إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

نزق ولوثة وأمل..؟

أستذكر إبداعاً لشاعر يقول “كم من البصاق نحتاج لتمريغ وجوه السفلة”، وأستسلم كما يخبرنا “الماغوط” لأحلام اليقظة التي تريني تلك الوجوه الممرغة وذاك الفرح الطفولي بتحقيق الأحلام المؤقتة قبل أن تصبح أحلاماً مؤجلة على طريق النسيان، قبل أن أستفيق على صرخات الحاضر تملؤها صرخة “إنّ الفهم بهذا الزمن سكاكين”.
لا أعرف لماذا ازداد غضبي ونزقي خلال هذه الفترة، ربما تتفاقم هذه السلبيات بتفاقم مجمل أوضاعنا وازديادها سفهاً وحماقةً، ربما هو لهو الكبار وعبث الصغار، أو ربما هي آفات التأزّم الشخصي والإخفاقات، أو ربما هي المزيج اللامتجانسُ من تلك الخلطات مضافاً إليها لوثة العقل، ذاك العقل المجمّد في ثلاجات الزمن الرديء.
عندما تغتال الطفولة وتمتهن كرامة الإنسان فلا عيب في اللوثة أو شدة النزق، ولا هو معيب أن نكشف بشاعة الكائن المريع المتلطي بستار الجسم البشري، الكائن الذي تحول إلى لعنة تفتك وتقتل وتلاحق الإنسانية، لعنة تحول الأطفال إلى متسولين ومستعبدين، أو مجندين ضمن فرق القتل العشوائي الإرهابي، أو مبعدين من مدارسهم وملاعبهم وحدائقهم إلى أحضان المشعوذين، أو ضحايا الأمراض والجوع والفقر محرومين من التعليم والرعاية، ولعلّه ذاك الضمير المغيّب أو المفقود لدى القوى المتلاعبة بأقدار الشعوب ألاّ تستفيق على عويل وصراخ الأطفال الذين هم لبنة مجتمع المستقبل، ربّما لا تعنيهم حقيقةً تلك الآلام وليس لها ترتيب بين أولويات مضاربات البورصة وصفقات السلاح والمخدرات، وليست صور مجاعات الأطفال وتشريد الأسر – جراء الفقر والجفاف والتصحر و الفيضانات والحروب المشتعلة لتغذي صناعة القتل المجانّي أو القتل لأجل عيون الحوريات والغلمان– من بين اهتمامات تلك الكائنات، فلم نرى حركة أو نسمع صوتاً لحكومات النفط أو أباطرة المال العرب تنصر صرخات الجياع والمحرومين والمنكوبين، أو ردة فعل لا تنسجم مع مصالحهم حول القتل الهمجي الذي يزداد حدةً وعسفاً وترويعاً عبر الطائرات العابرة للحدود أو المتفجرات الربانيّة أو بحروب الإبادة، لأنّ كلّ ذلك من صنعهم مجتمعين وحسب الحصص السهمية لكل منهم.
فلا عجب إذاً ألاّ يبقى هناك مكان للتفكير بالطفولة، فالمشردون يزدادون ولا نسمع قولاً لحرس حدود الجنة أو موقفاً لمفوضي الآلهة التلفزيونيين، ربما تسامحهم الآلهة نتيجة خسائرهم جراء أزمة الرهن العقاري وتبعاتها وما سيلحقها، أو ربّما انشغالهم باحتفالياتهم بافتتاح المساجد والجوامع، فلا حاجة لبلداننا (تبعاً لهم) لمشاريع التعليم والصناعة والصحة والتحضر بل الحاجة لمزيد من التفريخ الإرهابيّ وتفريخ التشريد، أو لربما هي انشغالاتهم بمشاريع التكاذب -للتقريب بين الأديان والمذاهب-وتخصيص الحصص ضمن غنائم السماوات.
كفى وتباً لكم فلا تخرّبوا طفولة أطفالنا كما خربتم جيلنا وما سبقه لمئات السنين، قتلتم روحنا وطفولتنا ومرحنا، آمالنا وأحلامنا، سخر العالم منّا ومن بطولات فرسان الخشب والدمى، كره العالم روحنا وكرهنا أنفسنا، لبسنا الذل بسببكم وقذفتم بلادنا ومستقبلنا وطموحنا تحت أقدام الطغاة والمتجبرين، لا نريد كذبكم وريائكم، ولكن أبعدوا شياطنكم عن أطفالنا، واخرسوا أمام غنائهم ولهوهم وخربشات دفاترهم، أبعدوا آلهتكم الموبوءة بالشر والقتل عن مناهجهم، وأزيحوا بعيركم عن طريق مستقبلهم وحياتهم، وأزيحوا قيودكم عن أيدهم وأغلالكم وخرافاتكم وحكايا جداتكم عن عقولهم فإنّهم سيبنون أوطاناً هدمتموها، وأبعدوا لحاكم عن وجوههم لتشرق شمسهم، لا نريد ولا يرغبون بمالكم “النظيف أو القذر” فكّله سواء يشتري النفوس والضمائر الخربة كضمائركم التي لم تحركها كل مآسي البشرية ولم تردع شروركم.
فيا أصحاب الضمائر لأجل أطفالكم وأطفالنا لنغنّي ونرقص ونلعب ونتعلم معهم ومنهم، لنرتقي لأنّا نحب ونستحق الحياة، ولأنّ دموعنا لم تفد ولن تكفي لتغسل عارنا إن خسرنا أو سمحنا بتشويه الطفولة.
30/10/2008
م.محمد أحمد
[email protected]

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد