إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

وعد بلفور ومركزية فلسطين في الصراع (1ـ3)

وعد بلفور ومركزية فلسطين في الصراع (1ـ3)
مصطفى إنشاصي
نود التأكيد من البداية على أن فلسطين ليست مستهدفة لذاتها، أو لأن للغرب اليهودي ـ الصليبي مع أهلها ثأر أو عداء خاص، ولكنها مستهدفة لمكانتها الدينية عند أتباع الرسالات السماوية السابقة للإسلام، فكل منهم يعتبرها حقا دينيا له، ووعد الله لملته، ودليل على صدق دينه، وأن ملكيته لها يعد توطئة لعودة المسيح المنتظر، أو بعثه لأول مرة كما في العقيدة اليهودية، فمنها سيدير المسيح شئون العالم، وتكون لأمته السيادة على العالم. كما تأتي مركزية فلسطين في الصراع من خلال ما حظي به موقعها من أهميتها جغرافية وإستراتيجية ـ كما سيأتي معناـ لمن يريد ضرب الإسلام والقضاء عليه، والتمكين له من الهيمنة على الأمة والوطن.
لذلك فإن كيان العدو الصهيوني يمثل مركز الهجمة اليهودية ـ الصليبية على الأمة والوطن، وفلسطين تمثل قضية الأمة المركزية، لما حباها الله من المكانة الدينية والأهمية الجغرافية والإستراتيجية. فكيان العدو الصهيوني هو “أداة” الحفاظ على “أنظمة التجزئة” التي رسمت حدودها معاهدة سايكس ـ بيكو وغيرها، وأرض فلسطين وأهلها هم الضحية كبش الفداء. ففلسطين في المنظور التوراتي الصليبي هي قطعة الأرض التي إذا ما أخرجت من أيدي المسلمين، وتم لهم امتلاكها، استطاعوا السيطرة على الأمة والوطن، وفرض هيمنتهم الحضارية عليهما من المحيط إلى المحيط، وأمنوا استمرار النهب لثرواتنا ومواردنا المادية والبشرية، وحالوا دون قيام أي وحدة حقيقية يمكنها تهديد تلك الهيمنة اليهودية ـ الصليبية على الأمة والوطن، وبذلك يكون قد وجه الغرب ضربة قوية للإسلام وفي القلب، واستطاع أن يشل حركة بقية أعضاء الجسد عن القيام بدورها الطبيعي وعطائها الحضاري، مما يؤخر نهضة هذه الأمة واستمرار الهيمنة الثقافية والسياسية والعسكرية والتبعية الكاملة للغرب الصليبي.
لذا فإن القضية أبعد وأعمق مما تبدوا عليه، فهي ليست قضية سياسية ولا قومية، ولا تقف عند حدود فلسطين فقط، فهي في جوهرها قضية صراع بين دينين وحضارتين متباينتين، لم تهدأ منذ ظهر الإسلام حتى هذه اللحظة، ومنذ تحقق الانتصار للحضارة الغربية، وتحولت من موقف الدفاع إلى الهجوم في أواخر القرن السابع عشر، بعد فشل الحصار الإسلامي العثماني الثاني لفينا عام 1683، الذي أعتبره المؤرخ البريطاني (أرنولد توينبي) في رسالته “الإسلام والغرب” إيذانا بتحول الغرب (إلى قوة كاسحة وصاحبة السلطان في العالم حتى أنه لم يعد أمام الآخرين “المسلمين” خيار، فإما التغريب وإما الهلاك). ومنذ ذلك التاريخ بدأت مرحلة جديدة من مراحل الصراع الوجودي بين الإسلام والغرب، بدأ فيها الغرب محاولاته الجادة والقوية لاختراق الأمة, وفرض سيطرته وهيمنته الثقافية والفكرية والعسكرية، ومشروعه ونموذجه الحضاري كله عليها. وبسبب فشل السلاطين العثمانيين في تجديد النموذج الحضاري الإسلامي، وأخذ بعضهم ببعض مظاهر النموذج الحضاري الغربي، بدأ الإسلام يفقد موقعه القيادي الدولي، وبدأت أوروبا تأخذ موقعه طارحة نموذجها الخاص والمختلف بديلا عن النموذج الإسلامي. حيث غدت تصفية الإسلام وملاحقته بكل الوسائل والأساليب تشكل محورا أساسيا في الإستراتيجية الغربية الصليبية، وأن إخراج فلسطين من أيدي المسلمين يعتبر انتصاراً لكل الغرب الصليبي على اختلاف مذاهبه واتجاهاته السياسية والفكرية، وهناك إجماع غربي على عدم إعادتها لأصحابها الشرعيين مهما كلف ذلك من عناء. 
لمـــاذا اختيرت فلسطين..؟!
لقد أقلقت نظرية كون الحضارات تمر بدورات متعاقبة تنمو وتزدهر، ثم تشيخ وتذبل وتندثر، بال زعماء الدول الأوروبية الصليبية التي كانت تحتل معظم أراضي العالم القديم والجديد. وقد كان أول من تنبأ تنبؤا قاطعا بانهيار الحضارة الأوروبية الحالية الفيلسوف الألماني (أوزوالد شبنجلر)، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومما زاد من قلق الغرب الصليبي في ذلك الوقت على مستقبل حضارته المادية، تصاعد مقاومة الشعوب المحتلة، التي كانت غالبيتها إسلامية، وإصرارها على التحرر من احتلاله واستغلاله لثرواتها، واستعباده لشعوبها. وقد صاحب تلك المقاومة محاولات جادة فكرية وثقافية وسياسية في الوطن الإسلامي، ودولة الخلافة الإسلامية العثمانية، وخاصة مع تولي الخلافة السلطان عبد الحميد الثاني، لتوحيد الأمة في إطار إسلامي جامع، واستعادة نهضتها، وقد كانت الجهود كلها في ذلك الوقت منصبة على إنجاح فكرة الجامعة الإسلامية، التي كانت مطروحة بقوة، وتلقى قبولا كبيرا من كل الاتجاهات السياسية الإسلامية والقومية والوطنية المخلصة من أبناء الأمة.
 وقد آمن المؤرخ البريطاني (جيمس أرنولد توينبي) بنظرية شبنجلر عن صعود وهبوط الحضارات وزوالها، ولكنه قال: “أن هذا لن يحدث للحضارة الراهنة ـ الغربية ـ، والسبب في رأيه أن الحضارة الراهنة تعلمت من التاريخ وعرفت الخطر فهي سوف تتمكن من أن تتجنب تكراره”. فما هو ذلك الخطر المحدق بالحضارة الأوروبية الذي عرفته وتعمل على تجنب تكراره؟. يجيب على هذا السؤال:
مؤتمر لندن وتقرير كامبل بنرمان
لقد كان مؤتمر لندن الذي عقد عام 1905م أخطر عمل قام به المستشرقين الغربيين ضد الأمة والوطن، فقد عقد المؤتمر بدعوى من حزب المحافظين البريطاني، وكان يهدف المؤتمر إلى تكوين جبهة من الدول الأوروبية الصليبية ذات المصالح المتوافقة في العالم آنذاك، وهي: بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا والبرتغال وإيطاليا وأسبانيا. وقد اتفقت هذه الدول على التعاون الودي فيما بينها، وتأليف لجنة من خبرائها تتولى الدراسة والبحث في نمو مصالحها المشتركة التي كانت تتمتع بها. وقد اشترك في المؤتمر مجموعة من كبار علماء التاريخ والاجتماع والزراعة والبترول والجغرافيا والاقتصاد، وأضخم نخبة من المفكرين والسياسيين الأوروبيين ممثلين عن الدول الصليبية المشاركة فيه.
وقد كان الموضوع الوحيد المطروح للدراسة والبحث في هذا المؤتمر، كما جاء في خطاب (كامبل بنرمان) رئيس وزراء بريطانيا عن حزب الأحرار آنذاك، هو: “… فهل لديكم أسباب أو وسائل يمكن أن تحول دون السقوط والانهيار، أو تؤخر الاستعمار الأوروبي وقد بلغ الآن الذروة وأصبحت أوروبا قارة قديمة استنفذت مواردها وشاخت معالمها بينما العالم الآخر لا يزال في شبابه يتطلع إلى مزيد من العلم والتنظيم والرفاهية”. وقد حدد كامبل بنرمان الخطر الذي يهدد الحضارة الأوروبية في خطابه الافتتاحي عندما قال: “إن الحضارة الأوروبية مهددة بالانحلال والفناء والواجب يقضي علينا أن نبحث في هذا المؤتمر عن وسيلة فعالة تحول دون انهيار حضارتنا”.
بعد سنتين أنهى المؤتمر دراسته وقدم نتائج ما توصل إليه على شكل تقرير سري خاص إلى وزارة الخارجية البريطانية, التي عندما رأت خطورته أحالته إلى وزارة “المستعمرات” البريطانية، ثم اختفى التقرير من غير أن يعرف أحد به. إلى أن نشره صحفي بريطاني صهيوني في معرض الدفاع عن فكرة “الوطن القومي اليهودي” في فلسطين، واستشهادا بآراء الحكومة البريطانية وقراراتها وموافقة سادة الاستكبار العالمي على ذلك، وتبريرا لقيام الكيان الصهيوني كضرورة اقتصادية وسياسية واجتماعية لأوروبا ومصالحها وسيطرتها على الشرق.
وقد حدد التقرير موطن الخطر الذي يهدد الحضارة الأوروبية، بأنه يكمن في الشعب الواحد الذي يعيش على الشواطئ الجنوبية والشرقية للشريان البحري الحيوي لتلك الدول وللتجارة العالمية ـ البحر المتوسط ـ ، والتواصل بين تلك الدول ومناطق احتلالها. لذلك كانت توصياته العاجلة تتمثل في: “ضرورة فصل الجزء الإفريقي من المنطقة العربية عن جزئها الآسيوي وضرورة إقامة الدولة العازلة إذ أن إقامة حاجز بشري قوي على الجسر الذي يربط أوروبا بالعالم القديم ويربطهما معا بالبحر المتوسط بحيث يشكل من هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس قوة عدوة لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها هو التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة”.
وقد كان من الوسائل والسبل أيضا: “العمل على إيجاد التفكيك والتجزئة والانقسام وإنشاء دويلات مصطنعة تابعة لتلك الدول وخاضعة لسيطرتها وأوصى التقرير بشكل خاص على محاربة اتحاد هذه الجماهير العربية أو ارتباطها بأي نوع من أنواع الاتحاد الفكري أو الروحي أو التاريخي وبضرورة إيجاد الوسائل العلمية القوية لفصلها عن بعضها بعض ما استطاع الاستعمار إلى ذلك سبيلا”.
هذا الاختيار الغربي الصليبي لفلسطين لتكون مركز الهجمة على الأمة والوطن لم يأتي عبثا، ولا عشوائيا، ولكنه جاء بعد دراسة وبحث سنتين، استحضر فيه الدارسون كل تجارب الماضي والحاضر، واستحضروا احتمالات المستقبل القريب والبعيد الذي يمكنها أن تشكل تهديدا للحضارة والسيادة الغربية، ولازالوا إلى اليوم وغدا حريصون على استحضار تلك الاحتمالات، ووضع الخطط والمشاريع لإفشالها والقضاء عليها في مهدها، أو تأخير نضوجها واكتمال بنائها وقوتها.
المشــروع اليهــودي
في تجاه زمني مواز كان الي
هود يعملون على تدمير الإسلام، والقضاء على الحضارة الإسلامية والنظام السياسي الإسلامي، كأحد مخططاتهم لتحقيق المشروع اليهودي التوراتي في اغتصاب فلسطين، وتحقيق الحلم الخرافي اليهودي بالسيادة على العالم من خلال السيطرة على القدس، وقدوم مسيحهم الدجال.
ولأن اليهود لا ينظرون إلى العودة على أنها مجرد إقامة فقط، ولكنها إقامة دولة الرب وتحقيق الخلاص الإلهي، ومادام المسلمون يحولون بينهم وبين ذلك فما عليهم إلا أن يبقوا في الهجرة والشتات والتشرد شاهرين حراب الهدم والتدمير والتخريب للسيطرة على عقول واقتصاد العالم حتى يحين موعد العودة، وعن دورهم في تدمير الحضارة الإسلامية يقول الدكتور “عبد اللطيف شرارة” في كتابه “الصهيونية جريمة العصر الكبرى” ص24: “لقد كان تحرير اليهود في إطار الحضارة الإسلامية سبيلا إلى تهديم تلك الحضارة. إنهم أشبه الأشياء ببعض الطفيليات والهوام والدواب التي لا تملك أن تعيش إلا في مناخ خاض من القذارة وسوء الأحوال الاجتماعية”.
ومعلوم أن اليهود لا دين لهم ولا عهد ولا ذمة، ولا أي نوع من أنواع القيم عندما يتعلق الأمر بمصالحهم وغاياتهم الدينية، لذلك لم يتورعوا يوما عن الإساءة إلى حسن معاملة وضيافة المسلمين لهم، والتآمر والتحريض على الإسلام، وسيبقى هذا شأنهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. لذلك عندما علموا بتحضير نابليون بونابرت لاحتلال مصر وبلاد الشام، لم يتوانوا عن التحالف معه من أجل اغتصاب فلسطين. وبعد ذلك بدأت يتصاعد التنافس بين فرنسا وبريطانيا من أجل اغتصاب أراضي دولة الخلافة الإسلامية العثمانية، وهم لم يفوتوا فرصة لتحريض الغرب الصليبي ضد الإسلام، وتوريط بريطانيا بالذات في وطننا، وخاصة فلسطين ومحيطها الجغرافي، من أجل استغلالها والغرب أجمع في تحقيق مشروعهم اليهودي التوراتي ضد وطننا. فقد أرسل اللورد اليهودي البريطاني روتشيلد إلى رئيس وزراء بريطانيا في أربعينيات القرن التاسع عشر بالمرستون، رسالة لم تخرج عن مضمونها نتائج تقرير كامبل بنرمان الذي بناء عليها تم التحالف مع الحركة الصهيونية، فقد قال فيها محذرا من عودة المسلمين لدينهم، ولأهمية إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين لشطر الأمة والوطن: “هناك قوة جذب بين العرب وعودة مجدهم المرهون بإمكانات اتصالهم واتحادهم، وأن فلسطين تعد الجسر الذي يصل بين مصر وبين العرب في آسيا، بوابة الشرق حيث يجب زرع قوة غريبة لتكون حاجزا”. هذا التحريض على إقامة الحاجز البشري اليهودي ليمنع وحدة المسلمين، ويحول دون إعادة مجدهم الغابر الذي يتطلعون إليه كما جاء في رسالة روتشيلد، لم ينفك القادة اليهود عن تكراره على الغرب الصليبي طوال عشرات السنوات بعدها.
فهذا تيودور هرتزل في كتابه “دولة اليهود” الذي صدر عام 1896م، يقول: “ونقيم هناك ـ فلسطين ـ جزءاً من حائط لحماية أوروبا في أسيا يكون عبارة عن حصن منيع للحضارة في وجه الهمجية، ويتوقف علينا كدولة محايدة أن نبقى على اتصال مع أوروبا التي ستضمن وجودنا بالمقابل.
هذه الفكرة بدأ حاييم وايزمان ترديدها على مسامع الحكام في لندن قبل عقد مؤتمر لندن بسنوات، حيث كان يردد: “فلسطين اليهودية هي ضمانة لإنجلترا خاصة فيما يتعلق بقناة السويس. نفس المعنى اقترحه دافيد بن غوريون على الرئيس الأمريكي أيزنهاور لـ”إقامة سد منيع ضد التيار القومي العربي، يضم إسرائيل وتركيا وإيران وإثيوبيا، وذلك في الرسالة التي وجهها إليه عام 1958″.
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد