إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

مستقبل العلاقات الأمريكية المغاربية

مستقبل العلاقات الأمريكية المغاربيةذ.عبد الرحمن مكاوي
اقتربت ساعة الحسم في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في جو من الكساد الاقتصادي و الانكماش السياسي، فالكل في العالم أصبح يتابع الأيام والدقائق الأخيرة في مباراة براك أوباما و جون ماكين، والكل يحاول الإجابة عن السؤال الرئيسي : من سيفوز بالانتخابات؟. فكثر النقاش و الجدال حول سلوك الرجل الذي سوف يسكن البيت الأبيض و سياسته الدولية المستقبلية و كيف ستكون عليه أحوال الولايات المتحدة الأمريكية في العالم، فإذا حللنا كلما يدور بهذه المناسبة، و إذا تتبعنا الخطب و المناظرات التي جمعت بين المتنافسين على البيت البيضاوي، نجد أن أمريكا الدولة لها مرتكزات و دعائم دبلوماسية تاريخية، تحرك علاقاتها الخارجية كيفما كان الرئيس و كيفما كان لون الحزب الذي ينتمي إليه. ضوابط تتحكم في علاقات أمريكا مع مختلف الدول والتي يمكن تلخيصها في مصلحتين اثنتين هما : الطاقة والأمن القومي، و قد تنضاف إليهما بعض السلوكيات و المواقف السياسية الظرفية الثانوية، فالطاقة هي كيف يضمن الرئيس الجديد لبلاده و لمواطنيه طاقة رخيصة و نظيفة، و ما هي السبل الكافية لحمايتها و تأمينها من كل خطر خارجي. أما الدعامة الثانية في السياسة الخارجية تكمن في مدى استمرار هذا البلد في قيادة العالم الحر و مجابهة أعداءه في كل مكان و في كل زمان لوحده أو مع حلفاءه. فإذا اعتمدنا على نوايا التصويت من خلال استطلاعات الرأي التي قامت بها بعض المؤسسات المعروفة بشفافيتها واستقلاليتها و مهنيتها كوول ستريت جورنال Wall Street Journal و مركز البحث بوي Pew و الموقع المستقل المختص في سبر الآراء ريال كلير بوليتكس Real Clear Politics، نلاحظ أن 51% من الأمريكيين سوف يصوتون على براك حسين أوباما ضد 48% لجون ماكين، فإذا تحققت تخمينات و تنبوءات كل مراكز استطلاع الرأي، التي هي قبل كل شيء نتائج فنية أكثر منها عملية حسب قول سترويت جورنال، فان الرئيس المقبل سوف يكون الديمقراطي براك أوباما، أول رئيس من أصل إفريقي   .
 
ومهما كانت النتيجة، يمكن القول أن العلاقات الأمريكية المغاربية سوف لن تعرف أي تغيير جذري لسبب واحد، أن أمريكا لها علاقات متميزة الآن مع جميع دول شمال إفريقيا باستثناء موريتانيا (تداعيات انقلاب 6 غشت 2008)، أو بعبارة أخرى لا يوجد مشكل سياسي بين أمريكا يدفعها إلى تغيير الإستراتيجية الحالية في شمال إفريقيا. في هذا السياق، ينبغي أن نشير أن العلاقات الخارجية لأمريكا تطبخ من قبل ثلاثة هيئات رسمية : وزارة الخارجية، البانتغون ووكالة الاستخبارات الأمريكية: CIA، و أن كل هيئة تقدم تقريرها إلى مجلس الأمن القومي، الذي يتخذ القرار المناسب الخاص بالمشاكل المطروحة في المنطقة المغاربية، و لقد كان للوبيات دورا مؤثرا في صناعة القرار السياسي الاقتصادي، المتعلق بمنطقة المغرب العربي خاصة لوبي شركات النفط القريب من الجنرالات في الجزائر.
 
أما الملفات التي سوف يديرها الرئيس الجديد و المتعلقة بالمغرب العربي، فهي ملف الطاقة في الجزائر و ليبيا، وهذا سيبقى من اختصاص الشركات العابرة للقارات التي سوف يتحرر من نفوذها الرئيس الجديد سواء كان أوباما أو ماكين، فلازال ملف النزاع حول المحروقات مفتوحا بين الولايات المتحدة الأمريكية و الجزائر التي باعت حصة مهمة من شركة سونطراك للأمريكيين، تم انقلبت عليهم في تصويت آخر للبرلمان الجزائري الذي رفض خصخصة قطاع النفط و الغاز، أما الجماهيرية الليبية، فلقد طوت ماديا كل تداعيات قضايا لوكربي و برلين و الطائرة النيجيرية، فليبيا فتحت أبوابها للاستثمارات الأمريكية في كل المجالات و بشروط تفضيلية خاصة في مجال النفط و المعادن و الزراعة و البتروكيماويات، فالطاقة بالنسبة للأمريكيين جمهوريين أو ديمقراطيين هي عنصر أساسي في مقاربة أمنهم القومي. أما من ناحية الأمن و الدفاع، فالولايات المتحدة الأمريكية لم تهتم بالحرب على الإرهاب إلا بعد أحداث 11 شتنبر 2003، و بدأت تكتشف أن هذه الظاهرة عالمية و عنكبوتية و لا يمكن مواجهتها لوحدها. ومن هذا الواقع، اعتبرت الجزائر من أهم ساحات المواجهة في حرب لا يعرف مكان العدو و لا سلاحه و لا تكتيكاته. المشكل الآخر الذي لا زال لم يعرف طريقه إلى الحل هو نزاع الصحراء المغربية، فموقف الإدارة الأمريكية المقبلة لن يتغير قط، فهي سوف تستمر في دعمها و تشجيعها للمبادرة المغربية القائمة على مقترح الحكم الذاتي لإقليم الصحراء الذي يلقى صدى ايجابي و متزايد في العالم وفي أروقة الأمم المتحدة، فالجزائر و من خلال إعلامها كانت و لازالت تؤمن بأن الديمقراطيين سوف يضغطون على حليفهم القديم في المنطقة، لتقديم تنازلات في المفاوضات القادمة بين الأطراف المعنية و المهتمة بنزاع الصحراء، وذلك بناءا على الموروث الثقافي و السياسي للديمقراطيين في ميدان حقوق الإنسان و الحريات العامة، إلا أن موقف الحزب
الديمقراطي من المغرب فهو في الواقع ثابت و استراتيجي و يخضع لمعايير أخرى، خاصة و المرشحان هما مستقلان عن تأثير و نفوذ لوبي البترول و الغاز الأمريكي، الذي تحاول الدبلوماسية الجزائرية توظيفه في دعم أطروحة الانفصال و التفكك في المنطقة المغاربية. فالمرشحان يناديان معا بتحرير الولايات المتحدة الأمريكية من التبعية البترولية لدول المغرب العربي و الشرق الأوسط،و من هذا المنطلق، فالولايات المتحدة سواء كان أوباما أو ماكين، ستولي اهتماما كبيرا في المستقبل بوضع البوليساريو و علاقاته بالقاعدة و خرقه لحقوق الإنسان، و مطالبة إياه فتح مخيمات الصحراويين المحتجزين في تندوف (الجزائر) للمراقبة و التفتيش الدولي من لدن المفوضية العامة للشؤون اللاجئين و المنظمة العالمية للطفولة و منظمات المجتمع المدني، و تقديم كل مسؤول عن خروقات الإنسان إلى المسائلة الجنائية : انه كشف الحساب الذي سوف تطالب به الجزائر مستقبلا..
 
ختاما، إن الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية هي صناعة تعتمد على قوة المال و جماعات الضغط، فلا يمكن بيع جلد ماكين، الجندي السابق في فيتنام ولا تخفيض سقف شعبية براك حسين أوباما قبل 4 نونبر 2008.
 
 
 
 ذ.عبد الرحمن مكاوي
 
أستاذ العلاقات الدولية/جامعة الحسن الثاني
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد