إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

أسئلة تبحث عن أجوبة حول الجديد في سرّ أسرار تصفية "أبو عمَّار".. بقلم: نبيل أبو جعفر *

أسرار تصفية "أبو عمَّار"
لم يأت الأخ ناصر القدوة ، ابن شقيقة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بأي جديد في كلامه الذي وقّته قبل يومين من الذكرى الخامسة لغيابه ، حين استبشر بإمكانية الكشف عن سبب وفاته في غضون سنة او اثنتين من الآن ـ حسبما قال ـ .
 
 
 
ودون أن نسأل لماذا لا نسمع بمثل هذه “المعلومات” على لسان أي مسؤول فلسطيني ـ رغم خلوّها من أي جديد ـ حتى ولو عند حلول هذه الذكرى فقط ، نستطيع الجزم على أنه مهما ظهرت مستجدّات على هامش قضية تصفية الرئيس الراحل ياسر عرفات، فإن الواضح أن كل من عليه مسؤولية متابعة الموضوع لإظهار الحقيقة، بدءاً بالسلطة وليس انتهاءً باللجنة التي كلّفتها بمتابعة الملف فنامت عليه ، ينطبق عليهم القول “الضرب في الميّت حرام”.
 
هؤلاء الذين كلّما مرّ عام جديد على تصفية قائدهم دون أن ينكشف سرّ ما حلّ به أركنوا إلى أن القضية قد طواها الزمن، يأسف الإنسان أن يرى في شعبنا نماذج لهم ـ مع أنهم كانوا رجاله وكنا في صف معارضيه ـ ، فكيف إذا كانت هذه النماذج من رفاق عمر الراحل، وممن كانوا جميعاً طوع إرادته في كل صغيرة وكبيرة، ومنهم قادة وكوادر متقدّمة ارتضوا بيع الرجل منذ اللحظة التي غادر فيها “المقاطعة” الى المستشفى العسكري في باريس، وشعروا من وقتها أنه لن يعود، أو على الأقل لن يعود كما كان من كافة الوجوه!
 
أربع سنوات مرّت دون أية متابعة جدّية باتجاه الكشف عمّا أحاط المسلسل المفاجىء لتدهور صحة “أبو عمار”، وصولاً الى وفاته خلال ثلاثين يوماً من تناوله “العشاء الأخير”، مع أن أي محقّق مبتدىء لا بدّ أن يعمد إلى سؤال كل من حطّ رجله في “المقاطعة”، – بدءاً بمن هُم فوق الشبهات – عن تصوّره على الأقل أو عن شكوكه بمن هم “تحت الشبهات”. لذلك اقتصرت النتيجة على الإكتفاء بالتقرير اليتيم التي ضحكت به اللجنة علينا في الذكرى الأولى لرحيل الرئيس، ولم يتضّمن أي جديد يمكن أن يزيد الإنسان الفلسطيني أو العربي معرفة، غير سرد قائمة الفحوصات الطبية والمخبرية التي أُجريت له، وهو أمر بديهي لأي مريض في حالته، وقد تضمّنه التقرير الموجود نسخة منه في مستشفى بيرسي العسكري، والذي سُلّم بعد وفاة “أبو عمار” مباشرة الى كل من زوجته وابن شقيقته الأخ ناصر القدوة.
 
 
 
إستذكار مسرحية النفاق
 
كلنا يذكر سيل التصريحات الأبعد ما تكون عن الحقيقة التي كان يدلي بها عدد من المسؤولين الفلسطينيين من باريس حول صحة الراحل يوم كان في المستشفى، وكيف أظهر كلٌ منهم نفسه وكأنه مطّلع، يعرف، ويلاحق كل شي، بينما كانوا كلهم كما قلنا على صفحات “البيادر” يومها لا في العير ولا في النفير، (مع التشديد على كلمة كلّهم). حتى أن بعضهم لم يكن يجرؤ على الظهور في ردهات المستشفى، بل ينزوي على السلالم وفي الزوايا غير المرئية، بعيداً عن أعين الذين يمكن أن ينظروا إليه شذراً، وربما يسألوه ماذا يفعل هنا، وبأي صفة يتواجد، وليوضحوا له أن الوحيدين المسموح لهم – في هذه الحالة – هم أهله. وأهله – في هذه الحالة أيضاً – هي زوجته.
 
زوجته سهى الطويل كانت الوحيدة – وما زالت حتى الآن – التي تعرف كامل السّر المسكوت عنه، والذي لم يعد أحد يهتمّ بكشفه بعد أن لحست أرملة الرئيس “بيان المستورثين” الذي كتبته لها الأكثر خبرة منها، وقرأته هي كأي مذيعة في الراديو أو التلفزيون، فكان أقصر الطرق نحو إبرام صفقة المقايضة بين التوريث السلطوي مقابل “التوريث” المالي على الفور! وهكذا تمّ حل الإشكال الذي احتل عناوين الصحف الباحثة عن الإثارة.
 
ولكن هذا الحل لم يُقفل القضية الأساس، بل فتح باب الأسئلة التي ستبقى مطروحة الى أن تُكتشف الحقيقة ولو بعد حين. والحقيقة المقصودة هنا لا تتعلق بمسؤولية الكيان الصهيوني عن الجريمة، فهو أمر مؤكد ومفروغ منه، بل حقيقة ذراعه أو أذرعه داخل المقاطعة، وغير البعيدة – ربما – عن المحيط الأقرب للرئيس، الذي أخذت على عاتقها تنفيذ الجريمة سواء بالسم عن طريق الفم أو اللمس أو الشمّ. أو حتى بـ “تلغيم” وسادته أو شرشف سريره أو ملابسه الداخلية بالمادة القاتلة.. إلى آخر الاحتمالات، وكل الاحتمالات واردة، وهي تؤكد أنه لم يُدَسّ له فقط سُم “الريسين” النادر وغير المعروف – ع
لى حد قول الأطباء الفرنسيين -، والذي تزول آثاره ببدء مفعوله، بل بفايروس آخر أطول “عمراً” في جسم الإنسان وهو “الإيدز”، سعياً وراء هدفين إثنين: أولهما التغطية على السُم المميت الأول من خلال ظهور “سبب آخر” للحالة المرضية، وثانيهما محاولة تشويه الرمز النضالي لشعبنا – مهما اختلف المرء معه أو كانت لديه تحفظات على طريقته في ممارسة السلطة، أو أسلوبه في “هندسة” التنازلات واعتماد المفاوضات السريّة التي أصبحت كلها علنية بعد رحيله.
 
 
 
أسباب الريبة والشك
 
نعم، دُسّ له فيروس الإيدز، وهذا هو “السرّ الوحيد الذي باح به مستشفى بيرسي إلى طبيبه الخاص “أشرف الكردي في الإيميل اليتيم الذي تلقاه بعد وفاته، وهو أمر يثير الريبة بعد كل ما سمعناه على لسان الكردي من تأكيدات حول إتصالاته المتعددة مع المستشفى، ومحاولاته التحدث مع الأطباء الفرنسيين الذي تولّوا الإشراف على حالة “أبو عمار”، دون أن يردّ عليه أحد، أو يعود للإتصال به رغم تركه ملاحظات تقول أنه طبيبه الخاص ولديه ما يريد قوله والإستماع اليهم أيضاً.
 
تُرى، ما الذي دفع المستشفى إلى تذكّر الدكتور الكردي في وقت لاحق للوفاة وخصّه برسالة قصيرة تقول حسبما أعلن على لسانه: “جاءنا فلان الفلاني في التاريخ الفلاني ودخل المستشفى وبفحصه وجدنا أن دمه مليء بـ H.I.B.V (أي فيروس الإيدز المسبب لمرض نقص المناعة)؟!
 
إذا علمنا أن المستشفى غير مخوّل بإعطاء سرّه إلى أحد باستثناء زوجته، وهذا ما أعلنه الوزير دوست بلازي أمام الصحافيين قائلاً: “هناك قانون فرنسي يقول أن السرية الطبيّة عائدة إلى العائلة وأصحاب الحق، أو يمكن نقلها إلى الطبيب الذي تحدّده العائلة”، لأصبح واضحاً كالشمس أن “أمر” تبليغ الدكتور الكردي بهذه الجزئية الوحيدة والغريبة والمثيرة لكل الشكوك كانت وراءه زوجة الرئيس الراحل.
 
جدير بالذكر هنا أن المستشفى الفرنسي ليس هو الجهة الوحيدة التي لم تردّ على الكردي، بل رفاق “أبو عمار” الذين تبرّع بعضهم بتصريحات مضحكة لتناقضها الصارخ مع الواقع، ولنفاقها المفضوح أمام كل من يسعى إلى معرفة الحقيقة دون تزيين أو تزييف، من خلال التأكيد اليومي على أنه بخير ووضعه مستقرّ، وسيعود إلى شعبه قريباً… وأنه قابل وتحدّث وأكل… الخ، ثم مفاجأتنا في اليوم الثالث لدخول “أبو عمار” المستشفى بالقول “إنه قد صحا وأكل وتعرّف على الموجودين وحتى مازح الأطباء”؟!، وهذا يعني أنه لم يكن يأكل في الأيام التي مضت، ولا يتعرّف على أحد، ولا يقوى على الكلام أو المزاح بالطبع.
 
 
 
لماذا كلهم رفضوا؟
 
رفاق “أبو عمار” الذين لم يستدعوا طبيبه الخاص إلاّ في اليوم الثامن عشر على مرضه إثر “العشاء الأخير”، والذين تلكأوا في إرساله الى الخارج للعلاج، لم يستجيبوا لطلبه منهم أن يأخذوا ثلاث عينات من دمه الى ثلاث دول شرقية وفحصها هناك، نظراً لدرايتهم في هذه النوعية من السموم “غير المعروفة”، ولما عاود التأكيد على طلبه أجابه الأخ أبو اللطف “إنهم لا يريدون”. ولدى استفسار الكردي عن المقصود بـ “أنهم”، هل الأطباء أم رفاق “أبو عمار” المتواجدين، جاءه الجواب: “كل الموجودين هنا”.
 
وهكذا تصبح الصورة بكل إيجاز: أرملته ارتأت إبلاغ جزئية “الإيدز” فقط لطبيبه، رغم علمها بالطبع أن هذا المرض لا يُميت أبداً بهذه السرعة، وأنه لم يمت مسموماً بالزئبق الذي أنقص الكريات الحمراء في دمه، كما قال الأخ بسام أبو شريف، لأنه لم يكن يعاني من هذا النقص بل من نقص في الصفائح الدموية حسبما قال الدكتور الكردي، وثمة فارق بين الإثنين.
 
ثم، رفاق درب الرئيس الراحل الذين لم يروا ضرورة لإرسال عينات من دمه لفحصها حيث يمكن معرفة السر؟! ثم لم يروا داعياً لتشريح جثته بعد ذلك، عندما أصبحت “تحت سلطتهم” بعد إتمام “المقايضة” وإنتهاء الإشكال!
 
وسط هذه الأجواء المريبة والمثيرة للشكوك التي ما زالت مستمرة حتى الساعة، خرج علينا الأخ بسام في العام الماضي وتحديداً في 5 آب/أغسطس 2007 بالجديد الذي لا جديد فيه عندما قال “إن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك يعلم جيداً كيف قتل عرفات، وأنا أتحدّى أن ينف
ي”؟
 
طبعاً نبرة بسام وطريقته المعتادة في الكلام أعطت للمتتبعين إنطباعاً وكأنه قد كشف سرّ الأسرار، أو “أخرج الزير من البير”، مع أن ذلك ليس دقيقاً بالحصر. ولا تعود عدم دقّته إلى أن شيراك لا يعرف، بل تعود إلى أنه ليس هو الوحيد الذي يعرف.
 
فالسيدة سهى تعرف مثله – ربما أكثر – لاعتبارات عديدة لعل أبرزها أولاً بداهة أنها زوجته المعترف لها وحدها بالحق في ذلك وفق القانون الفرنسي. والقانون في بلد مثل فرنسا فوق رأس الرئيس وليس ملك يمينه وشماله كما في بلادنا الزاهرة بديمقراطيتها بعد استشهاد “الدكتاتور الوحيد”؟، وأبرزها ثانياً أن الرئيس في بلد مثل فرنسا أيضاً ليست له سلطة دسّ الأنف في قضية شخصية من هذا النوع. ولا يمكنه مصادرة حق ليس له.
 
حقه الوحيد في هذه الحالة يعود الى الجانب السياسي المخفي من الجريمة، وهذا الجانب – السبب هو على معرفة يقينية به قبل الفحوص وظهور النتائج، وسواء أُعلن عن تسمّمه أو تكسّر صفائحه الدموية… لا فرق.
 
 
 
عدة تساؤلات مشروعة
 
لكن ثمة جانب أهم وأخطر في كلام الأخ بسام، وهو إشارته الى معرفته بالجاني، ولكنه لن يبوح بذلك “لأسباب أمنية”؟
 
إذا صحّ هذا الكلام، وما زال يصرّ عليه، بينما سلطتنا “نائمة في العسل”، دون أن تستفسر منه على الأقل بعض التفاصيل، فتلك مصيبة المصائب. لكنني أكاد أوقن أنه يُخمّن كما نخمّن نحن جميعاً،ويقيس كما نقيس، ولديه مؤشرات عن كثب تمتزج فيها الوقائع بالمعلومات بالإحساس الشخصي الذي لا يخيب في كثير من الأحيان إذا كان بعيداً عن الهوى.
 
لا أحد يدري حتى الآن، لماذا لا تتحرك سلطتنا لمعرفة الحقيقة وهناك من “يزايد” عليها بمعرفة المجهول؟ أين اللجنة المكلّفة بمتابعة ملف تصفية “أبو عمار”؟ لماذا التلكؤ في علاجه، واستبعاد طبيبه الخاص، ثم أخيراً وليس آخراً: هل لقي الرئيس الراحل وجه ربّه بصورة طبيعية ودون تدخّل من أحد، أم أن ثمة من رجّح تنفيذ خيار “الموت الرحيم” بالنسبة له؟
 
فعلاً يعزّ على الإنسان أن يرى كيف يستطيب الأخوة النوم على قضية أخيهم الكبير. فناقص العقل أو المتواطىء وحده هو الذي لا يرتاب في تجمع جملة الأسباب التي فرضت هذه التساؤلات، والمؤكد هنا ونحن على مشارف انتخابات قريبة أن من يتعهّد جدّياً بإعطاء أولوية خاصة لكشف الحقيقة الكامنة وراء تصفية “أبو عمار” سينال دعم الناس إذا كان جديراً بالثقة وغير مشكوك فيه.
 
صحيح أننا أسماك صغيرة في عالم مليء بالحيتان ـ حسب تعبير سمعته من لسان الرئيس الشهيد صدام حسين قبل ثلاثين عاما ـ   لكن حتى العصابات من أيام آل كابوني الى اليوم لا تنام على ضيم، ولا تُمرّر جريمة استهداف عنصر فيها، فكيف بحركة تحرير رائدة دفعت أنهراً من دماء الشهداء؟
 
هل هناك أقسى من هذه المقارنة التي فرضها واقع الحال المعاش؟
 
مع الأسف… لا؟                                                                  
 
 
 
 * كاتب وصحافي عربي يقيم في باريس    
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد