إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

البحث عن البوصلة-2

لربما تكون الأجواء السلبية نتاجاً واقعياً للهزائم والخيبات والانكسارات العربية المتلاحقة عبر الأزمنة، ومؤشراً بالغ الدقة عن حال انسداد الآفاق، كما أنّ التشوه الماثل في كافة الصعد لمؤشر آخر يعطي دلالاته على الواقع المعرفي والعلمي والاجتماعي لتزيد من الإحباط والهزيمة، فلا غرابة أن تلاحقنا التشوهات والزيف في مجمل مفاصل الحياة بجوانبها السياسية والاقتصادية ووجوهها الدينية والمعرفية والثقافية والصناعية، إلى عبثية النكوص إلى مراحل القبلية والعشائرية والمذهبية.
عندما تحدثنا سابقاً عن فقدان البوصلة (الهوية الفكرية والسياسية والاقتصادية) في فكرنا العربي المعاصر كنا نبحث عن استلهام أو إضاءة لأحد أهم مفاصل التخبط السياسي والفكري العربي آملين أن يتم بدء نقاش حواري حقيقي يخرج عن التقليد والمقولات الجاهزة، وأتبعناه بـ “البحث عن البوصلة” الذي حاولنا فيه تلمس منهجية علمية في البحث والتحليل حيث أنّ المنطق الرياضي الذي تحدثنا عنه يمكن أن يرينا الكثير من الجوانب المبهمة والمغفلة في جوانب الفكر.
وإذ كان الطموح هو الوصول إلى حوارات علمية تصبح اشتقاقاتها المصطلحية علميةً بعيدة عن الكيدية أو التسفيه، بحيث تكون المنهجية النقدية هي المؤسس لإنتاج المعرفة، ويكون المنهج والنقد خارجين عن التأطير الأيدولوجي والنظريات مسبقة الصنع أو التنظير البهلواني، مما يشكّل تحديّاً وتجاوزاً للذات.
إلاّ أنّ واقع الحال يؤكد الهزيمة ممّا يؤسس إلى إعادة إنتاج القيم البدوية والبدائية بقوالب تستخدم الإطار التقني الحديث، وجدير بالتخصيص حالة مريعةٌ بأن يتجه الجميع إلى تأطير وقولبة المجتمعات ضمن قوالب وأطر الطائفية وكأنّه لا انتماء آخر يمكن أن يحكم الجموع البشرية باستثناء النمط الطائفي أو القبلي، فلم نعد نسمع في البلدان العربية غير نغمة الطائفية والعشائرية التي استولت على واقع العمل الفكري والسياسي لدى الكثير من النخب، وتحولت بفعلها الأحزاب السياسية إلى أفخاذ قبليّة مريضة، مما يجعل التأكيد على الانتماء الإنساني ضرورةً حتميةً للخروج من هذا القمقم، كمّا أنّ البحث في أنواع المقدسات وإرجاعها إلى تشكيلها الأساسي وفك الرهبة والتابوية هو أحد الأركان الأساسية لتشكيل معرفي متقدم.
هذا البحث يستلزم الخوض في الاستلاب، ونخص هنا أحد آثاره الأساسية على المرأة حيث يظهر استلابها في مجمع الثقافية العربية بخطها الإسلامي كما في الخط النقيض، فالأسلمة تحول المرأة إلى كائن ناقص في أحسن الأحوال وهو موضوع تم الخوض والبحث فيه كثيراً، والثقافة الاستهلاكية تحول المرأة أيضاً إلى سلعة، إلاّ أنّ الجانب المغفل حالياً هو الهدف الأبعد للأسلمة بخصوص استلاب المرأة ألا وهو تحويل المرأة إلى حامية وحاملة ناقلة ومدافعة عن الجهل والتخلف، وبكونها المربية والمعلمة تتحول موضوعياً إلى منتج لشتى أنواع الجهل والتجهيل والتطرف واللاعقلانية، تزيد أغلالها وتطور في أدوات استغلالها، فليس الموضوع هو الحجاب أو الحجاب بعين واحدة أو شتى أنواع ما يمسى باللباس الإسلامي بل هو في “فقه الذكورة ” والرضوخ المطلق لأحكام الآلهة التي تعيد تشكيل أحكامها وأشكالها حسب واقع الحال المعرفية وقوة السلطة وأفقها.
 إذاً ليست مشكلة استلاب المرأة إسلامياً هي اللباس وتبعاته أو تعدد الزوجات أو العنف ضد المرأة أو ما يسمى”جرائم الشرف” وغيره بل في الاستلاب المعرفي وتحويل المرأة إلى عدو نفسها ولاهثة إلى الذكورة المفقودة بحيث تفقد إنسانيتها قبل أنوثتها.
يتبع
25/10/2008
م. محمد أحمد
[email protected]

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد