إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

هنا دولة كذا

هنا دولة كذا    د/ نصار عبدالله
إحدى هواياتى التى لازمتنى منذ صباى إلى الآن هى التجول بمؤشر الراديو بين إذاعات العالم المختلفة ، ومنذ أن بدأت أمارس هذه الهواية فى مطلع الخمسينات من القرن الماضى كان يلفت انتباهى دائما أن الإذاعة الإسرائيلية تحرص حرصا خاصا على تقديم نفسها بأنها إذاعة : ”دولة “! ، ..لا يفوتها فى أية مناسبة من المناسبات أن تركز على كلمة … ” دولة “!!..خلافا لسائر الإذاعات الأخرى التى نادرا ما يرد فيها لفظ ” دولة ” بشكل مباشر ،…. مثلا تسمع فى الإذاعات الأخرى: “هنا لندن” أو :”هنا واشنطون” وليس: “هنا دولة بريطانيا” أو: “هنا دولة أمريكا” !!،   والواقع أن هذا المسلك من جانب الإذاعة الإسرائيلية هو أمر طبيعى ومفهوم حيث إنها بهذا توجه رسالة مزدوجة إلى العالم العربى وإلى نفسها فى وقت واحد، أما رسالتها إلى العالم العربى فهى رسالة ملؤها التحدى والإذلال .. لأنها ببساطة تقول لهم : ، نحن دولة رغم أنوفكم ..وسواء اعترفتم أو لم تعترفوا، سواء رضيتم أو كرهتم،   فنحن دولة … “هنا دولة إسرائيل!!! “، ثم هى فى الوقت ذاته توجه رسالة إلى الذات ملؤها الزهو بالحلم الذى تحقق بعد جهد تواصل على مدى نصف قرن تقريبا منذ أن انعقد المؤتمر الصهيونى الأول فى مدينة بال بسويسرا عام 1897 وحتى قيام الدولة عام 1948!!! …ومع هذا فلئن كان هذا المسلك مفهوما وطبيعيا من جانب الإذاعة الإسرائيلية فإن من المدهش حقا أن يتوازى معه مسلك إذاعات بعض الدول العربية أو بشكل أكثر تحديدا بعض الدويلات العربية التى لن أسميها بالإسم ، وإن كان بوسع القارىء العزيز أن يتعرف عليها بسهولة إذا ما خطر له أن يقوم بجولة بين مختلف الإذاعات العربية … حيث سوف يلفت نظره بوضوح أن بعضها يحرص حرصا شديدا على تقديم نفسه بقوله : ” هنا إذاعة دولة كذا ” ، …..والدوافع فى هذه الحالة مختلفة إلى حد ما عن الدوافع الإسرائيلية وإن تشابهت معها فى بعض الجوانب ، فتلك الدويلات فيما يبدو توجه رسالتها فى الغالب إلى الذات قبل أن توجهها إلى جيرانها أو إلى العالم الخارجى ، إنها فيما يبدو ينتابها شىء من الشك فى أنها دول بالفعل ولهذا فهى لا تفتأ تكرر : ” هنا دولة كذا “!!، لعلها من فرط التكرار تصدق نفسها أو لعلها تدفع الآخرين إلى تصديقها !! .. واحدة من تلك الدويلات التى يبدو أن جرعة الشك لديها أكبر من المعتاد …راحت تسرف فى إحاطة نفسها بكل تلك المظاهر التى تتسم بها ـ لا دولة حقيقية فحسب ـ بل والتى تتسم بها أيضا دولة زعيمة وقائدة!! …فقد قامت تلك الدويلة بإنشاء جهاز إعلامى وثقافى ضخم كفلت له قدرا هائلا من حرية التعبير والنقد والهجوم على كل شىء ( ما عدا تناول الطبقة الحاكمة فى بلادها) …, ولأن تلك الدويلة تشعر فى أعماقها أن الدولة العربية الأكثر ثقلا وأهمية هى مصر ، ولأنها تشعر بأن الريادة قد انعقدت فى مراحل شتى من التاريخ لمصر عندما كانت تلك الدويلة ذاتها لم توجد بعد ، ولأنها على الأرجح تشعر بأنها سوف تتضاءل جدا إذا ما قورنت بمصر ، حتى إذا كانت مصر نتيجة لظروف طارئه قد تراجع نسبيا دورها الفاعل والمؤثر، لأن تلك الدويلة على الأرجح تشعر بذلك ، فربما كان ذلك هو السبب فى أن الشغل الشاغل لجهازها الإعلامى هو التقليل من الحجم المصرى والتركيز المستمر على سلبيات الحقب الثلاث : الناصرية والساداتية والمباركية، وللأسف الشديد فإن بعض الذين ينهضون بتلك المهمة هم مذيعون وإعلاميون مصريون ، يستضيفون فى أغلب الحالات ضيوفا مصريين ، يعبرون عن وجهتى نظر متقابلتين ويمنحون فرصا تبدو ظاهريا وكأنها متكافئة بينما هى فى حقيقة الأمر منحازة إلى أحد الجانبين ، وهو بطبيعة الحال الجانب الذى يخدم سياسة تلك الدويلة فى محاولة الإنتفاخ بحجمها إلى حجم دولة ” راسخة ” ، … لعل القارىء الآن قد عرف المقصود بتلك الدويلة وأمثالها من الدويلات التى تحرص الإذاعة فى كل منها على أن تهتف بين الحين والحين : ” هنا دولة كذا “
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد