إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الهموم القومية و'الأكثرية الحريرية' في ميزان الجامعة العربية ! بقلم: نبيل أبو جعفر

Saad Hariri
علّق الكثيرون آمالاً واسعة على أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى عندما استلم مهام منصبه خلفاً لعصمت عبد المجيد، وتوقعوا أن تتغيّر الأحوال على يديه، لا بالنسبة لإعادة تنظيم ‘بيت العرب’ المهلهل فحسب، بل بالنسبة لتفعيل دور الجامعة في مواجهة مختلف القضايا الشائكة القديمة منها والجديدة. وقد بدأ في الأشهر الأولى من ولايته بنفس الإندفاع يوم كان وزير خارجية ‘ممّيزاً’ في مصر الرسمية المطبّعة مع الكيان الصهيوني.
 
عقْد الآمال عليه كان يعود بالدرجة الأساس الى الإنطباع المأخوذ عن بعض تصريحاته التي كانت تتجاوز المحذور الرسمي العربي فيما يتعلق بإبداء المواقف الجريئة من اسرائيل والقطب الأوحد، خلافاً لكل من سبقوه من وزراء الخارجية الذين كان معظمهم أسير وظيفته المحدّد دورها بتكرار مواقف المراجع الأعلى منه مسؤولية، سواء في عهد السادات أو الرئيس الحالي حسني مبارك. كما يعود ذلك أيضاً الى أنه جاء خلفاً لأمين عام وضع كل بيضاته في السلّة الخليجية – الأميركية عموماً، السعودية – الكويتية على وجه أخص، وتحوّل من مسؤول أوّل عن البيت العربي الى خاتم في إصبع سعودي من أصل هندي يعمل تحت إمرة مخابرات بلده في مجال التسويق الإعلامي و’فبركة’ المؤتمرات الدعائية والندوات الملغومة الأهداف، من مقر إقامته في العاصمة الفرنسية ، مستغلاً اسم عصمت عبد المجيد لإلباسها ‘طربوشاً’ رسمياً تحت لافتة جامعة الدول العربية!
 
لكن هذه الحالة من انتظار الآمال بتوقّع حدوث التغيير المنشود بدأت تخفّ بالتدريج الى أن تلاشت نهائياً مع تغيّر الرجل بالكامل، وظهور ملامح هذا التغيير في تصرفاته وأقواله، خصوصاً بعد وقوع عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري التي جَعَلها الأمين العام قضيّة قضاياه الأولى، فغطّت على فلسطين والعراق والسودان والصومال… وعلى قضية لبنان – نفسه – الأكبر من واقعه اغتيال الحريري، مهما بلغت درجة إجرامها واستنكارها.
 
 
 
‘سحر’ الحريري!
 
من ذلك اليوم أو بعده بقليل أصبح عمرو موسى كما لو كان هو الآخر خاتماً ، ولكن في إصبع سعد الحريري. يأتيه كلما أراد هذا الأخير رؤيته، مستقلاً طائرته الخاصة، حتى أصبح موضوع انتقاد على أعمدة الصحف فيما يتعلق بهذه الحميمية في العلاقة المميّزة، وفي ضبط بوصلته حسبما تتحرّك حكومة السنيورة التي لا تتزحزح إلاّ بالاتجاه السعودي، ولا توقّت مواعيدها إلاّ حسب التوقيت السعودي.
 
لا شك أن جريمة مثل اغتيال الحريري تقتضي موقفاً كأي جريمة فظيعة من نوعها، ولكنها حتماً لا تقتضي اهتماماً خاصاً ومبالغاً فيه، ولا زيارات مكّوكية وسهرات متواصلة على الطالع والنازل، ولا قهقهات أمام الكاميرات في فنادق بيروت الفخمة.
 
جريمة اغتيال الحريري لا تستدعي أن يتفرّغ أمين عام الجامعة ويُفرّغ بعض كادرها الوظيفي معه من أجل ملاحقة التفاصيل الصغيرة في مسلسل الصراع بين ‘الأفرقاء’ اللبنانيين بكل أبعاده التي تمسّ الأشقاء الأقربين والأبعدين ، فتكون النتيجة الطبيعية لذلك أن يصبّ هذا التفرّغ المبالغ فيه على حساب الإهتمام بما هو أهمّ من القضايا الأخرى المصيرية والأكثر إلحاحاً.
 
وأكثر من ذلك، لا يجوز بأي حال أن يشعر ‘الأفرقاء’ بأن موقف الأمين العام يُحابي طرفاً على آخر ولو بمؤشرات خفيّة، يمكن تلمّسها وسط حساسية الجوّ واختلاط الظاهر والباطن في مواقف المتنازعين، خصوصاً بالنسبة لأولئك الذين يسيرون على ‘المذهب’ الرسمي السعودي في الأقوال والأفعال، ويركّزون على ‘نزاهة وملائكية المحقق الدولي وحسن نواياه ومهنيّته العالية’، في الوقت الذي لا يضرب فيه إلاّ على وَتَرهم فيما يتعلّق بتسليط الشبهات على جهات وشخصيات معيّنة في صدارتها سورية وبعض المسؤولين فيها.
 
 
 
الهموم القومية و’أكثرية لبنان’
 
والغريب الملاحظ في هذا السياق أن كل ما صدر عن الجامعة من مواقف، وما أبدته من مظاهر اهتمام بالنسبة لقضايا أمتنا الأساسية لا يساوي جزءاً يسيراً
من اهتمامها بالأكثرية الأميركية – السعودية الحاكمة في لبنان طوال فترة استمرار الصراع الداخلي.
 
ففي السودان – مثلاً – لم تقو الجامعة في مواجهة مشكلة دارفور المتفاقمة حتى الآن، وإزاء ملاحقة الرئيس السوداني البشير من قبل المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب جرائم إبادة جماعية، على أكثر من أن تقترح على الرئيس السوداني إزاء ذلك تسليم بعض أبناء بلده لاثبات حسن نيّته أمام الشرعية الدولية’؟’، الى جانب التقدم بطلب تأجيل القضية عاماً. وفي هاتين الخطوتين اعتراف ضمني بأن جريمة الإبادة الجماعية ثابتة بحق الرئيس البشير وأركان حكمه!
 
وفي الشأن السوري، ولا سيما المتعلق باتهامها من قبل الأميركان وتوابعهم في التدخل بالشأن اللبناني وضلوعها – أو بعض مسؤوليها – في جريمة اغتيال الحريري، لم تُبدِ الجامعة موقفاً استقلالياً حاسماً وظهرت عليها علائم التقرّب لأطروحات طرف دون آخر. وكذا الأمر بالنسبة لسعي نصف الرسمية العربية على الأقل تحت قيادة المحور المصري – السعودي الى محاصرتها والتشكيك في مواقفها، فضلاً عن عدم إبداء الجامعة حماستها المعتادة لحل أزمة عقد مؤتمر القمة الأخير في دمشق التي أخذت أبعاداً موغلة في التآمر والإبتزاز. والحديث عن هذا الجانب وخفاياه في ظل صمت الجامعة ومراعاتها للمحور المذكوريطول ويتشعب.
 
أما بالنسبة لفلسطين، القضية المركزية الأولى منذ تأسيس ‘بيت العرب’، فقد تخلّت الجامعة في عهد عمرو موسى عن دورها المنتظر إزاء ما تواجهه الى السلطات المصرية التي أعطت بدورها لرئيس مخابراتها مهمّة التوسط مع ‘الجانب الاسرائيلي’، ومحاولة جسر الهوّة بين الأشقاء – الأعداء، ثم أعطت لوزير خارجيتها مهمة توجيه التصريحات التهديدية بقطع أرجل من يودّ عبور الحدود من الفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة! وهكذا لم تنل هذه القضية رغم مركزيتها – وحسب أدبيات الجامعة على الأقل! – عُشر اهتمام الأمين العام عمرو موسى بالأكثرية اللبنانية الحاكمة وزعيمها السعودي سعد الحريري!
 
 
 
التجاوب السريع مع ‘كوندي’!
 
 
 
 
 
 
 
يبقى العراق المحتل الذي كان لجامعة الدول العربية سبق الاهتمام الكبير بتوافق القوى الطائفية والشعوبية التي تحكمه في ظل الاحتلال، وقد فاق موقفها هذا موقف أعتى الأنظمة في الحرص على نظام الميلشيات، وعلى ضرورة ‘تهدئة’ الأوضاع تحت ظل الاحتلال، أي الاهتمام بالأكثرية الاميركية الحاكمة – كأكثرية لبنان – لا بمقاومته وشعبه. وقد ازدادت وتيرة هذا الاهتمام في الأشهر الأخيرة، وتحديداً بعد توجيه وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس نصيحة جدّية وبصيغة ملزمة تقضي بضرورة حشد الطاقات باتجاه الانفتاح على العراق وعودة العَرَب إليه، واعادة سفرائهم إلى بغداد. وكانت الجامعة العربية في صدارة ملبّي هذا النداء دون أن يكون لها – ولسائر الأنظمة المنضوية تحت خيمتها – أي شرط غير عودة الأمن إليه، أي استتباب وضع القوى الحاكمة بدعم الأميركان وفي ظل احتلالهم له، وكأن العرب هم الذين تركوا العراق وليس الاحتلال وأتباعه هم الذين سرقوا هذا البلد بأبشع حرب إبادية في هذا العصر. وكأن السفراء في المقابل سيواجهون المحتل وعصاباته وشركات أمنه الاجرامية الخاصة.
 
.. ومع ذلك، جاء التجاوب مع نصيحة ‘كوندي’ على أسرع ما تكون الطاعة، والمتتبع لهذا الموضوع بالذات الذي يزداد سخونة في هذه الأيام لا بدّ أن يلحظ كيف بدأ وكيف تدرّج صعوداً.
 
في نهاية شهر أيار /يونيو الماضي كانت البداية الجدّية لذلك، حين طالبت رايس العرب بشكل خاص، أمام مؤتمر العهد الدولي من أجل أمن واستقرار العراق الذي عقد بمدينة ستوكهولم – بالاضافة إلى الإنفتاح والعودة وفتح السفارات – بضرورة تنشيط الزيارات الرسمية الى بغداد. كان ذلك بالتحديد يوم الخميس 29 أيار. ولم يمض على هذا الطلب إلاّ أسبوعاً واحداً حتى بدأت عملية التنفيذ الرسمي العربي، حيث طالعنا يوم الجمعة 6 حزيران /يونيو خبراً عن عزم دولة الإمارات على تعيين سفير لها في بغداد خلال أيام. ثم طالعنا بعد ذلك بثلاثة أيام خبراً مشابهاً صادراً من البحرين، تبعه بعد يومين فقط اعلان بنفس التوجّه من قبل الأردن في العاشر من
حزيران. وهكذا بدأت سبحة الدول العائدة تكرّ بلداً تلو آخر. وكانت جامعة الدول سبّاقة أيضاً الى التجارب مع هذه الرغبة قبل توجيه آخر طلب أميركي على لسان رايس في ستوكهولم، حين أعلن أمينها العام بعد عقد مؤتمر دول جوار العراق في شرم الشيخ أن مسؤولية استتباب أمن العراق ووضعه لا تقع على حكومة المالكي وحدها، بل على المؤسسات الدستورية العراقية (أي التي فبركها الاحتلال!) وعلى دعم الدول العربية، وحثّ من يومها على الانفتاح وفتح السفارات.. وكل ما طلبته وزيرة الخارجية الاميركية لاحقاً في ستوكهولم!
 
طبعاً، لا يستطيع أحد أن يُنكر بأن التجاوب الرسمي العربي السريع قد جاء نزولاً عند الرغبة الاميركية، وإن تمّ التذرّع بأسباب أخرى لا تنطلي على أحد، كالحرص على استعادة العراق وحمايته ومواجهة النفوذ الإيراني فيه… الخ، ذلك لأن معظم هذه الأنظمة وأكبرها هي التي تآمرت على العراق وسهّلت احتلاله بعد أن دعمت عملية حصاره طوال 13 عاماً، ثم هي نفسها التي وضعت خدّها مداساً لضربه واحتلاله، بعد أن نجحت في إعادة وضع الجامعة العربية الى حاله أيام عصمت عبد المجيد، وحوّلتها الى دائرة من دوائر أحمد أبو الغيط!
 
 
 
يا لمهزلة الجامعة: أمينها العام الذي كان وزيراً لخارجية مصر، حوّلها – وهو على رأسها – إلى تابع للوزارة التي كان يترأسها!
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد