إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

شر البلية ما يبكي في العراق : الفلسطيني فراس ملحم نموذجاً (ج1)

شر البلية ما يبكي في العراق : الفلسطيني فراس ملحم نموذجاً (ج1)

بقلم : زياد ابوشاويش

في البداية لابد أن أعترف أن هناك آلاف الحالات من أصحاب المآسي والظروف الصعبة والمعقدة الذين يحتاجون للعون من الحكومة الفلسطينية برام الله ومن حركة حماس باعتبارها سلطة أمر واقع في غزة وتحمل كما تقول في أدبياتها المشروع الوطني الفلسطيني البديل ولها الأغلبية البرلمانية التي منحها إياها شعبنا لتقدم له يد العون في محنة أبنائه أينما وجدوا، لكن مسئولية منظمة التحرير الفلسطينية والرئيس عباس أكبر بهذا ومن هنا أرجو اعتبار مقالي هذا نداءً لكل من يعنيهم الأمر لمد يد العون للأخ الفلسطيني فراس ملحم والذي وقع تحت ظروف المطاردة والقتل والتنكيل في العراق على يد من استقووا بالاحتلال بعد الغزو الهمجي له على يد أمريكا وحلفائها، وبسطهم سلطتهم الطائفية والمذهبية على بعض المناطق ليستهدفوا كل فلسطيني يقيم بين ظهرانيهم حتى لو كان متزوجاً من طائفتهم أو مذهبهم وهو الأمر الذي حدث مع أخينا فراس ملحم و ألجأه للهرب لبانكوك عاصمة تايلند (الدولة الوحيدة التي منحته تأشيرة دخول لأراضيها) حيث ضاق وطننا العربي الكبير عن استيعابه وغيره من لاجئي شعبنا الفلسطيني في العراق الشقيق والجريح، وبعد أن باع كل ما يملك من أجل تذاكر السفر، وحيث يقيم اليوم في بانكوك مع أسرته المكونة من ستة أفراد في انتظار رحمة المنظمات الدولية التي ربما تؤمن له الهجرة والإقامة في بلاد الله الواسعة ممن يقبلون إعالة هؤلاء.

يقول أخونا فراس في رسالة استغاثته راوياً قصته المرعبة مع جيش “المهدي”  تجاه أبناءنا في العراق…. وربما يتذكر القارىء الكريم أني كتبت مقالاً بعنوان ” مقتدى الصدر غرابة أطوار أم حلقة في مؤامرة ” للرد على سلوكيات مشبوهة وموتورة من أتباعه تجاه أهلنا في العراق وأصل الريبة في الرجل جملة المواقف المتناقضة له، وعداؤه لشعبنا الفلسطيني على خلفية مذهبية مقيتة واعتقاد مريض بأن شعبنا في العراق يدين بالولاء للرئيس الراحل صدام حسين الذي اغتيل بأمر الاحتلال الأمريكي على أيدي عملائه وجلادي شعبنا المظلوم في العراق.

وقبل ان أواصل وحتى لا نتهم بالغلو في الحكم على هؤلاء القتلة أنوه باني شاهدت شريطاً مصوراً للقاء السيد الصدر مع وجهاء جاليتنا في بغداد بعد اختفاء وقتل عدد من أبنائنا هناك وكان يتحدث بطريقة توحي بالأمان لمن قابلوه والذين أطروا عليه وجاملوه اتقاء شر زمرته الحاقدة ومع ذلك استمرت المطاردة حتى الآن ونموذج الأخ فراس ملحم أمامكم وأمام هؤلاء ليفسروا لنا الأمر واستطراداً فإننا سنستمع لتفسيراتهم بعقول وقلوب مفتوحة لأننا نعرف يقيناً أن إخوتنا من عرب العراق الشيعة لا تنقصهم النخوة ولا الرجولة، وعروبتهم لا شك فيها، ومنهم من يقاتل الاحتلال ويدافع عن حق العراق في الحرية وزوال الاحتلال وأؤلئك هم الأغلبية، ومن هنا يجب أن يكون واضحاً أن نداءنا هذا لا يرتكز مطلقاً على دعاوي مذهبية ولا يجب أن يعتقد أحد ما أن هذه فرصة للنيل من أشقاءنا هناك سواء كانوا من الشيعة أو السنة أو المسيحيين أو الأشوريين أو أي طائفة أو عرق في بلد التنوع المدهش والعظيم لعراقنا الحبيب.

عاش فراس حاتم عبد الله ملحم وزوجته العراقية والجعفرية المذهب وأولاده الأربعة في منطقة يسيطر عليها للأسف جيش المهدي ويعمل سائقاً لتنكر ماء مع مقاول عراقي مسيحي، وفي الشهر الخامس من هذا العام وذات صباح وتحديداً يوم الجمعة الثاني من مايو “آيار” (2 / 5 / 2008) وعلى الساعة الثامنة والنصف دق باب البيت ليفتحه فراس على منظر مرعب حين فوجىء بأن ثلاث رشاشات تصوب لرأسه ثم يسحب للخارج بسرعة ومع سيل من الشتائم وتمزيق الثياب وانهالوا عليه بالضرب والركل أمام أسرته المروعة من هذا الفعل الإجرامي غير المبرر.

بعد لحظات كان فراس مبطوحاً على أرضية سيارة نوع بيك أب “دبل كابين” والأرجل بأحذيتها فوق رأسه وجسده ثم وضعوا عصابة على عينيه واقتادوه لمكان مجهول يدعي فراس أنها حسينية يتمركز فيها بعض قادتهم الأشاوس ويقومون بتعذيب المعتقلين فيها والتحقيق معهم، المهم أن التهمة التي وجهت لفراس بدايةً كانت تتعلق بكونه فلسطيني وبأن صدام حسين راح فلماذا لا ترحلون عن العراق أيها الكلاب؟، وانا هنا مضطر لاستخدام نفس التعبير الوارد في رسالة الرجل ، وقد أغفلت بعض الأمور التي لا أرى فائدة من ذكرها. فراس
مهشم والدم ينزف من أكثر من منطقه في رأسه وجسده نتيجة الضرب بأدوات حادة وعصي بخلاف ركل الأحذية وهو ملقى تحت أقدام هؤلاء الهمجيين.

يقول فراس أن سجاداً سميكاً كان تحت قدميه وهم يجروه على أرض المكان الذي وصلوه ويسمع أصوات هنا وهناك ثم أدخل الى حجرة حسب اعتقاده وبدأ الاستجواب، وكان أغرب ما فيه اتهامه بالتعاون مع الظواهري والقاعدة، وأنه جاسوس لابن لادن، فما كان من فراس سوى أن يحلف بالله والرسول بأنه ليس كما يقولون وأنه رجل يتحرك من البيت للعمل وبالعكس. لم يصدقوه رغم أنه تجرأ على القول بأنه حتى لا يذهب للجوامع . الطريف في أمر هؤلاء أن فراس أحب أن يؤكد براءته فحلف بالإمام علي علهم يصدقوه فكان ردهم ضرباً مبرحاً والقول : ” أنت سني لا تعرف الإمام علي ” كرم الله وجهه ( والأخيرة من عندي )، وفي هذه أظهروا جهلهم بالإسلام وحقدهم وانحرافهم ، بخلاف وحشيتهم حين تولى خمسة أشخاص ضربه وهو مكبل، ثم وبشكل عفوي قال لهم لن أحلف مرة أخرى به وإنما أحلف لكم بمحمد رسول الله فسكت الجميع (وهذا على ذمة الأخ فراس) ثم غيروا التهمة ليقولوا له أنت لا تتعاون مع القاعدة بل مع الصحوات، وهنا رد فراس بأنه متزوج من شيعية ويعمل مع مقاول مسيحي، وأن كل أصدقائه من الشيعة، والفلسطينيون ليس لهم صلة بالصحوات مطلقاً. الغريب أنهم بعد كل هذا لم يجدوا سوى تهمة التجسس حين قالوا له أنت تسكن منطقتنا لتبلغ عنا الجيش العراقي والأمريكان وغير ذلك من المتناقضات وكان واضحاً أنهم يبحثون عن ذريعة لقتل الرجل .

وسط هذا الجو المرعب والمشحون بالحقد تجاه فراس دخل رجل للمكان فاستقبل باهتمام وتوقف التحقيق والضرب ثم سأل هذا القادم من هذا المعتقل وما به؟ فأخبروه بانه فلسطيني وأنه جاسوس يسكن منطقتهم للتبليغ عنهم فما كان من الرجل الا أن طلب منهم أن يقيموا الصلاة وبعد ذلك يرى ما عند فراس. يقول فراس : في هذه اللحظة عرفت بأني موجود في جامع أو حسينية.

سمع فراس صوت أذان الظهر واقتربت الساعة من الثانية عشر ظهراً وبعد انتهاء الصلاة بدأ رجل بدا من لهجته وصوته أنه كبير في السن يسأل فراس عن بعض القضايا والتهم وهو يجيب. الملفت أن فراس يقول بأنه أحس أنه بين عدد كبير من الناس والمصلين والكل يستمع للتحقيق ثم بعد إكمال الرجل لأسئلته قال: خذوه، فسحب كالسابق واقتيد لنفس السيارة التي انطلقت به إلى مكان مهجور أو مدرسة حسب اعتقاد فراس وكان حافي القدمين ومدمي الوجه والجسد فأجلسوه على بلاط ناعم كما قال وأغلقوا عليه باباً يستدل من صوته أن فراس كان في حجرة ليمكث فيها بضع دقائق ويعود هؤلاء مرة أخرى ليسحبوه ويلقوا به في قاع السيارة ويذهبوا به الى مكان قريب من ذلك المكان حيث يقول فراس أنه مكان مهجور أو مزبلة قديمة أو ما شابه وفي الهواء الطلق بعيداً عن البيوت كما استشعر فراس، أجلسوه هذه المرة على أرض خشنة وبدأ العد العكسي لإعدامه، وفجأة رن الهاتف ليرد القاتل على المتصل باستهجان : ” شلون يا شيخ أعوفه ” وحدثت مشادة بينه وبين المتصل ثم أغلق الهاتف النقال وبدأ يحضرني لاطلاق النار حين طلب منى الجثو على ركبتي وقال: إتشاهد على روحك و شرعت في قراءة الفاتحة وبعض القرآن ثم طفقت أترجاه، وبعض الحضور يرجونه العفو عني ويقولون له أن زوجته منا والسيد زكاه وعشيرة زوجته توسطت له ، كل هذا بدون نتيجة، وسحب الرجل أقسام رشاشه لإطلاق النار… وهنا وللمرة الثانية يتدخل القدر حين وصلت سيارة نزل منها شخص قال على الفور للوغد الحاقد : ” إفتح عينيه واتركه هذا أمر من مولاي أبو مهند”. يقول فراس أنه لا يعرف شخصاً إسمه أبو مهند . هذه المرة “ظبطت”. قاموا بفتح العصابة عن عينيه وفكوا قيده وطلبوا أن ينظر الى حفرة هي في الحقيقة القبر الذي تم حفره له قبل اعتقاله. يقول فراس: وقد فهمت أن وساطة أقرباء زوجتي عند قيادات جيش المهدي هي التي أنقذت حياتي . بدأ الحاضرون في تقديم النصح، ثم عاد فراس لبيته ليجد زوجته وأولاده في حالة من الفزع والحزن لا يعلم بها سوى الله . ولإكمال الحقيقة كما رواها الشهيد الحي فراس فقد طلبوا منه للوقاحة أن يدعو للسيد مقتدى الصدر بعد كل ما لاقاه على أيديهم من قتل وتجريح واهانات لا تمت للدين بصلة ولا لتعاليم الامام الصدر والده رحمه الله.

لقد تم تهديد فراس بأنه إن تكلم عن ما وقع له على أيديهم فسيعودوا لقتله… وأن عليه أن يجد له مكاناً للعيش خارج العراق العربي ، الذي نعتز كفلسطينيين بعروبته، والذي قدم شباب فلسطين وسوريا ولبنان ومصر وغيرهم من أجل حريته ومواجهة الغزو لأرضه أرواحهم الطاهرة فداءً له، فمنهم من عاد شهيداً في كفن، ومنهم من دفن هناك، ومنهم من لم يعد حتى الآن وهم بالمئات… وأذكر في تلك الأيام السوداء من عام 2003 كيف غادر عشرات الشباب الفلسطيني مخيم اليرموك قاصدين العراق لمواجهة الغزو الأمريكي فقاتلوا ببسالة تحدث عنها كل من ناضل بجانبهم وما رجع لأهله منهم سوى قلة فأين جيش المهدي من هذا ؟ ألا يجد هذا الشاب الذي نحت
رم موقفه الرافض لبقاء الإحتلال والرافض للإتفاقية الأمنية معه وقتاً ليطل فيه على جرائم أتباعه بحق أهلنا في بغداد وغيرها؟ ألا يتقي الله في والده الشهيد ليترحم عليه الناس بدل أن يشتموه؟.

أمهلوا فراس يوماً واحداً للمغادرة فتدخلت زوجته ليتم إعطائه ثلاثة أيام لبيع حاجياته وهكذا كان حين غادروا المنطقة يوم 5 / 5 / 2008 ليقيم مؤقتاً بين عشيرة زوجته في منطقة أخرى حيث أكمل بيع السيارة وباقي الأغراض وسافر لبانكوك .

فراس أيها الإخوة في محنة ويحتاج لمساعدتكم في ستر أسرته وإطعامها هناك وقد انتهت نقود الرجل وهو ينتظر من قادته وأبناء شعبه تقديم المساعدة له أو أن يقوم أحد المسئولين في رام الله أو غزة بإرسال معونة له… وليعتبروها زكاة أموالهم! أو الإيعاز لسفيرنا هناك بتقديم مساعدة بقدر الإمكان للرجل وعائلته المشردة … اللهم فاشهد أني أبلغت وأن نقلي لرسالة الرجل ما كان إلا لإرضاء وجهك الكريم والتزاماً بعهد قطعته على نفسي لرجل فاضل وأخ مجاهد محب لوطنه أوصلني رسالة فراس بخط يده وليعلم أهلنا في العراق الشقيق أنهم في قلوبنا ولن نتخلى عنهم وأن ليل الظلم قصير، كما ليعلم المسئولون في العراق وخصوصاً ما يسمى جيش المهدي أن أفعالهم ضد شعبنا لا ترضي الله ورسوله ولا ضمير أي عربي أو مسلم ، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

زياد ابوشاويش

[email protected]

25 / 10 / 2008

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد