إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

"جلعاد شليط" لأمثالك نذرف الدموع!!

Jel3aadد. فايز أبو شمالة
حبيبي يا “جلعاد شليط”، تهديك السلام الأسيرة “عطاف عليان” التي تحررت أخيراً، وطفلتها “عائشة” من السجون الإسرائيلية، ولكنها تركت خلفها زوجها الأسير “وليد الهودلي”، يرتب فراش السجن للمبيت ليلة أخرى، وتركت خلفها الأسيرة “قاهرة السعدي” تنادي على أطفالها، وتنقش على جدران السجن جملة [ يا أمه]، لقد امتصت العتمة تردد صوتها، فراحت تهمس في أذن الإنسانية: ‘أتمنى أن أرى أولادي!! فقط أن أقول لهم: [يا أمه]؛ أتمنى أن تتلمس أصابعي وجه أولادي!! أن أضمهم إلى صدري، أتمنى أن أعد لهم الإفطار في الصباح؟ وأن أرتب معهم حقيبة المدرسة؟ سبع سنوات لم أطبق عيني على أولادي، لم أتشمم رائحتهم، لم أمسح وجوههم بالقبلات، سبع سنوات لم يبكِ أيُّ واحدٍ منهم على صدري، لم أهدهدهم، لم أنطق على مسامعهم جملة [يا أمه]، أتمنى سماع كلمة [يا أمه] من أولادي، أتمنى أن أقولها لأولادي، أتمنى أن ألامس بأصابعي وجه أولادي، وأن أتلمس دموعهم، وأن أغمس أصابع في شعرهم، أتمنى أن أنظر في عيونهم، وأن احتضنهم!! نفسي أقول: ‘يا أمه، يا أمه، يا أمه، يا أمه، وانهمرت الدموع من العيون الراعفة!
 
 
“قاهرة السعدي” من مواليد مدينة جنين سنة 1976، لها من الأولاد أربعة، ومحكومة مؤبد ثلاث مرات، ولها زوج في سجن النقب اسمه “ناصر السعدي”، وبينهما حب يعبئ صدر الوطن، زوجها ‘ناصر’ يتمنى أن يقول لأولاده: [يا با]!! ربما نسي كيف يقولون: [يا با]، وربما يرتجف لو لامست يده أولاده، أو يرتجف الأولاد لو نظروا إلى عينيه، هو أبوهم في الصورة، وفي الأسطورة، لقد مررت شخصيًا بالتجربة، وأعيشها حتى اللحظة، لقد ارتجفت عندما لامست جسد ابني محمد الذي ولد وأنا في السجن، لقد سمحوا له بأن يعبر عندي في سجن نفحة الصحراوي للمرة الأولى سنة 1991، كان عمره قد صار سبع سنوات، الطفل محمد فايز يغالب الدمع،, يحتضنني، ويحملق في الشخص الذي قالوا له: أنه أبوك! شعرت برجفة البكاء تهزني، وتهز جسد الطفل الصغير، وكظمت دمعتي، ولم أر دمعته الحبيسة، كلانا ارتجف من الموقف، وكلانا حبس دمعة لم تسح حتى اليوم، وحتى اليوم تتكسر حروف جملة [يا با] على شفتي، لا أعرف أن أقولها، وأقول معترفًا: لقد خرجنا من السجن, ولكن السجن لم يخرج منا.
 
 
 
        “يا ويلكم يا عرب”! هكذا صرخت امرأة في مؤتمر الحرية الثاني في قطاع غزة، أين أنتم يا عرب؟ يا مسلمون، شرفكم أسير بين يدي اليهود، “يا ويلكم يا عرب”!، نساؤكم سجينات لدى إسرائيل، وتستقبلونهم، وتتبادلون معهم القبل، كيف تنامون على فراش المذلة، كيف تتنفسون هواء الهوان، يا عرب، يا مسلمون، صرخات امرأة فلسطينية عربية مسلمة مظلومة دوت في القاعة التي ضمت حركة فتح، وحركة حماس، وحركة الجهاد، وباقي الفصائل, فضمّخت الجميع بالصمت، ونكس الحزن رأسه عندما قالت: زوجي محكوم في السجن مؤبد أربع مرات! لن يطلقوا صراح زوجي عن طريق المفاوضات، يقولون: يداه ملطختان بدم اليهود! صرخت المرأة المسلمة المظلومة: يدا زوجي مشرفتان من دم القتلة الجنود.
 
        إنها السجون الإسرائيلية، أماكن تستند أركانها على تحمل الوجع، وتجرّع الحرمان، ويسقف جدرانها الصلف والطغيان، ويحرس بواباتها التجبر والعدوان، إنها السجون الإسرائيلية التي تطبق أنيابها على العربي, تقضم وتهرس عظم ذلك الإنسان الذي مزج أحلامه بطعم المرمية والزعفران، وراح يحلق في السماء رافضًا الهوان.
 
 
        في السجون لا يكون الحرمان من الطعام أو الشراب، أو من مباهج الدنيا ومتعها، ولا هو حالة الانغلاق على السمع والقدمين والعينين وباقي الحواس، الحرمان في السجون كل ما سبق، مضافًا إليه حالة الإبحار في أعماق الوجدان بلا أشرعة أو مراكب، عندما تعصف رياح الشوق بآلاف السجناء العرب الذين ما زالوا قابضين على الوطن، وما زال الوطن يقبض أنفاسه خلف القضبان في السجون الإسرائيلية!!
 
 
 
 
‘يا با، يا أمه!’ كلمات بسيطة يرددها الناس، وتعبر في فضاء الحياة بلا انتباه، فإذا اقترنت بوخز شوك الحرمان، ولسع إبر الشوق، صارت لفظة ‘يا با’، ولفظة ‘يا أمه’، أجنحة طير يرفرف مذبوحًا بالحنين والحنان، صارت اختناقًا للتنَفّس، واحتباسًا للدموع!
 
 
آلاف السجناء العرب الفلسطينيون انطبع وجدانهم بتجربة الأسر التي علقت في سقف حلوقهم حلاوة ومرارة؛ أما الحلاوة فهي مذاق المقاومة والصمود، والقدرة على التحمل، عندما يكتشف الإنسان أن لديه من القوة وطاقة الصبر أكثر مما قدّر، وحَسِبَ، وأبعد مما ظنّ بنفسه، عندما يكتشف الإنسان المنتمي بصدق أنه بقامة جبل تتعلق على رقبته الوحوش، وأنه بسعة بحر تذوب في مياهه الأسرار، فما أندى عذوبة الصمود لمن اقتنع بالحق الذي تمسك فيه، وما أحلى عذوبة ماء العطاء لمن صفت سريرته، فصفّقتْ له ملائكة السماء.
 
 
وعند المساء يصفق طائر الحرمان بجناحيه، يرفض أن يبتعد عن السجناء، عند المساء يسقط الصمت الخاشع، يذوب في كوب الأمنية الذي ينشط الذاكرة للأم والأب، وللأخ والأخت، وللابن والابنة، وللزوج والزوجة، أين هم الآن؟ ماذا يفعلون؟ كيف يكبرون؟ وكيف يشيخون؟ آنئذٍ يرفرف الخيال بأجنحة من نور، يحلق في المدى البعيد، يحتضن من اشتاق إليه السجين، يضمه في الخيال، يروي ظمأ الشوق، ثم..
 
 
يشهق السجين أنفاسه بعد غفوة الخيال العذب، لقد أخذ وأعطى؛ ولا يدرك معنى لذة العطاء إلا من جربها، من لم يعط لا يشعر بالنشوة التي أصف، فللعطاء رعشة تفوق لهفة الآخذ، وللتضحية دلالة تفوق الاستئثار، لأن ذاك يعطي ولا يهاب، وهذا يأخذ ويضطرب، وذاك يُسلّم مطمئنًا، وهذا يأخذ قلقًا، يدرك هذه الحقيقة من خبر الصمود في التحقيق بين يدي اليهود، عندما يشعر الفرد الأعزل ـ إلا مِن إرادته، وما اقتنع فيه ـ يشعر بقوة تفوق قوة المحققين اليهود المجتمعين على جسده، وأجهزة التعذيب التي يمتلكونها، تلك الحالة من الثقة والاعتزاز بالنفس تدخل ضمن المركب النفسي للأسير الذي يشعر أنه عبر بحر الموت الهائج دون أن يبتل، ويشعر أنه تخطى صراط الخوف من المجهول وعبودية المقدرة المحدودة، وانتقل إلى مربع التحدي المطلق، مع حرية النفس من قيودها، ونسيان كبول الجسد.
 
 
أما المرارة فهي لتلك الحالة الإنسانية من الحرمان المتولد من البعد، والذي يحضنه الشوق والتفكير بالعائلة والأسرة والأولاد، تلك اللحظات من تشقق الروح، وتقاطر الوجد على ملح السفوح، تلك اللحظات التي تتسطح فيها الذاكرة إلا عن حنين يتدافع للحبيب، ورغبة تضرب بحوافرها الأرض، وتتزاحم لاقتناص مشهد عبَر يومًا، أو لتخيل مشهد قد يعبر يومًا، حالة شوقٍ منطلقٍ كفرسٍ في البراري، تلك الحالة من الحرمان التي يتوقف معها القلب ليعاود النبض بذكر الحبيب، ويفرغ فيها صدر الأم من الأنفاس فيعاود التدفق مع لباء الحليب، عندما تتحشرج لفظة ‘يا أمه’ و’يا با’ في الحلق ولا تجد أصداءها، عندما يتضاعف السجن قبل أن يهمس السجين بينه بين وبين نفسه سراً؛ ‘يا با’.. ‘يا أمه’ لئلا تضيع في زحمة الانتظار، وقبل أن يبددها زمن الترقب الجارح بمخالبه، وقبل أن تبهت دلالتها مع اللهفة، ويخبو بريقها في الزحام، قبل أن تبدأ اللفظة بالانطواء على ذاتها، والانضواء بالغياب، ‘يا با، يا أمه’ أمنية بعيدة المنال، كلما حاول السجين ترديدها، أو استعادة حروفها يجد أنها تبتعد، وتوغل في البعاد، حتى لتكاد أن تتلاشى، فتصير إذا اجترعها حروفًا حارقة تسبب له اللوعة والغرق.
 
 
ذات يوم في عام 1987 قلت للشهيد “عمر القاسم” في سجن عسقلان، وكان قد أمضى ما يقارب العشرين عامًا قبل استشهاده بقليل، قلت له: أنت يا “عمر”، أحسن حالاً مني، أنا أفكر في أطفالي ليل نهار، بينما أنت خالٍ من هذا الهم والتفكير، تنهد “عمر القاسم” رحمه الله، وقال وهو يسند ظهره على الحائط الجنوبي من سجن عسقلان: يا ليت لي ولدًا يا “فايز”، يحمل اسمي، وأحمل همه وأنا في السجن!! لم يمض زمن طويل، استشهد عمر القاسم في السجن وهو في ريعان الشباب، وخلد ذكره بالشهادة، بينما صديقه “سعيد العتبة”، لم يخرج من السجن إلا في العام 2008، بعد أكثر من ثلاثين عاماً.
 
 
 
ترى، لو طرح السؤال على السجينة العربية الفلسطينية “منال غانم” التي تمضي سنوات حكمها مع طفلها “نور” خلف القضبان، لو سئلت: ماذا تفضلين يا منال؛ أن يظل الطفل “نور” الذي ولد في السجن إلى جوارك سجينًا في الظلام، أم ينضم إلى إخوته الثلاثة في الخارج؟ ماذا كانت سترد على السجينة “قاهرة السعدي” ؟ ولو تحاورتا معًا؛ أيهن أسعد حالاً، أم أيهن أشقى!! “منال غانم” التي تربي ابنها في السجن، وإخوته الثلاثة خارج الأسوار، أم “قاهرة السعدي” التي لم ترَ لأولادها الأربعة صورة منذ سبع سنوات؟
 
 
من مفارقات اللغة العربية أن إحدى السجينات العربيات الفلسطينيات المحرومات من أطفالهن تحمل اسم ‘قاهرة’ ويحمل زوجها اسم ‘ناصر’, ولكلٍ من “قاهرة” و”ناصر السعدي” من اسمه نصيب، وللمجتمع العربي دلالة الأسماء، وصدق الوفاء، لعظة الشرفاء، وعظمة العطاء.
 
ولحبيبي “جلعاد شليط” الأسير اليهودي الوحيد لدى العرب أقول: دموعي التي حبستها عشر سنوات في السجون الإسرائيلية، تسيل الآن، وأنا أكتب عنك وعن أمثالك، وعن الحرية التي أتمناها إليهم، وإليك.
 
 
كتب لي أحدهم يقول: ليت كل سجنائنا ” جلعاد شليط”: يشرب لبن العصفور كل صباح، ونهز سريره لينام كل مساء
 
يأكل الهمبورجر، ونحن نأكل الزيتون والزعتر، وفي النهار نغني له:
 
يا ظريف الطول لا تزعل منّا                            والله اللي صار كان غصب عنّا
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد