إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

السعودية: المحاكمة الكبرى بقلم: د. مضاوي الرشيد

Saudi mo7akma
 
احال النظام السعودي 991 شخصا الى القضاء الشرعي وكلهم متهمون ومتورطون بأنشطة تتعلق بالارهاب والتكفير والتفجير ونشر فكر ما تسميه السعودية الفئة الضالة. منهم من هو متهم باعمال تفجير واقتناء اسلحة ومنهم من نظّر لهذه الاعمال عن طريق افكار واطروحات انتشرت على الانترنيت او جمع تبرعات لمساندة عمليات التفجير. كلهم انتاج محلي وليس مستوردا من الخارج. يصفهم النظام انهم لم يفهموا الفكر الذي قامت عليه دولتهم، بل اجتهدوا اجتهادات خاطئة تؤدي الى تطبيق حد الحرابة والبغي والخروج على الحاكم. ومن هنا جاءت عمليات تصحيح الفكر الذي نسقته الدولة مع اجهزتها الامنية والدينية والتربوية لتصلح اصحاب هذا الفكر الذين لم يطبقوه وينخرطوا في اعمال العنف. اما هؤلاء الذين تجري محاكمتهم حاليا فقد تجاوزوا محاولات التصحيح واستبقوها لذلك لم يبق لهم سوى المحاكمة.
ويلتزم النظام الصمت ازاء هذه المحاكمات والتي تجري تحت حراسة مشددة فليس من المعروف ان هذه المحاكمات ستكون علنية ام ستظل سرية وقد طالبت بعض جمعيات حقوق الانسان العالمية كـ’هيومن رايتس ووتش’ بوجود مراقب من قبلها ولكن لم يعلن بعد عن استجابة السعودية لهذا الطلب. ومن المرجح ان تدار هذه المحاكمات من خلف الكواليس بسرية تامة وان خرجت تفاصيلها الى العلن ستكون بمثابة محاكمة مفتوحة للنظام ذاته خاصة وان هذا النظام قد قام على نفس الفكر الذي يحاكمه اليوم. في الماضي قام النظام السعودي على فكرة تطهير البلاد من البدع وهو غطاء جمع تحت أطيافه مشروعا سياسيا بحت ليست له علاقة بالبدع وكان اسلوبه منذ البداية نفس الاعمال التي يتهم فيها هؤلاء المجتمعين للمحاكمة.
الم يكفر النظام السعودي وعلماؤه مجتمع الجزيرة العربية منذ القرن الثامن عشر الميلادي. ألم يرسل علماؤه الرسائل التي تنعت هذا المجتمع بأبشع النعوت حين شبهته بانه مجتمع منحرف اشد كفرا من كفار قريش قبل الدعوة الاسلامية؟ ألم يستعمل هؤلاء العنف في المدن والمساجد لقتل وترويع الابرياء في الحجاز والقصيم وعسير وحايل. ألم يقتل المصلون في المساجد ليس بسبب شركهم وكيف هم مشركون وهم يقيمون الصلوات ويقرأون كتاب الاسلام. ألم يقطع مجاهدو النظام السعودي النخيل والاشجار ويحرقوا المزارع في مدن وقرى نائية. ألم يحولوا الجزيرة العربية الى ساحة حرب تدور رحاها من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب. ألم يقطعوا طرق الحج ويروعوا الحجاج بعضهم منع من اداء فريضته والدخول الى مكة. ألم يأتوا بأيديهم الى خراب هذه الارض مما استدعى تدخلا خارجيا يقضي على فتنتهم التي وصلت الى اقدس الاماكن وهددت السلام في مناطق متاخمة. كان هؤلاء المجاهدون او هكذا اصطلحت تسميتهم هم الذين جلبوا التدخل الخارجي حينما انيطت مهمة تصفيتهم من قبل الدولة العثمانية بمحمد علي وابنه ابراهيم باشا.
التكفير المتهم به مجموعة الفئة الضالة العصرية سمة من سمات تأسيس الدولة السعودية والمتهمون الحاليون لم يخترعوا شيئا جديدا، بل انهم نتاج محلي لفكر قديم عمره اكثرمن 250 سنة واعمالهم التخريبية ما هي الا تطور طبيعي لهذا الفكر الذي يستعمل اليوم وسائل عصرية جديدة كالسيارة الملغومة بدل قطع الاشجار وحرق المزارع. اذن التكفير الحديث هو امتداد طبيعي للتكفير القديم. ولقد جدد هؤلاء تعلقهم بفكرهم وطوروه ليتلاءم مع متطلبات العصر الحديث فبدل الخطب النارية التكفيرية ورسائل العلماء السابقة التي كانت تقرأ في المساجد بعد صلاة الجمعة نحن اليوم امام اطروحات تكفيرية تنشر بوسائل عصرية خاصة الانترنيت. تعتمد هذه الرسائل على افكار علماء الدعوة النجدية ونستطيع ان نجزم ان شخصا واحدا من المتهمين لم تكن مرجعيته من خارج نطاق هؤلاء الأئمة القدامى. خذ مثلا اطروحة احد المتهمين ناصر الفهد والذي بين فيها كفر من اعان الامريكان، في كتيب انتشر عند بدء الاستعدادات الامريكية لغزو افغانستان عام 2000 و2001. يستعمل ناصر الفهد نفس المنطق والمنهج الذي اعتمد عليه طيف كبير من علماء السعودية في القرن التاسع عشر عندما فر احد الامراء السعوديين وطلب مساعدة الوالي العثماني ضد احد منافسيه السعوديين. في هذه اللحظة صدرت فتاوى من الريا ض تحرم مثل هذه المساعدة من الكفار والمقصود هنا الدولة العثمانية ضد المسلمين الحقيقيين الذين بقوا في العاصمة السعودية حينها. كل ما قام به الفهد هو اسقاط الفتاوى السابقة على الحالة العصرية عندما حرم اعانة الغزاة الامريكان في حربهم ضد نظام طالبان والذي اعتبره النظام التقي الذي يطبق الاسلام ويرفع رايته وهذا هو بالفعل موقف الحكومة السعودية والتي كانت قد اعترفت بنظام طالبان منذ بداية تأسيسه ولم تقطع علاقاتها معه وتسحب اعترافها الا بعد الضغط الامريكي. وها هي الان تلعب دور الوساطة بين طالبان وحكومة كارزاي. اذا كانت تهمة التكفير تهمة موجهة الى الفئة الضالة فنفس التهمة تنطبق على تاريخ حافل بالأمثلة والوقائع التي تؤكد ان النظام السعودي قام على التكفير ذاته منذ ايامه الاولى. واذا انتقلنا الى الحرابة فهي ايضا سمة قديمة التزم بها السلوك السياسي للدو
لة حتى مطلع القرن العشرين. الاعمال التي تهدد امن المجتمع وتتلاعب بسلامته قد كانت وسيلة فعالة في ترويع مواطني الجزيرة وتشتيت شملهم وتهجيرهم من ديارهم وبالاضافة الى اعمال العنف التي تزامنت مع تأسيس الدولة كانت هناك سلسلة من الاجراءات التي قوضت الامن الاقتصادي للبشر من مصادرة اراضيهم ومطاردتهم وتضييق سبل العيش عليهم حتى هربت جموع كبيرة من قبائل الجزيرة الى دول الخليج المجاورة وبلاد الشام والعراق. اما الخروج على الحاكم فهو ايضا نمط قديم تأصل في الفكر الذي ادى الى نشوء الدولة الوليدة بالخروج على الدولة العثمانية الموصوفة بالكفر اولا وبذلك بررت الدولة السعودية تملصها من السلطة المركزية ليس هذا فحسب، بل ان هناك الكثير من رموز القادة السعوديين الذين خرجوا على اقاربهم وهددوا حكمهم بالزوال ألم يخرج الامير المعروف بسعود الكبير على حكم عبد العزيز بن سعود عندما التجأ الى قبيلة العجمان واستنجد بها ليقوض الدولة في سنواتها الاولى. لم يحاكم هذا او يصلح فكره ولم يعتبر من الفئة الضالة. وكذلك ألم يخرج الملك فيصل على حكم اخيه الملك سعود في الستينات مما ادى الى خلع الملك بعد تدخل العلماء الذين افتوا بعدم اهلية سعود للحكم. هناك امثلة اخرى لا يسعنا ان نعددها هنا ولكنها مؤصلة في كتب ومراجع تاريخية تجعلنا نعتقد بأن هناك حبلا طويلا يربط ما يسمى الفئة الضالة الحالية بأصولها ومراجعها القديمة. معظم كتابات الفئة الضالة الحالية تعكس قراءة متعمقة وفهما جادا لمنابعها الفكرية وليس سوء فهم كما تدعي الدولة السعودية وقضاتها. من ناصر الفهد الى سليمان العلوان مرورا بعلي الخضير وفارس الشويل نجد تواصلا فكريا عميقا بين الأئمة السابقين وممثليهم الحاليين. لم يأت هؤلاء بشيء جديد ولم يستحدثوا بدعة كذلك لم تكن مرجعيتهم يوما ما سيد قطب او حسن البنا او غيرهم من اسلاميي مصر والعالم الاسلامي، بل كانت مرجعيتهم شيوخهم الراحلين وممثليهم الحاليين من شيوخ الصحوة قبل تراجعاتهم وشيوخ المؤسسة الدينية الرسمية من مات منهم ومن ما زال حيا.
محاكمات الفئة الضالة لو قدر لها ان تكون علنية ستستعرض معضلة النظام السعودي على الملأ وهي معضلة دولة تنكرت لفكرها وبدأت تحاكمه من خلال مجموعة كبيرة من ابنائها. لو ان النظام يحاكم افراده على خلفية فكر مستورد او مبتدع جديد لكان الامر سهلا ومحسوما لكن محاكمة الذات ستبقى اقسى محكمة في تاريخ الدولة السعودية. تتطلب محاكمة الذات قدرة اقناع كبيرة من اجل الفصل بين من ضل عن فكر الدولة ومن بقي مواليا له. انها عملية تمحيص ونبش للماضي وفكره واستئصال الامور التي قد تؤدي الى تفعيل عمليات التفجير والقتل والتدمير دون ان تفقد الدولة كل موروثها الفكري لان فقدان هذا الموروث سيحدث فراغا وعدما لا تستطيع خطابات حوار الاديان والتقارب ان تملأه وان كانت هناك حقيقة ثابتة ارتبطت بقيام الدولة فهي تنطلق من كون فكر الدولة يأبى ان يروض ويدجن مهما كثرت المؤسسات المناطة بها عملية الترويض.
منذ 1927 وحتى هذه اللحظة يشتعل هذا الفكر ويثور وتحاول الدولة اطفاء الحريق بمساعدة خارجية من طائرات بريطانية في العشرينيات من القرن المنصرم الى كاميرات المراقبة في العصر الحديث واجهزة التنصت الحالية. وستبقى الدولة السعودية اسيرة الحلقة المفرغة التي تدور هي وانصارها بها دون ان تجد المخرج. انها معركة ليس فيها خاسر ومنتصر، بل هي معركة ازلية ودوامة يدفع مجتمع الجزيرة ثمنها يوميا.
 
‘ كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد