إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الشيخ ناصر العمر، وصاية جديدة على عقولنا! بل 'أين كانت عقولنا!'.. بقلم فؤاد الفرحان

الشيخ ناصر العمر
أعرب الشيخ الدكتور ناصر العمر (http://www.almoslim.net/node/102391) عن “أسفه من انبهار بعض طلاب العلم من نظام نقل السلطة الأمريكي الذي جاء بالرئيس المنتخب باراك أوباما إلى الحكم برغم جذوره المسلمة والإفريقية، وعزا فضيلته هذا المديح الذي كاله هؤلاء وكتاب ليبراليون للديمقراطية الأمريكية في أعقاب فوز أوباما إلى ما أسماه بـ(حالة من الهوس) قادتهم إليها بعض ما يرونه في عالمنا العربي من ديكتاتورية إدارية، ما خلف لديهم شعوراً بالكبت صارت معه ردة فعلهم عنيفة ومبالغ فيها”.
 
 
توقفت كثيراً عند وصف الشيخ للمعجبين بترفع الشعب الأمريكي عن العنصرية، واختيارهم لرئيس جديد أسود من جذور مسلمة، بأنهم أصيبوا “بحالة من الهوس”.
 
 
هذا الحدث الذي دوى في كل أنحاء الكرة الأرضية، وحاز على إعجاب بني البشر ـ وخصوصا من المقهورين ـ ليس سوى حالة من “الهوس”، كما يرى فضيلة الشيخ، ولا يستحق الإعجاب والتوقف عنده! أما سر هذا “الهوس” عند بني العرب بالذات، فبسبب ردة فعلهم تجاه “بعض” مظاهر “الديكتاتورية الإدارية” التي يعيشون في ظلها!!!
 
 
“ديكتاتورية إدارية” يا شيخ؟ هل الأمر هين إلى هذه الدرجة، ونحن لا نعلم؟ ما نعيشه في العالم العربي اليوم ليس بديكتاتورية سياسية واستبداد ومصادرة للحريات كما كنا نعتقد، ولكن “بعض” مظاهر “الديكتاتورية الإدارية”، التي يمكن تجاوزها بشيء من الإصلاح “الإداري” هنا وهناك، “ترقيع” ولا حاجة لإصلاح “سياسي” حقيقي ونشر للحريات ومطالبة بالعدالة والمساواة!
 
 
كما قرر الشيخ بلا يدع مجالاً للشك، بأن “الديمقراطية ليست مرادفاً للحرية”. وحتى لا يساء فهم الشيخ من قبل البعض، صرح قائلاً: “كي لا أكون مبالغاً، قد تكون هناك حرية نسبية (في الولايات المتحدة الأمريكية)، لكن في النهاية هي حكم ديكتاتوري”. المواطن الأمريكي المسكين المغلوب على أمره يعيش تحت حكم ديكتاتوري مع حرية نسبية كما يرى الشيخ! إذن، ما نشاهده في التلفاز ونسمعه من الإذاعة، ونقرأه في الصحف والمجلات والكتب، وما عشناه في أمريكا، كل ذلك ليست مظاهر للحرية في نظر الشيخ.
 
 
حرية المواطن الأمريكي في الاختيار والتجمع، والنقد، وانتخاب ممثليه في الكونجرس، وإقامة مؤسسات المجتمع المدني والمشاركة فيها، والكتابة والتأليف والنشر دون رقيب، ومحاسبة المسؤولين، والمحاكمات العلنية، والمظاهرات، والإعتصامات، والتبشير بالمعتقدات الشخصية، وتعدد الآراء والمذاهب والنحل وحقها في ممارسة معتقداتها، كل تلك المظاهر ليست مظاهر “للحرية”، وإنما خيال أوهمتنا به عقولنا القاصرة التي يمارس عليها فضيلة الشيخ الوصاية! والعجيب أننا نلاحظ هنا بأن الشيخ يشكك حتى بوجود “حرية نسبية” في أمريكا، لأنه يقول “قد تكون هناك حرية نسبية”!!!
 
 
من حقنا هنا أن نسأل الشيخ العمر عن مفهوم “الحرية” لديه إذا كان المواطن الأمريكي يعيش تحت ظل الديكتاتورية! لأنه يبدو أننا لم نفهم الشيخ ورؤيته لوطننا ومستقبلنا بشكل صحيح! لو عدنا لـ”مذكرة النصيحة” الشهيرة التي ساهم الشيخ في صياغتها، لوجدناه قد طالب بأن تكون الحرية لهم وكذلك الشراكة في القيادة، حيث قرر بأنه “يستلزم أن يكون للعلماء والدعاة في الدولة المسلمة مكانة لا تعدلها مكانة، وأن يكونوا في مقدمة أهل الحل والعقد والأمر والنهي، وإليهم ترجع الأمة حكاماً ومحكومين لبيان الحكم الشرعي لسائر أمور دينهم ودنياهم”.
 
 
كيف تكونون يا فضيلة الشيخ في مقدمة أهل الحل والقد، وتطالبون أن تكون لكم “مكانة لا تعدلها مكانة”، وأنتم ترون بأن المواطن الأمريكي مسكين يعيش تحت ظلال الديكتاتورية؟ يا ترى كيف سيكون وضعنا كمواطنين لو كنت يا شيخ ناصر في مقدمة أهل الحل والعقد وكنا نعيش تحت غلبة آرائكم ومواقفكم، وما هي حدود الحرية التي كنتم ستفرضونها علينا كمواطنين؟ ما هو يا ترى أسلوب الحكم الذي كنتم تنادون به في التسعينات لتطبيقه في وطننا يا شيخ؟ ألا يحق لنا هنا أن نحمد الله على أنكم لم تصلوا إلى ذلك المكان الذي يجعلكم تتحكمون من خلاله في حرياتنا وم
صيرنا كمواطنين يطمحون للحريات؟
 
 
وللتأكيد على أن الشعب الأمريكي خاضع تحت حكم ديكتاتوري مستبد، فإن الشيخ يشير إلى “فرح الناس بسقوط بوش باعتباره ديكتاتوراً، واعتبر أن ذلك تناقضاً إذ كيف تأتي الديمقراطية بديكتاتور”. كيف تأتي الديمقراطية بديكتاتور؟ إذا كان هتلر وبوش أتوا على ظهر الديمقراطية، فإن الحجاج بن يوسف، وأبو العباس السفاح وغيرهم ممن أسالوا أنهاراً من الدماء، قد أتوا على ظهر الإسلام. لا يضير الإسلام “كدين” صعود بعض الديكتاتوريين على أكتافه، ولا ينقص ذلك من قيمه ومقامه. كما أنه لا يضير الديمقراطية “كأنجح آلية لإدارة شؤون الشعوب في عصرنا الحالي”، صعود بعض السفاحين كهتلر وبوش وغيرهم. فليترفق الشيخ بعقولنا وليرفع عنها الوصاية!
 
 
كما أن الشيخ العمر قد دان ما دعاه بـ”الديكتاتورية الفكرية”، التي قال إنها أخطر من الديكتاتورية الإدارية، التي تتجسد في أرباب الأسرة أو مديري المؤسسات أو حتى في بعض الجماعات الدعوية أو في رؤساء الدول”!!! هل ما يمارسه “رؤساء الدول” العربية ديكتاتورية “إدارية” فقط يا شيخ؟ إما أن يكون الأمر أهون مما يتخيله المواطنون العرب، أو أن أشياخنا يعيشون في عالم آخر.
 
 
وللتأكيد بأن “الديكتاتورية الفكرية” هي أخطر من “الديكتاتورية الإدارية”، فقد استدل فضيلته ببعض الكتاب في الصحف المحلية السعودية، الذين يدعون إلى الديمقراطية الغربية، ثم هو يفرض على القراء رأيه ويسفه الآخرين ويسقط آراءهم، ولا يسمح بنشر عديد من رسائل العلماء وطلاب العلم وغيرهم، ويصفهم بالسطحية وقلة الفهم، ممارساً عليهم نوعاً قاهراً من ديكتاتورية الرأي.
 
 
ويحق لنا هنا أن نتساءل، هل لو كانت تلك الصحف تخضع لإدارة وسلطة الشيخ ناصر العمر،فهل سيسمح بالنشر “للآخر” من مكونات هذا الوطن، أياً كان؟ هل سيسمح لليبراليين والصوفية والشيعة والدستوريين والدكتور الأحمري وغيرهم؟ نحن نعرف يقيناً الآن بأن ذلك مستحيل، لذلك فلا فرق بين التيارين، لأن كلاهما إقصائي.
 
 
كما أن تقديم الشيخ لديكتاتورية الصحف السعودية “الفكرية” على “الديكتاتورية الإدارية”، يفسر بوضوح سبب تركيز أطروحاته وأطروحات بعض قيادات الصحوة على الهجوم على الإعلام المحلي، وتجييش الشباب خلفهم وسوقهم إلى معركة جانبية، لأنهم لا يرون أولوية مواجهة “الديكتاتورية الإدارية”، ربما لعدم أهميتها لديهم، رغم أنها هم المواطن الأول. حقوق المواطنين ومطالبهم الإصلاحية ليست ذات أولوية ولا يستحق التصدي لها، مقارنةً بدكتاتورية الصحف السعودية “الفكرية”، كما نلاحظ عند الشيخ!
 
 
كما لم يفت الشيخ بأن يذكرنا “بأننا لسنا بحاجة إلى المستورد من هذه الأفكار، ناصحاً بألا نخدع وألا تدفعنا ممارسات نراها هنا أو هناك أن ننبهر بما لا يستحق”. وقد شدد في نهاية الخبر “على أنه ضد الديكتاتورية، لكنه ينصح بأن لا يدفع هذا الواقع، الذي يعيشه المسلمون، إلى الانبهار بهذه الأفكار”.
 
 
أتمنى أن لا يقلق الشيخ ويتوجس من احتمال أن نفهم أنه يؤيد الديكتاتورية، فيضطر للتشديد على ذلك في نهاية الخبر. سنحمل آراءه هذه فقط على أنها موقفه الحقيقي من الإصلاح، والذي يشاركه فيها بعض قيادات الصحوة، الذين كنا ننتظر منهم أن يعلنوها منذ مدة طويلة.
 
 
أما نصيحته أن لا “يدفع هذا الواقع الذي يعيشه المسلمون إلى الانبهار بهذه الأفكار”، فلا أعتقد أنها ستجد آذان صاغية. فرؤيتنا لشعب، كان عنصرياً بامتياز قبل عقود قليلة مثل الشعب الأمريكي، وتجاوزه لتلك العنصرية باختيار رئيس أسود من جذور مسلمة، وبؤس حال المسلمين، و”ضغط الواقع”، يجعلنا ننظر لما حصل بإعجاب و”هوس”، مقارنةً بطرح الشيخ وغيره، ممن يشاركه، من القيادات الدينية، التي ترى أن مقارعة “الصحف السعودية” أولى من المطالبة بالإصلاح السياسي وتحقيق تطلعات المواطنين!
 
 
وقد كان الشيخ الدكتور عائض القرني أشار بأن اختيار الأمريكان لرئيس أسود ه
و أمر فيه إيحاء لما جاءت به الشريعة من قيم المساواة وفرطنا فيها كمسلمين، إلا أن الشيخ الدكتور ناصر العمر رد على الشيخ عائض في مقال “تعليقاً على نتائج الانتخابات الأمريكية” ( http://www.almoslim.net/node/102262)، بقوله، إن هناك فرقا، إذ إن “الشريعة تجعل معيار التفاضل هو التقوى، فهل اختار الأمريكان أوباما لهذا السبب؟”. أتمنى أن أكون مخطئا في فهمي لتصور الشيخ عن الكفاءة المطلوبة لقيادات الشعوب، حيث إنه قرر بأن الشريعة تجعل معيار الاختيار هي “التقوى”.
 
 
نحن نؤمن بأن “أكرمكم عند الله أتقاكم”، ولكن التقوى في النهاية هي شأن داخلي وأمر شخصي لا يستطيع أحد من الناس تحديد من هو الإنسان التقي من غيره، إلا إذا كنا نغلب المظاهر والأشكال! هل يتوقع منا الشيخ أن نختار ممثلينا في مجلس الشورى ـ لو حدث وحصلنا على حقنا في انتخاب النواب ـ بناءً على “تقواهم” أم كفاءتهم؟ كيف نعرف يا شيخ من هو التقي بينهم؟ يبدو أن هذه المشكلة ستحل بإصداركم لـ”قائمة ذهبية”، تحتوي على أسماء المرشحين التقاة! وصاية بعد وصاية يا شيخ!
 
 
إذا كانت شعوب الأرض التي نظرت بإعجاب لترفع الأمريكان عن عنصرية العرق، التي لازالت راسخة عندنا كما عند كثير من الشعوب، قد أصابها “الهوس”، و”الديمقراطية ليست مرادفة للحرية”، والشعب الأمريكي يعيش تحت “نظام ديكتاتوري”، و”قد” يوجد عندهم “حرية نسبية”، ورؤساء الدول العربية يمارسون “بعض” مظاهر “الديكتاتورية الإدارية” فقط، والديكتاتورية الفكرية للصحافة السعودية أخطر من “الديكتاتورية الإدارية”، التي يمارسها “بعض” الرؤساء العرب، إذا كانت هذه آراء الشيخ وغيره من المشايخ، ألا يحق لنا بأن نواصل الانبهار بالديمقراطية، وما تطرحه كإجراءات وبوارق أمل وحرية، بدلاً عما يطرحه مشايخنا، إن كان هناك شيء يطرحونه أصلا؟
 
 
أعرف أنه يصعب على الشيخ أن يعترف بـ”انتصار الديمقراطية الأمريكية على الوثنية”، ولكني وكثير من شباب الصحوة، الذين كانوا يعتقدون بأن المشايخ يحملون هم مشروع “إصلاحي”، يبشر بالحريات، وتنزيل للقيم الإسلامية الخالدة على أرض الواقع، قد وصلنا إلى قناعة منذ مدة، مفادها بأن الشيخ العمر وغيره من قيادات التسعينات، لا ينظرون فعلاً إلى حقوقنا التي نحلم بها ـ كمواطنين ـ كما نراها ونطمح إليها.
 
 
أنا وكثير من المواطنين، نحلم بأن نعيش في ظل أجواء تكفل لنا ممارستنا لحرية التعبير التي كفلتها الشريعة، والمساواة في المعيشة، والعدالة بين الجميع، والشورى “الديمقراطية”، كوسيلة لإدارة شؤون حياتنا. نحن نحلم بتلك القيم الإسلامية المفقودة. ويبدو أن هذه المطالب والتطلعات، تشكل خطرا على بعض المشايخ وعلى مكانتهم وقيادتهم للناس، في حال تحققها. ما حصل في أمريكا يعطي الأمل للكثير من الحالمين بالمساواة والعدالة في كافة أنحاء العالم من دون شك.
 
 
فضيلة الشيخ ناصر العمر، الذي كان يطالب “بمكانة لا تعدلها مكانة” له ولبقية المشايخ، وأن نرجع إليهم “حكاماً” و”محكومين” في أمور دنيانا، والتي كان يراها البعض “خمينية” جديدة، يطالب اليوم بتوفير الحماية القصوى له ولغيره من المشايخ والعلماء من النقد في الإعلام والإنترنت (بل إن بعضهم يدعو إلى سجن من يجرؤ على انتقادهم “سنين طويلة”)، كما يطالب بالتركيز على الدكتاتورية الفكرية للصحف السعودية، باعتبارها مقدمة على الديكتاتورية الإدارية! حتى إن بعضهم قد طالب بتكوين “جمعية لحماية حقوق العلماء”. أما المواطنون فلهم الله! لقد قرر المشايخ أن يصمتوا، وأن لا يطالبوا بالإصلاح السياسي، مقابل الحفاظ على مكتسباتهم.
 
 
شيخ ناصر، إن اهتزاز مكانة العلماء والمشايخ وتراجعها ليس بسبب امرأة أمريكية وراند وتقريرها، كما تروجون، ولكن بسبب مثل هذا الطرح، الذي يوضح موقفكم بجلاء تجاه أولوياتنا كمواطنين.
 
 
شيخ ناصر، إن الشرعية والجماهيرية، اللتين تحققتا لكم سابقا، كانتا بسبب تصديكم لما كنا نعتقد أنها مطالب إصلاحية شعبية في وقتها، وليس لأي سبب آخر. إن كنتم يا شيخ لا ترغبون في قول الحقيقة المرة حول واقعنا العربي، فنرجو منكم أن تحافظوا على ذكراكم الطيبة وتضحياتكم السابقة، بأن لا تهونوا من أحوالنا، وتصويرها كمن يعيش تحت “بعض” مظاهر “الديكتاتورية الإدارية” لا أكثر، ومحاولة جرنا إلى م
عارك جانبية وهمية مع الصحف السعودية وبعض الأقلام التي لا تعجبكم..
 
 
فعلاً لا يحق لنا سوى أن نواصل “الهوس” بالديمقراطية، وبما حصل في أمريكا. ليس لنا سوى أن ننظر لهم بعين الحسد، وليس لنا أيضاً سوى أن نتساءل أين كانت عقولنا عندما كنا نتبعكم!!!
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد