إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

أنطولوجيا المقاومة

أنطولوجيا المقاومةد. مدين حمية
ليس صحيحاً أن الشعور بالخوف وبآلام المعاناة مجرد حالة عابرة ينتفي مع إنتفاء أسبابه، بل الصحيح أن هذا الشعور يقض المضجع الفكري للإنسان، كتحد يستهدف إستئصال الإنسان نفسه، من الوجود معنوياً ومادياً. ويصبح هذا شعور مؤذياً، عندما تتحدد أسباب الخوف ومصادره، ويتحول إلى ردة فعل قوية عندما يكتشف الإنسان أن هناك قوة أحادية، طاغية ومتجبرة تتظلل براية الديمقراطية الرقمية، تعبث بمصائر الأمم، وتزيد من معاناة البشر وتسلبهم ثرواتهم، وأنه ليس من حل لهذه المعضلة إلا بمقاومة الظلم والاستعباد، وهذه حقيقة واقعية كونية تكرست في كل زمان ومكان. ولذلك، لم تستطع الدول الطاغية، مواجهة الفكر اللاهوتي الأنطولوجي المتمثل بمقاومة الظلم والإستبداد،.. لأنها نفسها كانت عانت من الطغيان، وتحررت منه، ولو لمرحلة وجيزة، قبل أن عودة سيطرة الأيدي الخبيثة بسبب عدم وضع الخطط المحكمة التي تكرس وضعية التحرر من الإستبداد والإستعباد، وأيضاً بسبب التراخي من قبل بعض القوى المناهضة بذريعة “ملينا بدنا نعيش”. لكن كيفية الحياة لا تهم، وتحولت من نواميس أساسية في المجتمع إلى أرقام تحركها بعض الأيدي المستبدة، ومعها وجد اللاهوت الفكري للانسان نفسه أمام تحدٍ لا مفر منه، فإما أن يبقى الإنسان بوجوده الكوسمولوجي مع الكون وإما أن ينحصر في دائرة جغرافية تُنَظر في الأيروسية الميكانيكية وتصبح هي الهدف.
لو قرأنا التاريخ ببصيرة المفهوم الهدفي للوجود، لرأينا أن الشر يزداد كماً وكيفاً. لكن في الطرف الآخر بات لدى بعض الشعوب وعي لتلك المعاناة بل وتعمقت آفاق معرفتها بخفايا خطط الشر وأساليبه، فأصبحت معارك اليوم أقوى وأنجح وأشد تنكيلاً بقوى الشر، وهذا كله بفضل الإنسان المقاوم الذي إرتكز على أحقية وجوده بصكً لاهوتي مبين.
ولو نظرنا الى دول راقية تنعم بالسكينة والإطمئنان ورغد العيش والتطورٌ التكنولوجي الهائل، لان نرى عندها مقاومة. لكن هذه رؤية غير مكتملة، لأننا لو عدنا بالتاريخ مائة عام فقط، لوجدنا أنها لم تكن لتصبح دولاً راقية وعلى سلم الأرقام الأولى برفاهية المواطن الرقمي، لولا المقاومة.
أما التوصيف بأن هذه الدولة راقية وتلك غير راقية، فهو ليس توصيف دقيق، ومثالاً على ذلك الولايات المتحدة الأميركية التي يقال بأنها دولة راقية تدافع عن الإنسان وعن قيم العدل والحرية. فهذه الدولة تكشفت حقيقتها باحتلال العراق وتحولت بلمح البصر إلى حاضنة لجنود مدججين بالسلاح يعتدون على الآخرين ويحتلون أرضهم من أجل ثروات الذهب الأسود والأصفر والأخضر و……..ألخ.  لذلك، علينا أن نعي أن هناك أمماً متخفية، متربصة، جوهرها الطمع والجشع والإستبداد، وهي تنظر إلى الشعوب على أنهم عبيد ورعية، وتمارس عليهم قاعدة “أنا ربكم الأعلى فاعبدوني”. وهذا الكلام أثبته التاريخ منذ القدم، “ولتلعني الألهة إن كذبت”.
لذلك، لا يوجد حل لمشكلة الخوف والتسلط والإستعباد بالحوار والديبلوماسية، فهذا حل نظري وبمثابة مضيعة للقوة والوقت.
بناء على ما تقدم، هل يجوز القول بأن المقاومة حالة شاذة عن القاعدة الإجتماعية المكونة للدولة؟.
ولماذا يتم النظر إلى المقاومة والدولة نظرة اختلاف، وبأنهما لا يتجانسان، بل نقيضان في الوجود، وأن إستمرارية أحدهما تقتضي إلغاء الآخر؟!.
إن هذه النظرة التزمتية تحدث هوّة هائلة في الفكر الإجتماعي لا يسبر غورها، لا الحوار، ولا أي شكل من أشكال المقارعة الفكرية والسياسية.
هناك رأي يقول، إذا إنتفت الأسباب الظرفية إنتفت المقاومة. هذا رأي غير صحيح. لأن السؤال الأنطولوجي يجب أن يستدرج أجوبة حول أصل الإستبداد والإستعمار، لأنهما العلة الأولى للمقاومة وليسا العلة الظرفية بالمكان والزمان.
كي نفهم المقاومة ونفهم أسباب وجودها، يجب أن نفهم حقيقة الإنسان أولاً. فالإنسان هو مفتاح وجود الدولة وناموسها وروحها، وغياب الإنسان بمفهومه العقلي هو دمار للدولة.
إن أهم ميزة تتمتع بها المقاومة، هي أنها منهجية تفكير قبل أن تكون تركيبة لفعل ما، وإنها منطق فكري يتعامل به الإنسان مع محيطه ويبني ردود فعله على الأحداث.
لم تكن المقاومة يوماً بعيدةً عن الحوار، بل تبنت مناهج فكرية لعدة أطراف، وساهمت كذلك في بناء الدولة وفي تثبيت دعائم السلم الأهلي. لكن إذا نظرنا الى المقاومة والدولة على أساس أنهما جسداًَ واحداً، وهما كذلك بالمفهوم الأنطولوجي، لن تكون عندنا أية عقبات أمام التوحد الإجتماعي في ظل راية الإنسان الذي يذود عن عينيه بكفيه، لا بنفخ الهواء أمام عينيه.
الإشكالية الحاصلة اليوم، أن الدولة (نظام الحكم) التي نتكلم عنها لم تكن يوماً دولة مقاومة، إنما دولة محاصصة، إنفطرت على تلقف المادة من أي جهة أتت، وأغرقت المواطنين بمديونية عالية. لذا، فإن السؤال هو، لماذا المقاومة لا تأخذ حق وجودها في الدولة، كسائر المقاومات الأخرى المذكورة في التاريخ الغابر، والتي أصبح قادتها، هم رجال الدولة وأبطالها؟.
إن الدولة التي نتحدث عنها لم يساهم شعبها في بنائها، ولم تبن على أساس ماهية القاعدة الشعبية المقاومة للإستعمار، إنما أُنزلت معلبة لحماية طبقة فاسدة، ولذلك دخلنا في دائرة النظرة الإبستومولوجية بين المعقول واللامعقول، والتي في ظلها لا يمكن بناء مجتمع ودولة.
إن تساؤلات تزمتية
أخرى تطرح، خول عدم وجود تنسيق بين المقاومة والدولة،.. أو ولماذا المقاومة من لون واحد.. ولماذا هي أقوى من الدولة ولماذا،.. ولماذا…..؟
إن هذه التساؤلات لا تنم عن فكر وممارسة يرميان إلى بناء الدولة، إنما عن سلوك نابع من نفسيات شريرة مرتبطة بمشاريع الشر والإستبداد.. وتساؤلات أصحاب هذا السلوك لا نهاية لها، ونحن بدورنا نحيل الجواب الى موقعة هرمجدون…
لكن هل هذا الكنز الثمين الاهوتي لأنطولوجية المقاومة ثابت على المدى الإستراتيجي، دون حدوث شوائب على الصعيد الجزئي لتركيبتها الأنطولوجية؟
إن حدوث شوائب على الصعيد الجزئي للمقاومة ممكن بنسبة عالية، إن من حيث الإستفادة المادية للبعض ( المقصد هنا ترجيح الإستفادة المادية على الهدف)، أو من حيث الوصولين المتغلغلين في كل صفحات الحياة البشرية، او من حيث وجودية ” الأنا”، سيؤدي الى كارثة في تلك الأنطولوجية. مما يترتب على قيادة المقاومة بمراجعة دورية على جزئيات المقاومة بما فيها القيادة نفسها. فالمظهر الجزئي لأنطولوجية المقاومة هو الرابط بين الشعب والمقاومة، ومن دونها يتسرب التعفن الى كِلا الطرفين في آنً معاً. إذ أن التركيبة الجزئية هي الباعث والرابط الروحي بين الشعب والدولة والمقاومة ، بحيث يتجسد الثلاثة في كلمة الوطن بجميع مكوناته الكلية والجزئية روحاً ونصاً وجوهراً.
هل هذا الكلام الذي ذكرناه بأنه يجب إقامة صرح يتوالد مع نفسه كالصروح الدينية الموجودة مؤلف من هيئة عالية على صعيد الفكري لجوهر الوطن؟
ولما لا، فالكلية، الوطن على إطلاع بها. ام الجزئيات فهي من مسؤولية ذاك الصرح.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد