إستهبال الجماهير

0

 
بقلم محمد رياض
يبدوا أن فن إستهبال الجماهير قد بات من المساقات الإلزامية التي يدرسها السياسون المتاّمرون على شعوبهم في جميع انحاء العالم ويشترط فيهم إتقانها قبل ان يتسنى لأحدهم التخرج برتبة زعيم.
  في أمريكا حين تفلس الحكومة او توشك على الإفلاس, يخرج علينا الرئيس ببرنامج “إصلاح” ضريبي والإصلاح الضريبي في حقيقته ليس إلا نظام جديد لزيادة الضرائب وسرقة المزيد من الأموال من أصحاب الدخل المحدود.
وتاريخ الشعوب يزخر بامثلة مشابهة. الريس حسني مبارك مثلاًَ في خطاب “بليغ” له بعيد أحداث ثورة الجياع في المحلة وقف مخاطباًَ جماهير الفقراء ومدعياًَ بكل سماجة أن الخبز إختفى من بين أيديهم ليس بسبب عجز الحكومة المصرية والفساد المستشري في بنيانها وسرقة أموال الدعم الحكومي وإحتكار كبار التجار للسلع لا سمح الله, وإنما إختفى الخبز بسبب أن هناك أزمة حبوب عالمية!! طبعاًَ لم يفسر لهم الرئيس (الملهم) لماذا لم تؤثر أزمة الحبوب هذه على أحياء القاهرة الفاخرة والتي يرمى فيها الطعام بالأطنان في المزابل يومياًَ, ولم يفسر لهم كذلك كيف تحولت مصر من واحدة من اكبر الدول المنتجة للقمح في العالم لأكبر مستورد له, لا طبعاًَ.  ولماذا إزعاج العامة بهذه التفاصيل أوليس فيهم من الهموم ما يكفيهم!! سبب المشكلة سيريلانكا والصين وخلاص.؟
وفي الضفة الغربية تمول أمريكا عملية تدريب قوات الأمن الفلسطيني في الأردن ثم يتم إرجاع هذه القوات إلى الضفة ثم يجري تسليحها إسرائيلياًَ ثم يتم نشرها في الخليل لحماية “الأمن” الفلسطيني والتصدي للخروقات الإسرائيلية. مجانين والله اليهود والامريكان!!!, يمولون ويسلحون قوات “التحرير” الفلسطينية من أجل أن تتصدى للخروقات الإسرائيلية!! عباس العبقري هذا يجب أن يشيد له تمثال  فوق ساحات المسجد الاقصى تقديراًَ وعرفاناًَ من الشعب الفلسطيني.
وفي الخليج, النظام إسلامي ولا أحلى, ولا حتى عهد الخلفاء الراشدين,  حيث تنهب العائلات الحاكمة تسعين في المائة من عوائد الثروات القومية على شكل مخصصات وعمولات وصفقات غير شرعية, الخ. وفي نفس الوقت حدود قطع الأيادي ماشاء الله تطبق يومياًَ على كل من سولت له نفسه سرقة رغيف خبز ليطعم به عياله من أبناء العامة الفسقة قليلي العرفان بنعمة ولي الامر, وتبح حناجر الأئمة بعد كل خطبة جمعة من كثرة الدعاء لناصر السنة وقامع البدعة ومقيم حدود الله!!
والفضائيات العربية هلكتنا بمسلسلات الحب التركية المدبلجة وببرامج حب الرسول الدعوية, وكله حب في حب, فإذا كنت قليل الدين فإنشغل بحب لميس وإن كنت كثير الدين فعندك حب الرسول إغرق في أيهما كيفما شئت والله لا يردك.
وكأن الله بعث إلينا محمداًَ لنعشقه وحسب لا لكي نتبع سنته وهديه في إقامة دولة الوحدة والعدالة الإجتماعية.
وإن لم تكن من جماعة الحبيبة على الأطلاق فعندك القنوات الطائفية وبرامج التكفير والتشهير, ففيها يمكنك تفريغ كل حقدك الطبقي وجوعك وجوع اطفالك وقلة حيلتك وغضبك على إرتفاع الاسعار والإيجارات والمحروقات والمواصلات واقساط التعليم بوجه معاوية بن ابي سفيان وعمر بن العاص وزياد بن أبيه و الخوارج والدواخل والروافض والنواصب.
وهكذا يمكنك بعد تفريغ شحنة الغضب الهائلة التي تختلج في صدرك أن تنام قرير العين وليس هناك من مانع أمني في أن تحلم طوال الليل بقيادتك للجيوش الجرارة وزحفك نحو بغداد لتطيح برأس أبي جعفر المنصور ثم لتنصب من نفسك خليفة لله في أرضه ولتكن مطمئناًَ فلن يمسك سوء فمخابرات معاوية لن تطرق باب بيتك الليلة وعيون ابي جعفر قد اكلها الدود من حين.
أما إذا كنت مفكراًَ حاذقاًَ ولم يجد هذا الكم الهائل من الإستهبال طريقه إلى عقلك, فلا تحزن.. فلا يزال في جعبة (أولاد اللذين..) الكثير مما تعرف ولا تعرف!!
هناك النعرات العشائرية والدعوات الاقليمية والمشاحنات الطائفية والتجاذبات الحزبية ومجادلات المتدينين والعلمانيين وصراعات المحافظين والليبراليين ومعسكرات الحرس القديم والجديد….
كل هذا و(إبن اللذين..) متربع على كرسيه الفوقي ويراقب شعبه المسكين التحتي وهو يتفاعل فيما بينه بما إبتكره له من فن
ون إستهبال تعلمها ايام كان (إبن اللذين…) طالباًَ في مدرسة المشعوذين.
 
  

  

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.