نهضة تتجاوز الأيديولوجيات

0

 

نهضة تتجاوز الأيديولوجيات
بقلم محمد رياض
  الجماهير الغاضبة المناهضة للحرب على العراق والجماهير التي خرجت لدعم الإنتفاضة الفلسطينية الثانية في بداياتها والحشود التي خرجت إحتجاجاًَ على الرسوم الدنماركية المسيئة وجموع العمال والفقراء الساخطة على سياسة النظام في المحلة وغير ذلك مما شهده الوطن العربي من حراك شعبي خلال السنوات الثمانية الماضية تميز بالعفوية وبغياب التاثير الحزبي توجيهاًَ وتحريكاًَ وتنظيماًَ وإستثماراًَ.
وقد برهنت هذه التحركات الإحتجاجية الشعبية على فقدان الأحزاب الأيديولوجية التقليدية على تنوع مشاربها الفكرية لزمام المبادرة في الشارع العربي بل لقد بلغ العجز عند بعض هذه الإحزاب إلى حد إضطرارها لمسايرة حركة الشارع العفوية خوفاًَ من فقدانها لما تبقى لها من سمعة في الشارع المحلي, بينما كانت نفس هذه الأحزاب في مراحل سابقة (الخمسينات والستينات لليسار والثمانينات والتسعينات لليمين) هي من تقرر للشارع سبب وتوقيت وماهية الخروج في أي تحرك جماهيري.
المواطن العربي الغاضب في الألفية الثانية لم يعد يتظاهر مطالباًَ بالوحدة والحرية والإشتراكية كما كان عليه الحال في خمسينات وستينات القرن المنصرم ولا حتى للمطالبة بتطبيق الشريعة ومحاربة الفساد والفجور كما كان عليه الحال في الثمانينات والتسعينات.
المواطن العربي الاّن يخرج غاضباًَ لإختفاء الخبز من المخابز او محتجاًَ على غلاء الأسعار أو معبراًَ عن قهره الطبيعي من قيام أمريكا بغزو العراق وقتل إخوانه هناك وإستباحة أرضهم وأعراضهم. وهذا يدل على فقدان هذا المواطن لثقته بالأطروحات الايديولوجية القديمة, وبعبارة اخرى أصبح المواطن العربي في القرن الحالي أكثر واقعية وفهماًَ لما يمس أمنه الشخصي وما يدور حوله من أحداث .
الأيديولوجيات بالنسبة للمواطن العربي الحالي تعبر عن فلسفات غير مفهومة, والشباب العربي المعايش لتعقيدات الحياة المعاصرة ومتطلباتها لم يعد عنده الوقت او المزاج لقراءة لينين وماركس وسارتر والكواكبي ومحمد رشيد رضا.
الشباب العازب المكافح يريد الزواج, والمتزوج يريد التخلص من تبعية الإيجار وشراء شقة. الفقراء يريدون الخبز واللحم في المناسبات. العاطلون عن العمل من حملة الشهادات يريدون وظائف مناسبة والعمال العاطلون يريدون مصانع ومعامل تحتويهم.
المواطن العربي مقهور لأنه لا يحصل في أغلب الأحيان على ما يسد إحتياجاته ويلبي طموحاته, ولأن أحلامه دوماَ تذهب أدراج الرياح, وهو لذلك يعبر عن حالة القهر هذه بمساهمته في تلك التحركات الإحتجاجية الجماهيرية العفوية.
سيكولوجية الإنسان المقهور هذه يمكن أن تكون أحد أهم محركات النهضة القادمة. الرغبة في الثورة على الوضع الراهن وقلب الموازين وتغير الواقع السياسي والإقتصادي والإجتماعي والسعي نحو تحقيق العدالة الإجتماعية ستكون عنوانين المرحلة القادمة بلا شك.
إتساع رقعة التفاوت الطبقي في الوطن العربي وتركز رأس المال الوطني في أيدي فئات محدودة وغلاء الأسعار الفاحش وإستمرار الأنظمة الحاكمة في إستفزاز مشاعر مواطنيها المتأججة اصلاًَ بإنحيازها السافر لمعسكر أعداء الامة وخطاب أجهزتها الإعلامية المناهض لقوى المقاومة العربية وممارسات اجهزتها الأمنية في قمع الحريات والتضيق على المواطنين, كل هذا سيقود المنطقة بإتجاه إنفجار إجتماعي رهيب ليس له حدود معلومة.
وسيحرك دفة هذه الثورة الشعبية القادمة أولئك القادرون على تمثيل مصالح الجماهير الغاضبة والتعبير عن أمانيها في تحقيق العدالة الإجتماعية ونشر الحريات والتقريب بين الطبقات وإعادة توزيع الثروة القومية.
وهكذا تتشكل العنوانين الرئيسية لمرحلة النهضة القادمة.

 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.