إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

تحية إلى النائب الدكتور مصطفى البرغوثي

بقلم:سري سمور-جنين-فلسطين المحتلة

هناك مواقف تبين المعدن الحقيقي للناس،مواقف قد تأتي نتيجة ظروف خارجة عن الإرادة،أو متعمدة من إنسان تجاه آخر لاختباره؛تماما كما يفعل الصائغ عندما يفحص قطعة معدنية لونها مثل لون الذهب؛لكنه يقوم بفحصها ليحكم أولا إذا ما كانت ذهبا أم لا ،ثم ليحدد «عيار» الذهب الخاص بها!

والناس كذلك ،ولقد ابتلانا الله نحن معشر الفلسطينيين ابتلاءا قاسيا وصعبا تمثل باحتلال الأرض وتشريد الشعب،ومواصلة المخططات والاعتداءات من قبل المحتل منذ ستين سنة،وجاء الحصار الهمجي المفروض منذ عام ونصف تقريبا على قطاع غزة كحلقة من حلقات الصراع والبلاء.

وبلوانا نحن شعب فلسطين شكلت اختبارا نميز به الخبيث من الطيب والغث من السمين،وعرفنا أنه ليس كل ما يلمع ذهبا ،عبر الممارسة والاحتكاك مع العالم وليس كشعار مكتوب ؛ووصول «سفينة الأمل» يوم الأربعاء 29/10/2008م إلى شاطئ بحر غزة للمرة الثانية في محاولة لكسر الحصار ،أظهر لنا عموما ،ولأهلنا في القطاع خصوصا معادن الناس ،وصدق القائل:-

جزى الله الشدائد كل خير *** وان جرعننـي غصصاً بريقي
وما مدحي لها حباً ولكن *** عرفت بها عدوي من صديقي

وحديثي في هذا المقال مخصص لتقديم التحية للنائب الدكتور مصطفى البرغوثي الذي ركب على متن السفينة وجاء إلى القطاع المحاصر؛والحقيقة أنني قد أختلف مع الرجل في العديد من المواقف،ولي على خطه السياسي تحفظات لا أخفيها ،ولكن مصطفى البرغوثي كإنسان فلسطيني يتمتع بمكانة سياسية واجتماعية أثبت أنه رجل حرّ ،وأن هناك خطوطا حمراء لا يمكن له أن يقفز فوقها.

فالدكتور مصطفى حضر إلى القطاع وهو يختلف مع حركة حماس التي تديره علنا وبلا مواربة،ولكنه ظلّ يحترم حماس وقادتها،وظلوا بدورهم يحترمونه ،فهذا هو الخلاف في الرأي الذي نريده؛أن نكون يدا واحدة في مواجهة الحصار والعدوان والاحتلال ،وليحافظ كل منا على رأيه ولا يخفيه،ولنكن جميعا إسلاميين ووطنيين ويساريين ومسلمين ومسيحيين وسكان مدن أو قرى أو مخيمات صفا واحدا عند مواجهة الأعداء،تماما مثلما هم يفعلون معنا رغم أن ما يفرقهم أكثر بكثير مما يجمعنا ويوحدنا،ولكن على مدى العقود الطويلة الماضية كانت حربهم لنا توحدهم بكل أطيافهم ؛وليس مطلوبا أن يذوب أحد في الآخر ،فالوحدة ليست فقط من خلال الاندماج ،بل ممكن أن تكون من خلال التعدد ،وربما يكون هناك اندماج طبيعي وتلقائي بعد ذلك بزمن.

وموقف الدكتور مصطفى يدفعني لفتح بعض الملفات ولو بشكل سريع،لأن الدكتور من حيث قصد أو لم يقصد جعل من هذه الملفات قضايا حاضرة:-

1) قوى اليسار: مع بالغ الأسف فإن قوى اليسار ،والتي يعتبر د.مصطفى البرغوثي منها ،ولكنه بخطوته الأخيرة وخطوات أخرى سبقتها تميز بشكل إيجابي عنها،ظلت أسيرة عقدتين حكمتا سلوكها لا سيما في الفترة الأخيرة؛العقدة الأولى هي التقوقع خلف الاختلاف الأيديولوجي مع الحركة الإسلامية بعد تغليفه بكلمات وشعارات ومصطلحات سياسية ووطنية ،ولكن الحقيقة لا تخفى على أي مراقب،ولأن الشمس لا تغطى بغربال ؛والعقدة الثانية هي توهم حجم غير موجود على أرض الواقع،وتوهمها أن تحل كبديل للفصيلين الكبيرين فتح وحماس ،ولقد تجاوز د.مصطفى هاتين العقدتين منذ مدة طويلة وتحرك بما يمكنه أن يتحرك به بعيدا عن الوهم وعن حصار الذات داخل قفص أيديولوجي ضيق،وأنا هنا ألفت نظر قوى اليسار الفلسطيني لمسألة هامة وتجربة مفيدة؛فاليسار في دول مثل فنزويلا وبوليفيا وأمريكا اللاتينية عموما نجح في عمل مزاوجة بين الكنيسة والاشتراكية؛فلماذا أصر اليسار قديما على حرب المسجد هنا في العقود السابقة ،وإلى تجاهل دوره المحوري حاليا؟!

2) نواب التشريعي في الضفة الغربية:  كما نعلم فإن نواب كتلة التغيير والإصلاح في الضفة الغربية يقبع معظمهم في سجون الاحتلال بما في ذلك رئيس المجلس د.عزيز دويك،نسأل الله أن يمن عليهم بالفرج القريب،ومن تبقى منهم لا يمكنهم السفر والتحرك بحرية بسبب منعهم من السفر،وهنا وجب على بقية النواب التحرك الشعبي لإنهاء الحصار،ولكم تمنيت أن أراهم برفقة الدكتور مصطفى البرغوثي على متن سفينة الأمل فمن المعيب أن نرى برلمانيين أجانب يبحرون إلى غزة ويكسرون الحصار فيما نواب شعبنا مشغولون بقضايا أخرى،خاصة أن نواب الكتل الأخرى مسموح لهم السفر بحرية خارج الوطن؛وأخص بالذكر هنا نواب حركة فتح وقد يكون تبريرهم هو أن قطاع غزة محكوم من قبل «كذا وكذا…» وهذا لا يعفيهم من المسئولية الوطنية أولا ،وفي ظل أجواء الحوار مطلوب منهم التحرك إيجابيا ثانيا ،إن نواب الضفة الغربية ممن هم خارج السجون–بمعظمهم- مع بالغ الأسف انشغلوا بالجلوس في استديوهات الفضائيات لممارسة الردح والشتم أحيانا ،أو التنظير السلبي ،فإلى متى؟لقد سبقكم د.مصطفى البرغوثي،فمتى ستلحقون به؟!

3) مصر وبقية العرب: من العار أن يستمر الحصار ،ومن المعيب بحق مصر الكنانة منع المتضامنين من الوصول برّا إلى القطاع،علما بأن قوة المقاومة في القطاع هي في صالح مصر كدولة ،وأنا هنا لست في موقع أنا لست أهلل له أي رسم مصالح دولة عريقة مثل مصر ،ولكن كل مصري مراقب أو في موقع المسئولية يدرك أن غزة غلاف ودرع استراتيجي لمصر،ولكنها الضغوط الخارجية؛وبسبب هذه الضغوط شنّ الأمن المصري حربا على الأنفاق،وتستمر السلطات هناك بإغلاق معبر رفح واعتقال العديد من المقاومين ؛ولكن حتى متى؟ألم يسمع الإخوة في مصر بتصريحات المجرم ليبرمان؟أولا تذكرون كيف بلغت شعبية مصر ورئيسها أوجها عند إزالة الجدار الحدودي بداية العام الجاري،ولبقية العرب أرسلت سفينة الأمل رسالة أمل لكي ينفكوا من سلبيتهم وخضوعهم لضغوطات غير المأسوف عليهم ،عصابة القتلة في واشنطن!

4) المهنية لا تتعارض مع الوطنية: كثر الحديث عن تشكيل حكومة تكنوقراط ومن يروّجون لذلك يريدون أشخاصا أشبه بالآلات ولا يعنيهم الوطن ولا تشغلهم القضية،ولكن د.مصطفى البرغوثي يشكل نموذجا حيّا للسياسي وحامل التصور والرؤية للقضية مع تأدية الواجب المهني على أكمل وجه،فالدكتور مصطفى نجح كطبيب في الشأن الصحي (الإغاثة الطبية) وفي حكومة الوحدة الوطنية التي تولى فيها وزارة الإعلام أبدع في ما كلّف به؛وأرى أن أي حكومة قادمة يجب أن لا تغفل البرغوثي وأمثاله من شتى ألوان الطيف السياسي ممن لهم توجه سياسي ويحسنون القيام بدورهم المهني.

لهذا وجبت تحية الدكتور مصطفى البرغوثي،والشد على يديه،وندعو الله أن يوفقه في خدمة شعبه وأمته..فألف تحية وشكر للنائب الدكتور مصطفى البرغوثي.

استدراك: رغم أن المقال مخصص للدكتور مصطفى البرغوثي ولكن لا أنسى الآخرين ،فالتحية العطرة للنائب جمال الخضري الذي لا يكل ولا يمل ولا تعرف عيناه النوم في سبيل رفع الحصار عن أهله وأهلنا في القطاع الصامد…وألف تحية لمن وصلوا على متن السفينة جميعا بلا استثناء مع حفظ الألقاب؛تحية للدكتور إبراهيم حمامي،وتحية إلى الأخت لبنى مصاروة،وإلى حاملة جائزة نوبل السيدة «ماريد ماجوير» وإلى الصحفي أمير صديق…وإلى كل من وصل وإلى كل من يرغب بالوصول….ومزيدا من التضامن لكسر الحصار الجائر بإذن الله.

،،،،،،،،،،،

سري عبد الفتاح سمور

قرية أم الشوف المدمرة قضاء مدينة حيفا المحتلة

حاليا:جنين-فلسطين المحتلة

الجمعة 2/ذو القعدة/1429هـ،31/10/2008م

بريد إلكتروني:-

[email protected]

[email protected]

[email protected]

مدونة:http://sammour.maktoobblog.com

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد