إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

المحافظ يغلق حلب في التاسعة مساء

يبدو أن السيد الدكتور تامر الحجة محافظ حلب لم يسمع بعالم المعرفة وعالم المعلوماتية وعالم ” المعلومالية” أي العلم الذي تقوم على اساسة الاقتصاديات الحديثة، وثورة الاتصالات، ودور كل هذه العوالم بنهضة الامم والشعوب عندما صادق على قرار المكتب التنفيذي لمجلس المحافظة والذي حدد بموجبة تقليص ساعات العمل في محال الانترنت الى 12 ساعة في اليوم من الثامنة صباحا وحتى التاسعة مساء اعتبارا من اول نوفمبر المقبل.
وذلك تحت طائلة العقوبات باغلاق المحال المخالفة والغاء ترخيصها في حال خالفت القرار مرتين.
كان هذا موضوع الحوار في جلسة جمعتني ببعض الاصدقاء خلال زيارة سريعة الى حلب تلبية لدعوة كريمة من الدكتور اسماعيل نصيف لحضور حفل زفاف كريمته الدكتورة فاتن. وقال بعض الحضور ان المحافظ بقراره هذا وكانه قرر اغلاق حلب الثقافية في الساعة التاسعة مساء، قبل فتح ابواب النوادي والملاهي الليلية بكل ما تحتويه من رذيلة وفساد اخلاقي وتظل ابوابها مفتوحة حتى الفجر، فهل ياتي القرار ليدعم السياحة الليلية على حساب الفكر والثقافة والعلم والتعلم؟.
 
لكن بعض الحضور رأو انه ربما في تحميل المحافظ مسؤولية تقنين مجالات المعرفة أمام المواطنين فيه نوع من الاجحاف حيث قال عبد القادر جزماتي نائب رئيس المكتب التنفيذي لمجلس المحافظة ” اتخذ القرار بناء على كتاب من وزير الإدارة المحلية والبيئة “.
إذن الإدارة المحلية هي صاحبة الفكرة .. والإدارة المحلية هي جهة أمنية .. فيكون سبب اتحاذ القرار دواع أمنية، وبذلك يكون استخدام الانترنت بعد الساعة التاسعة يشكل خطرا على الأمن في سوريا، هذا هو الاستنتاج المنطقي للقرار، رغم أن جزماتي يقول إن القرار” اخذ مصلحة الأطفال تحت السن القانونية ودراستهم”. متجاوزا بذلك الحقيقة ومفادها انه لا يسمح أساسا بدخول الأطفال تحت سن 14 سنة بموجب شروط الترخيص وتعهد قانوني ملزم لأصحاب محال الانترنت، كما أن معظم رواد محلات الانترنت بحلب هم من الشريحة المثقفة والمتعلمة باعتراف أصحاب المحلات.
 
الإدارة المحلية ومجلس المحافظة والمحافظ ومن ورائهم الأجهزة الأمنية تحجب المعرفة عن الحلبيين بعد الساعة التاسعة مساء، وهي محجوبة في النهار بحكم أن الطلاب في مدارسهم والموظفين في أعمالهم مما يؤدي عمليا إلى قصر مجالات استخدام الانترنت على ساعات محدودة قد لا تزيد عن ست ساعات في اليوم، بينما من لا يتوفر لديه وقت لسبب أو لآخر، يكون قد حرم من استخدام الانترنت كما قال طبيب أسنان في مقابلة مع صحفية محلية ” أغلق عيادتي بعد التاسعة فإلى أين أذهب لأحصل على خدمة إنترنيت جيدة” ولندقق بكلمة (جيدة).
 
واشار احد الحضور الى بعض الاراء التي وردت في الصحيفة  ومن بينها ماقاله  محمد علي اخرس الذي يحضر لنيل شهادة ماجستير في الهندسة حين قال لنفس الصحيفة ” بحوثي ومراسلاتي كلها تعتمد على الإنترنيت و اختلاف التوقيت بين سورية وكندا حيث أستاذي الذي أراسله يجعل من المحتم علي أن أبقى حتى ساعة متأخرة لأني لا أستطيع الحضور صباحاً، لدي دوام كطالب دراسات و كدارس للغة أجنبية “.
 
فيما قال سامر وهو طالب جامعي “الخدمة على خطوط الديل آب سيئة جداً وبطيئة وكثيرة الانقطاع (أيضا لندقق في عبارة الجملة السابقة لأننا سنأتي إلى ذكرها لاحقا) ، ونأتي إلى هنا كون السرعة أعلى ، لكن الإغلاق في التاسعة يحرمنا هذه الخدمة ، وهنا في النهار الانقطاعات كثيرة أيضاً”.
 
أما أحمد مغربي طالب من الأردن يدرس الطب في جامعة حلب قال ” أنا كطالب لدي مراسلات علمية وأتابع مواقع عمليات حية ونحتاج إلى سرعة في التحميل والتنزيل في بلدي الأردن مقاهي الانترنيت تفتح 24 ساعة ودوما مكتظة بالرواد وهي أفضل من هنا من ناحية السرعة ” .
 
بينما قال محمد الحسين طالب هندسة عمارة ” العولمة تقرب المسافات وتزيل الحدود أخي بعد أن أنهى دراسة الطب هنا يجري ستاج في الولايات المتحدة الأمريكية ، نتحادث عبر التشات و الماسنجر توقيتهم غير توقيتنا ولن يعود بإمكاني الحديث معه ،والقرار لم يكن مدروساً “.
 
وتبين الاراء السابقة بالاضافة الى ما ذكره الحضور حجم الضرر الذي سيلحق بفئات يفترض أن تفتح أمامها كل أبواب المعرفة، كي تحقق أهدافها العلمية حتى تتمكن من المساهمة في بناء الوطن، خصوصا وان الواقع والوقائع كلها تشير إلى أن احد أهم أسباب تخلف بلادنا هو ضعف العنصر البشري وندرة البرامج المعنية بالتنمية البشرية.
 
وبالتأكيد إن الآراء الخمس التي أوردناها تعبر عن قطاع واسع جدا من المواطنين ممن أدركوا أهمية عصر المعرفة ودور الشبكة العنكبوتية في الوصول إلى آخر نتاجات العلوم المعاصرة، والدخول إلى العالم الجديد الذي لا شك أن وزير الإدارة المحلية والمحافظ وأعضاء مجلس المحافظة يستخدمون تعبير القرية الواحدة عندما يتحدثون عن سمات العصر الجديد.
 
ولو تعاملنا مع القرار بحسن نية فسنكرر ما قاله طالب الهندسة محمد حسن بان القرار “لم يكن مدروسا” لكن هناك الكثير من الحيثيات السابقة تشي بغير ذلك وان المسالة ليست مجرد دراسة خاطئة بل إن الأبعاد الأمنية هي التي تقف خلف القرار، وان هناك توجها امنيا هدفه حجب المعلومات ما أمكن عن الناس، سواء بتقليص ساعات العمل بمحال الانترنت أو من خلال تخلف الشبكة الرئيسية وضعفها .
 
وقد يتساءل البعض لماذا يلجأ الناس في حلب إلى محلات الانترنت خصوصا وان غالية رواده من الطبقة المثقفة والمتعلمة ؟ والجواب كما قالت صديقتنا الدكتورة الحلبية ماريا قندقجي ” شو اللي أجبرك على المر قال الأمر منه” فالأوضاع لاقتصادي الرديئة لغالبية الحلبيين لا تمكنهم من الحصول على رفاهية توفر خدمة انترنت في المنزل، مثل الاشتراك في خدمة (ADSL) وتركيب روتر، أو حتى خدمة الدايل أب، بسبب ارتفاع تكاليفها ، وعدم القدرة على الالتزام بتكاليف ثابتة شهريا، وحتى لو توفرت الإمكانات المادية لدى البعض فان الشبكة الرئيسية ضعيفة مما يجعل الخدمة سيئة جداً وبطيئة جدا وكثيرة الانقطاع. بالإضافة إلى المخاوف الأمنية عند الناس من المراقبة والمتابعة والتجسس على المراسلات الالكترونية.
 
وكان الأولى بمجلس المحافظة ومن خلفه وزارة الإدارة المحلية بدلا من التضييق على الثقافة وسد منافذها عبر تقليص ساعات العمل في محال الانترنت أن يبحثوا عن إيجاد حلول لمعدلات الفقر والحرمان، وتزايد حدة التباينات الاقتصادية، والتباينات والتناقضات الاجتماعية ، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن، وارتفاع أسعار كافة السلع الأساسية الغذائية والاستهلاكية، وارتفاع أجور النقل بمعدلات وصل إلى 100 % ، وتقلص الفرص الوظيفية، مع الانخفاض الحاد في النشاط التجاري بعد القيود التي فرضت على السياح الروس والسياح من دول الاتحاد السوفيتي السابق، وارتفاع تكاليف الإنتاج السلعي الزراعي والصناعي، وارتفاع معدلات التضخم وما رافقها من انخفاض مستوى المعيشة لغالبية السكان، مما أدى إلى ازدياد معدلات الجريمة، والانحلال الخلقي وفي مقدمتها ازدياد ظاهرة الدعارة، مع انتشار ما يسمى بالمطاعم السياحية والنوادي والملاهي الليلية.
 
والحملة على الانترنت ليست قاصرة على محافظة حلب بل تشمل كل سوريا ، باعتبارها تمثل احد أهم وارخص الوسائل الإعلامية و أوسعها و أسرعها للوصول إلى المعلومات، وما وفرته من فرصة للتعبير عن الرأي ووجهات النظر، وأتاحت الفرصة للجميع لكتابة رأيه ونشره في عشرات المواقع على الشبكة العنكبوتية.
ولذلك أصدرت الجهات الأمنية مؤخرا قرارا بتشديد الرقابة على استخدام شبكة الانترنت بحيث أصبح كل مستخدم للانرتنت متهما عليه أن يتخذ العديد من الإجراءات حتى لا يقع في فخ الأجهزة الأمنية وإلا سيجد نفسه نزيلا في احد السجون.
ويتضمن القرار قيام أصحاب محلات الانترنت بتسجيل البيانات الشخصية لمستخدمي الانترنت في مجالهم، والاحتفاظ بسجل يومي يتضمن اسم المستخدم الثلاثي واسم والدته ورقم الهوية الشخصية أو جواز السفر ورقم الجهاز الذي يستخدمه وساعة حضوره وساعة مغادرته وإلزام تسليم هذا السجل إلى مندوبي الأجهزة الأمنية.
 
هذه هي مناخات الحرية في حلب الشهباء، وهكذا تتعامل السلطات الأمنية مع احد أهم منافذ العلوم الحديثة، واحد أكثر أجهزة الإعلام انتشارا، وهي مناخات لي
س لها علاقة بالحرية ، بل هي مناخات كبت وقهر وحرمان، ومناخات معادية للعلم والعلوم والإعلام ، مناخات حريصة على تعميم الجهل والتجهيل.
وهذا المناخ سيؤدي إلى نتائج مدمرة ، كونه مناخ لا ينتج إلا الانحراف الاجتماعي والأخلاقي والسياسي والفكري ، ويعتبر تربة صالح لإنتاج التطرف والمتطرفين ودعاة التخلف والتحجر والماضوية.
فهل يدرك وزير الإدارة المحلية النتائج التي قد تترب على قراره، والى متى ستظل الأجهزة الأمنية تعتبر أن العلم والعلماء والثقافة والمثقفين والفكر والمفكرين هم أعدائها؟؟
ابراهيم علاء الدين
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد