إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

مشاكل المثليين فى فيلم سينمائى على أغنية عبد الوهاب !!

Mathleyeen
عندما قدم موسيقار «عاشق الروح» محمد عبد الوهاب رائعته «طول عمرى عايش لوحدى» التى يعانى فيها من قسوة الوحدة ومعاناته فى البحث عن توءم الروح والنفس، لم يكن يعلم أن الأغنية نفسها ستتحول بعد أكثر من 70 عاما لتصبح ليس مجرد أيقونة خلفية موسيقية للقصص والعلاقات التى تربط بين مجموعة من الرجال المثليين، بل فيلم استوحى صناعه اسمه من أغنية عبد الوهاب النبيلة ليصبح أول فيلم مصرى روائى يتناول العلاقات المثلية داخل المجتمع المصرى مع مطلع الألفية الثالثة.
«طول عمرى» الذى تم عرضه لأول مرة فى مهرجان «سان فرانسيسكو» لأفلام المثليين والمتحولين جنسيا وعرض يوم الأحد الماضى فى مهرجان الفيلم العربى بالولايات المتحدة الأمريكية، من تأليف وإخراج.. ماهر صبرى وهو مخرج مصرى شاب قضى السنوات القليلة الماضية، متنقلا بين مصر وأمريكا ليخرج علينا فى النهاية بفيلم شارك حتي الآن في عدد من المهرجانات المتخصصة في عرض افلام المثليين جنسياً.
 
المفارقة الأهم أن أغنية «طول عمرى عايش لوحدى» ليست فقط المصدر الذى استلهم منه صناع الفيلم اسمه، ولكنها تلعب العديد من الأدوار المهمة داخل الفيلم. فالأغنية من ناحية تشكل مساحة من الشريط الصوتى للفيلم بهدف ترسيخ معنى أن هناك عزلة يتم فرضها على المثليين جنسيا سواء بإرادة شخصية أو مجتمعية،لاختلاف رغباتهم عن تلك التى تستطيع الأغلبية استيعابها من وجهة نظرهم. من ناحية أخرى الأغنية هنا بمثابة تعبير عن ذلك الحنين الذى يحمله صناع الفيلم، إلى تلك الحقبة الزمنية التى قدم فيها عبدالوهاب أغنيته، حيث ينظرون إليها بانبهار على اعتبار أنها الفترة التى برزت فيها الليبرالية المصرية على مختلف الأصعدة، وهى نظرة ساذجة إلى حد بعيد، لأنه حتى فى ظل هذا الوهج الليبرالى لم يكن المجتمع ليتسامح أبداً فى قضية الحرية المثلية. مبدئيا من الصعب التعامل مع «طول عمرى» باعتباره مجرد فيلم صادم يحوى عددا ليس قليلاً من المشاهد الجنسية بين المثليين ربما لم يتم تقديمها على شاشة عربية بهذه الكثافة والفجاجة من قبل.
ربما أول ما سيتبادر إلى ذهن الكثيرين هو أن الفيلم ممول من جهات أجنبية شغلها الشاغل هو تشويه صورة الإسلام والمسلمين، ولكن لعلنا سنتفاجأ عندما نعلم أنه فيلم تم تصويره بطريقة الديجيتال مثله مثل العديد من الأفلام المستقلة التى برزت على السطح خلال الفترة الماضية بل إن ما لا يعلمه الكثيرون هو أن تصويره استغرق ما يقرب من 3 سنوات بين مصر وكاليفورنيا وبمساعدات من مجموعة من المتطوعين الذين ينتمون فى الغالب إلى مجتمعات المثليين سواء ممن يعيشون فى مصر أو من يعيشون بدول المهجر. هؤلاء المتطوعون مارسوا كل المهام سواء كانت فنية وصلت إلى التصوير فى منازلهم أو إنتاجية تعبيرا عن تضامنهم مع مخرجه ماهر صبرى الذى تحايل على القانون من أجل التصوير فى مصر، حيث كان يفعل ذلك على طريقة «صور واهرب» حتى يتفادى أى نوع من الصدام المبكر.. إن فهم أحداث الفيلم وخلفياته لن يتم إلا فى ضوء قراءة أفكار وخلفيات صانع الفيلم «ماهر صبرى». ماهر درس المسرح بكلية الآداب جامعة القاهرة وتخرج فى منتصف التسعينيات لينضم بعد ذلك إلى حركة المسرح الحر فى مصر، ومنها انتقل إلى السينما المستقلة التى عمل بها خلف وأمام الكاميرا قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى 2002 ليواصل دراسة السينما هناك. وبالرغم من أن علاقة ماهر صبرى بالمثلية لم تكن سينمائية فقط، حيث سبقها عمل مسرحى يتناول علاقات الحب المثلى إلا أن المثلية بالنسبة له هى جزء من منظومة يبدو إنها تشكل قناعة ولعل تلك القناعة هى التى جعلته فى عام 2005 يؤسس الجمعية المصرية للأفلام المهمشة بالتعاون مع عدد من المفكرين والفنانين المغمورين.
 
مساء يوم الحادى عشر عن مايو 2001 تلقى ماهر اتصالا هاتفيا من صديق له، كان على متن الباخرة السياحية «كوين بوت» يخبره فيها أن ما يقرب من 52 شخصاً من بينهم صديق مشترك لهما قد تم القبض عليهم من قبل السلطات المصرية بتهمة إشاعة الفحشاء والتحريض على الفجور، أخبره صديقه أنه نجا بأعجوبة حيث ظنت الشرطة أنه أجنبى نظرا لأن مواصفاته الشكلية تؤهله لذلك،حاول ماهر اللجوء إلى أكثر من جهة.. كثير من المنظمات الحقوقية التى لجأ إليها تخوفت من مجرد التصدى للدفاع عن الذين تم القبض عليهم، فهى تخشى أن تضعها هذه القضية فى مواجهة غير متعادلة مع باقى منظمات المجتمع المدنى. مضت الشهور وتم الحكم على الجميع بأحكام تراوحت مدتها بين 3 و5 سنوات، ولكن ظلت «كوين بوت» بكل أبعادها الأخلاقية والمجتمعية حاضرة فى ذهن ماهر صبرى الذى لجأ إلى مختلف المنظمات الحقوقية العالمية طالبا مساندتها للإفراج عن المساجين. ولذا لم يكن غريبا أن يحصل ماهر على جائزة FELIPA DE SOUZE من المنظمة العالمية لحقوق المثليين والمثليات، ومن هنا أيضا جاءت فكرة فيلم «طول عمرى» الذى يستند فى الأساس إلى واقع
ة «كوين بوت» بحيث تصبح هى الحدث الأساسى داخل الفيلم، والذى يلقى بظلاله على الشخصيات التى تدور فى فلكه. فى «طول عمرى» الذى يقدمه صناعه على أنه «حكاية ناس ما بنسمعش عنهم»، يعبر الأشخاص والأبطال عن وجهة نظر صناعه، ولذا نسمع عبارات من نوعية «أنا عايزة أكون نفسى مش عايزة أعيش طول الوقت فى غربة» أو من نوعية «ليه الحب يبقى عيب وحرام، والأذى هو إللى ما يبقاش عليه غبار» رامى هو اسم الشخصية الرئيسية التى تدور فى فلكها أحداث الفيلم، وهو محاسب شاب ينتمى إلى الطبقة الوسطى وتربطه علاقة منتظمة بشاب فى نفس عمره تقريبا، ولعل أهم ما يميز رامى هو حالة التعايش السلمى التى يعيشها مع نفسه، ومع هويته الجنسية، إلى أن يبدأ فى تلقى الصدمات والتى يكون أولها هو رحيل صديقه عنه حيث يضطر تحت ضغط الأهل إلى الزواج والاستقرار، وبينما هو يستعيد توازنه بعد تلك الصدمة يفاجأ بحادث «كوين بوت» وفى محاولة منه لطمأنة نفسه يقتنع رامى بأن الذين تم القبض عليهم فى «كوين بوت» يتحملون جزءا من المسئولية بسبب خطأ أو حماقة ما ارتكبوها قبل أن تدفعه الظروف لاكتشاف الحقيقة بنفسه فى نهاية الفيلم.
 
من ناحية أخرى نرى كريم الذى تأثرت علاقته بصديقه الأمريكى بعد حادث كوين بوت، خاصة أن صديقه نجا من تلك الواقعة لكونه أجنبيا بينما دفع ومازال يدفع كريم الثمن حيث نجد «الشاويش» الذى يحاول ابتزازه من حين لآخر حتى لا يفضح أمره. من الواضح أن أزمة «طول عمرى» لن تكون دينية أو مجتمعية فقط، بل يتجاوز ذلك بتقديمه شخصية «مصطفى» ضابط الشرطة المثلى جنسيا الذى يعيش ممزقا بين مهنته وبين رغبته التى تجعله يقوم باصطياد عشيق من أحد الحمامات ويمارس معه الجنس، هذا التمزق يجعله ينهار باكيا فى أحد المشاهد المهمة فى الفيلم. بالإضافة إلى هذه الشخصيات نجد خطوطا أخرى تسير بالتوازى مع الخطوط السابقة، فهناك «عايدة» وهى ليست مثلية، ولكنها امرأة متحررة تريد أن تعيش وفقا لقاموسها الشخصى لذا تضطر إلى السفر خارج مصر لعلها تحصل على نظرة مجتمعية مختلفة لها، أيضا نجد أحمد الشاب الملتحى والمتدين «شكليا» الذى لا يمنعه تدينه من استراق النظر على عايدة من الشباك من الحين للآخر.
 
ماهر صبرى يعى جيدا أن المهرجانات التى شارك بها الفيلم أو سيشارك فيها هى المتنفس الوحيد لعرضه قبل أن يتم تسريبه على شبكة الإنترنت. وهو الأمر الذى يراه ضربة قاتلة للرقابة التى حتما ستمنع عرض الفيلم فى مصر!! وفى أول تصريحات يدلى بها لصحيفة مصرية أكد لنا أن الفيلم حقق ردود أفعال متناقضة فى مهرجان الفيلم العربى، فمن ناحية تسابقت جهات عدة على شرائه ومن ناحية أخرى كان هناك احتجاج من قبل كثيرين على مضمون الفيلم.
وعلى ما يبدو فإن المثلية لن تكون موضوع فيلم واحد لدى هذا المخرج، فمشاريع «ماهر» القادمة عبارة عن فيلم تسجيلى يتحدث عن نظرة وسائل الإعلام إلى المثليين والمتحولين جنسيا، والفيلم الآخر عن الحجاب ونشأته وهو بصدد الانتهاء منهما قريبا.
 
المصدر : روز اليوسف – طارق مصطفي
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد