعلنت على الملأ ، ولا يستطيع أحد إنكارها لكونها وقائع وليست إتهامات أو توقّعات:
 
·        أولاً: قبل أسابيع من تصاعد عملية استهداف المسيحيين، قام التآلف الشيعي الحاكم بنسبة عالية من مواقع المسؤولية بالإعتراض على قانون الإنتخابات المحلية الجديد الذي يُعطي المسيحيين والأقليات الأخرى حق التمثيل بنسب محدودة في المحافظات التي يتواجدون فيها بكثافة، وقد وافقت حكومة المالكي (التي هي من التآلف وإليه) على ذلك ونسفت هذا الحق المنصوص عليه في المادة 50 من القانون المذكور، وحالت دون تمثيل الأقليات في مجالس المحافظات، الأمر الذي دفع الجماهير المسيحية الى التظاهر – قبل أيام فقط من تصاعد عمليات التصفية – إحتجاجاً على هضم حقوقهم وحقوق الأقليات الأخرى.
 
·        ثانياً: منذ أن عيّن الأميركان رموز النظام الحالي، ووضعوا أسس توزيع مهام المسؤوليات الأساسية فيه، جرى اعتماد محرّمات عديدة على الأقليات العراقية وفي مقدمتها المسيحيين بمختلف كنائسهم. فوزارة الداخلية – على سبيل المثال – لم تُعطِ حقاً لأي فرد منهم بأن يكون ضمن كادرها الوظيفي، وهو ما أكّده النائب المسيحي في مجلس النواب يونادم كنا بقوله: ‘أن وزارة الداخلية ترفض تعيين المسيحيين في أجهزتها الأمنية، وعندما طالبناها بتعديل موقفها إشترطت عليهم – في حال الموافقة على توظيفهم – إقتصار عملهم على القيام بمهمة حراسة الكنائس فقط’!’، وفي هذا تمييز سلبي ومؤشر على التشبت بمعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية’.
 
·        ثالثاً: في السياق نفسه، جاء التصريح الخطير الذي أدلى به عضو البرلمان العراقي عن محافظة الموصل أسامة النجيفي وكشف فيه تفاصيل عمّا يقوم به مسلّحو قوات البيشمركة الكردية، وعناصر من ‘الأسايش’، أي عناصر الاستخبارات الكردية، من أعمال إجرامية بحق أهالي المنطقة من المسيحيين. وتحدّث بالتفصيل عن جوانب مخفية حول التعاون الوثيق بين هذه العناصر المسلّحة والمخابراتية مع قوات الجيش والشرطة التابعة للنظام في المنطقة، واتهم الجميع بالتنسيق معاً في عمليات استهداف المسيحيين، مؤكداً أن القوات الرسمية من جيش وشرطة تُسَيّر بإيعازات من الميلشيات الكردية التي تعمل بكل الوسائل لاستكمال ‘تكريد’ المنطقة. وأعطى النجيفي أمثلة على ذلك بقيام وحدات الجيش النظامي بترحيل عائلات من المنطقة بالقوة. وخصّ بالذكر حي السُكر شمال الموصل حيث أُحرقت منازلهم، تحقيقاً لهذا الهدف.
 
  
 
                                                             بيت القصيد
 
    هذا الكلام بوضوحه وجرأته – من مسلم عراقي – والذي لم يستثن فيه الحكومة مع أنه عضو في ‘برلمانها ‘ ولا الكتل الكبيرة الحاكمة بنزعاتها المذهبية والشعوبية من الجريمة وعقد صفقات سياسية لترتيب اقتسام المناطق فيما بينها، أثار حنق الميليشيات الكردية وعدوانيتها ضد النجيفي فشنّت ضده حملة قاسية، وطالبت حكومة المالكي بضرورة سحب الحصانة البرلمانية عنه، نظراً لأنه ‘يبثُ روح التفرقة’!!
 
    إضافة لما سبق، وفي أول ردّ فعل مباشر على الجهة التي تقف وراء الجرائم التي ترتكب بحق مسيحيي العراق – دون تسميتها -، صرّح رئيس أساقفة الكلدان في كركوك المطران لويس ساكو، في معرض تحذيره من تفاقم حملات التصفية الجماعية التي يتعرض لها أبناء رعيته قائلاً: ‘إن ما نتعرّض له من إضطهاد وملاحقة وبطش أهدافه سياسية. من يستهدفنا يبحث عن مكاسب، والهدف مما يفعله إما دفع المسيحيين الى الهجرة، أو إجبارها على التحالف مع جهات لا نُريد مشاريعها…’.
 
… وهنا بالتحديد يجب التوقف، فالجملة الأخيرة بشكل خاص مهمّة جداً، والتدقيق فيها لا بدّ أن يقود المتتّبع الى الكشف عن الفاعل المعروف بداهة، رغم عدم الإعلان عنه حتى الآن.
 
    إذا استثنينا ‘جماعة النظام السابق’ من مسؤوليتها عن مثل هذه الجرائم لجملة من الأسباب البديهية، فضلاً عن عدم تمكُنّ الميليشيات من تركيز الإتهام عليها نظراً لتناقض ذلك مع إتهام هذا النظام بمحاباة المسيحيين،’!’، يصبح من الضروري التدقيق في مدى صدقية الإتهامات الموجهة لتنظيم القاعدة.
 
 
 
لماذا استبعاد القاعدة؟
 
    ترى، هل طرحت ‘القاعدة’ يوماً – مهما قيل عنها وما اقترفت من ممارسات وما نفّذت من عمليات – فكرة التحالف مع المسيحيين في العراق، وهل يتوقع ان يكون في أجندتها ذلك؟
 
الجواب قطعاً لا ، فكلام المطران ساكو وحده كافياً إذا تمعّن فيه الإنسان الى استبعاد القاعدة من هذه الزاوية على الأقل ، نظراً لأنها لم تطرح يوماً هذا الموضوع، ولم تسعَ الى التحالف مع أي جهة لا يجمعها معها أية أرضية ، ولا تعمد مثلها إلى تكفير الآخرين الذين لا ينتهجون نهجها، سواء أكانوا مسلمين أم من أي طائفة أخرى.
 
    إذن، تبقى الجماعات الدينية الأخرى التي سارعت – كما سارع البعث – إلى أصدار بيان مستفيض يوضّح موقفها من هذه الجرائم الطائفية وغير الانسانية التي تصبّ في مصلحة الإحتلال وأتباعه، وتستهدف تفتيت العراق وإدامة السيطرة عليه، وقد أكدّت فيه على النقاط التالية:
 
         نتخذ موقفنا من كافة العراقيين على أساس موقفهم من الاحتلال وأعوانه. فالرافض للاحتلال والمناهض له هو معنا في خندق واحد، ونحافظ عليه بكل ما أُوتينا من قوة.
 
         إن هذا العمل الاجرامي ما هو إلاّ صفحة من صفحات الخيانة لهذا البلد من أجل تقسيمه وضرب مكوّناته… الخ.
 
         إن الأحزاب المتنفّذة في هذه المناطق والمرتبطة بالإحتلال هي صاحبة المصلحة في إثارة النعرات والتهديدات من أجل تمرير مخططاتها ومخططات أسيادها المحتلين.
 
         المقاومة العراقية مشروع تحرّري ووطني همّه الأول استهداف المحتل وأعوانه والتسريع في دحره. ومن أجل ذلك كله فإن ‘جبهة الجهاد والتغيير (التي تضم حوالي عشرين تنظيماً منها قوات ثورة العشرين وغيرها) تعلن عن رفضها لتلك الأفعال وتعاهد جميع العراقيين بأنها ستواصل ضرب المحتلين وأحزابهم الخائنة حتى يتم تحرير العراق من براثنهم..’.
 
 
 
الثأر والطائفية والشعوبية.. معاً
 
أخيرا ،
 
    إذا عدنا بالذاكرة الى الوراء فيما يتعلق بسلسلة الإعتداءات التي بدأ يتعرض لها المسيحيون منذ فترة، ووقفنا أمام عملية خطف المطران الكلداني بولس فرح رحّو وتصفيته، وهو المعروف بمواقفه الوطنية ، وتضامنه مع قضية شعبنا الفلسطيني، ثم رفضه التصريح بجملة واحدة ضد النظام الوطني ‘السابق’ ورئيسه الشهيد صدام حسين .
 
   إذا عدنا بالذاكرة الى هذا الحدث بكل معانيه، لاتّضح أمامنا أن سبب الاستهداف كان سياسياً وثأرياً من مواقفه الوطنية، الى جانب الهدف التقسيمي الذي تفوح منه رائحة العمالة والعمى الطائفي في الوقت ذاته. وهذا الكلام يقودنا أيضاً الى ما سبق الإشارة إليه فيما يتعلق بتصريح رئيس أساقفة الكلدان الذي قال فيه إن من يقترف هذه الجرائم يستهدف إما دفع المسيحيين الى الهجرة أو إجبارنا على التحالف مع جهات لا نريد مشاريعها.
 
    يبقى أن نسأل المجانين وليس العقلاء فقط : هل ثمّة من يشكّ بغير الميليشيات الكردية الفاشية ، وأركان النظام ‘العراقي’ – الأميركي ـ الفارسي ، القائم على الطائفية والمذهبية والتبعية بالوقوف وراء جريمة استهداف المسيحيين؟!
 
 
 
 لم لا تعمد سائر القوى الوطنية العراقية إلى إعلان هذه الحقيقة أمام العالم ، وبصورة جماعية ، مساهمة جديدة منها في تعرية وجه بوش ـ حتى ـ ‘المسيحي’ المحافظ أيضا؟!
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد