إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

عذرا يا سادة .. من أجل أطفالنا

عذرا يا سادة .. من أجل أطفالنا
بقلم: علي عبيدات
طفلٌ في العاشرة من العمر، يهرب مهلوعا، وآلاف مؤلفة تهبط عن المدرج، أصوات صراخ، وغبار معركة، وأخيرا صوت الرصاص الحي، كان المفاجئة، عذرا يا سادة فهذا المشهد ليس لاجتياح اسرائيلي، بل لاجتياح من نوع آخر في مباراة كرة قدم، مسرحها ستاد اريحا الدولي.
بالأمس وكإعلامي عاشق ومتابع للدوري الفلسطيني، وكمشجع محب لنسور العاصمة حتى النخاع، توجهت لمدينة القمر، التي نحبها وتحبنا، نعشقها وتعشقنا، نسامرها وتسامرنا، كي أتابع متعة كرة القدم، في قمة مباريات الدوري في أسبوعه الثاني عشر بين الأخوة والأشقاء جبل المكبر والظاهرية.
على بوابة ستاد أريحا، أمرني أحد الشرطة بأن أخلع “حزامي”، فأجبته باني صحفي وأن “حزامي” لا يمكن أن يستخدم في “طوشه” أو “شغب”، ولكنه لم يقتنع، إلا عندما رأى “حزامي” وإذا به خالٍ من أي ملحقات صلبة، فأدخلني، راقبت المشهد للحظة، فرأيته مقاربا لمشهد تفتيش اعتدنا عليه على معابر الاحتلال، فما هكذا تساق الابل يا أحبتنا في أجهزة الأمن الفلسطينية.
نحن لسنا باي حال من الأحوال ضد الأمن في الملاعب، ومع كل خطوة يخطوها الأحبة أفراد الأجهزة الأمنية لضبط الأمور، ولكن المشهد لم يكن مطابقا أبدا لمدخل ملعب كرة قدم، ومشهد أفراد الامن الذين يلوحون بالهروات بداية المباراة لم يكن يليق لا بنا ولا بهم.
كان الأداء رائعا ومميزا، والجمهور رائعا ومبهرا، يلوح بالأعلام الفلسطينية، الكل مستمتع سواء جاء ليشجع غزلان الظاهرية أم نسور المكبر، كلهم يحبون فلسطين، بالأعلام بالرايات بالحناجر التي تهتف للقدس العربية، باليافطات التي كتبت وعلقت على جنبات الملعب، تعاهد الرئيس الراحل في ذكراه، وتؤكد على أن القدس ستبقى عربية في ذكرى الاستقلال، هكذا أراد لها مشجعي نسور الجبل أن تكون، ليلة فلسطينية جميلة.
مع بداية الشوط الثاني، وإحراز الظاهرية للهدف عن طريق اللاعب المميز اسماعيل العمور، حافظ جمهور النسور على هدوئه، وبقي يهتف لفريقه حتى بداية أحداث الشغب، وهنا لا بد أن يكون لنا وقفة مع النفس ومع الذات لننظر لما حدث بموضوعية وحياد.
عندما بدأ بعض الفتية من الجمهور بالقاء المقذوفات على الملعب، سارعت رابطة المشجعين بالسيطرة على الموقف، وتم تهدئة الجو، ولكن سرعان ما ثار البركان، العشرات من أفراد الأمن يهاجمون مدرج المكبر ويوقعون بمشجعيه إصابات مباشرة.
هنا لم يكن بمقدور أحد السيطرة على الموقف، وتفاقم الموضوع وازداد سوءً حتى تدخل الكبير اللواء جبريل الرجوب، الذي شاهد بأم عينه ما حدث، فقام بشكل مباشر بالتوجه لمدرجات المكبر والجلوس مع جماهيره، في رسالة واضحة لا تحتاج لتفسير.
انتهت المباراة بالتعادل، وكان ما كان، وأداء الفريقين كان رائعا، وترفع القبعات للفريقين، ولجمهورهما الراقي، فالشغب لم يكن بين الجمهورين، فجمهور الغزلان كان رائعا وودودا ومميزا، لكن الأمن كان طرفا مباشرا فيما حدث، وردة فعله العنيفة تثير مزيدا ومزيدا من الاستفهامات.
وهنا لا بد أن نتسائل أي جرم نقترفه بحق أطفالنا، ماذا سيقول مشجع لأولاده عن اعتداء الئرطة بصورة عنيفة عليه، وعن مشهد المصابين الكثر، والأطفال الذين داستهم الأقدام، والشيوخ الذين سقطوا من أعلى المدرج وصولا إلى أرضية الملعب، البعض كسرت كتفه، وآخر مصاب في قدمه، وآخرون أصيبوا بالإغماء، من سيجيب هؤلاء عن سبب ضربهم والاعتداء عليهم؟.
ردة فعل أجهزة الأمن العنيفة بحق جمهور المكبر كانت بصورة مبالغة بشكل كبير جدا، ومن يشاهد المباراة سيلاحظ ذلك، وفيديو المباراة يثبت ذلك أيضا، قد يكون بعض الفتية ألقوا بعض المقذوفات على الملعب، وتمت السيطرة عليهم، لكن من أعطى الأوامر لأفراد الأجهزة الأمنية بالهجوم على مدرج المكبر، ومهاجمة كل من فيه دون استثناء، فهراوات الأمن استهدفت الجميع دون تمييز، ودون سابق انذار، يتحمل مسؤولية المهزلة التي حدثت.
ما حدث في ملعب أريحا لم يكن حالة نادرة، وكان قد حدث في ملعب جنين، في مباراة عسكر والمركز، وحدث بالأمس في ملعب طولكرم في مباراة الهلال وبلاطة، والإشكالية تكم
ن في فهم أفراد الأمن لواجبهم، فهم في الملاعب لحفظ الأمن وليس لإثارة الشغب.
والحل هنا يكمن في ضرورة تأهيل وتدريب أفراد أمن مؤهلين ومدربين للتعامل مع ظاهرة شغب الملاعب، كي لا نتجاوز الخطوط الحمراء ونطلق الرصاص الحي في صورة مبثوثة عبر كل الأقنية، وفي الجانب الآخر ضرورة أن تتعامل روابط المشجعين بحزم مع كل من يحاول إثارة الشغب، بكل الطرق والوسائل الممكنة، وأن تتقبل الخسارة قبل الفوز في كل المباريات.
كما أن على لاعبينا جميعا التحلي بالروح الرياضية، مهما كانت نتيجة المباراة، فهذه كرة قدم وليست معركة، كما أن على الإتحاد معاقبة اللاعبين الذين يتجاوزون الخطوط الحمر، فالاعتداء على الحكم في نهاية المباراة، يجب أن يلقى متابعة ومحاسبة قبل أن تصبح عادة.
يجب أن نقود السفينة إلى شاطئ الأمان، ونسير جميعا خلف فرقنا بروح رياضية عالية، كي يصل دورينا المميز والرائع إلى نهايته بكل نجاح، وحتى لا تصبح صورة مباريات كرة القدم لدى أطفالنا مقرونة بالعنف والشغب والهروات وإطلاق الرصاص، وحتى لا نضطر لتوديع أطفالنا وذوينا قبل توجهنا لتشجيع فرقنا.
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد