إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

النهاية الحقيقية للتاريخ: إن آذيت أرض الله، فإنها تؤذيك.. بقلم: علي الصراف

النهاية الحقيقية للتاريخ: إن آذيت أرض الله، فإنها تؤذيك..

على أرض العراق كشف الله عن وجهه، وأسمع صوته، لأول مرة.
عراقيا كان سيدنا إبراهيم (ع)،..
وعراقياً كان جدّه سيدنا نوح (ع)، ومنه نشأت الأديان كلها. وفي قلبه كان الله. وكان الأول.. الأول الأول. مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، إنما بدأ دينه من أوروك. ومنها صار معبودا لأول العابدين؛ معبودا لأول إنسانٍ في الكون عرفه ورآه في مرآة قلبه: سيدنا نوح.
ثم أنزل ذاك الذي “وسع كرسيه السموات والأرض” رحمته على قلب إبراهيم كما أنزلها على جده نوح، وصار الله في صلوات إبراهيم ربّاً، تسجد له الكائنات والشمس والقمر، وباسمه تُسبّح.
هناك تجلّى الله لأول خلقه الموحّدين.
ومن هناك بدأ الدين. فكانت أول الأرض عراق..،
وأول الصلوات فيها،
وأول العابدين. وكان الله، في أول رحمته، ربَّ البدء على سواد العراقيين.
اقبل أو لا تقبل. ليس مهما. ولكن هذا هو العراق.
البلد الذي ظهر الله ُ لأول خلقه فيه.
نحن الذين اكتشفناه، (وإذا كنت ملحدا، فنحن الذين اخترعناه) أو قل هو الذي خلقنا لنكون أول من يراه.
العراقُ فكرةٌ إلهية.
أنه أول العبادة. وأول الصلوات.
إذا كنت مؤمنا، بأي دين، فالعراق هو الكعبة الأولى.
لا أقول هذا على سبيل الغزل، كما يفعل المتغزلون ببلدانهم. ولكنه تاريخ. انه مادة. آثارها ودلائلها موجودة هناك، ويمكن حتى للأعمى أن يراها.
العراق وروح الله يمتزجان كما لا يمتزجان في أي مكان. من أول زقّورة في بلاد السومريين الى “الجودي” الذي استوت سفينة نوح عليه.
وسواء آمنت بالله أم لم تؤمن، فلا تفرق عندنا كثيرا. فالعراق فكرة. ونحن نؤمن بها، كما نؤمن بالله. ولا نعرف أحيانا، لفرط ابتعادها في التاريخ، كيف ولدت. ولكننا نعرف الشواهد. وهي كثيرة حتى أنها لا تُعد.
وقد يختلف علينا المختلفون. ولكن لا يهم. شواهدنا كثيرة. وهي من الإفراط في الأدلة، حتى أنها لا تدحض.
وقد نخطئ، فيعاقبنا الله بالطوفان، إلا أن العراق يظل أرضه. ومن يمسه بسوء تحل عليه اللعنات، لأنه يمس أرض الله.
قد تقبل الاستنتاج أو لا تقبله. لا يهم. إمبراطورية العراق تسود. ولكن ما من إمبراطورية غزته إلا وتحطمت.
هذا تاريخ. وبراهينه كثيرة.
لماذا؟
لانه أرض الله المقدسة الأولى.
فإن آذيته تُؤذى. صدق أو لا تصدق. لا يهم. الكثيرون جربوا. وها هم يجربون الآن. فتعال لترى.
الإمبراطورية التي كان يفترض ان تكون “نهاية التاريخ” تتحول اليوم الى كومة زبالة، تغرق بالحرائق والجياع والبطالة والإفلاسات والديون.
ومعها يغرق كل الذين شاركوها في إلحاق الأذى بأرض الله.
ولو زادت الأحوال سوءا، فالاميركيون سيأكلون بعضهم بعضا. والمسدسات (حسب سي أن بي سي) هي ثاني أكثر السلع إقبالا لديهم هذه الأيام.
وهناك اليوم 36 مليون أميركي يعانون من نقص التغذية، بينهم 12.4 مليون طفل. والملايين يفقدون وظائفهم ومنازلهم ويتشردون.
أهي دولة عظمى؟ أم أنها انتهت، بعد غزو العراق، مزبلة عظمى؟
175 ألف جندي فيها مصابون بما يسمى “أعراض مرض الخليج” منذ غزو عام 1991. وهناك اليوم أكثر من 50 ألف جندي مصابون بأمراض عقلية (بسبب أعمال القتل التي ارتكبوها ضد ملايين الأبرياء). وعدا عن 4200 قتيل (معلن) الذين أراحوا وارتاحوا، فهناك أكثر من 60 ألف جريح، بين جنود الغزاة، لا يرتاحون ولا يريحون، وسيظلون تذكارا على الجريمة لوقت طويل.
ولا تذهب الى الكويت. فهي لئن كانت أرض حقد ولؤم عصيب، فقد صارت على الذعر تعيش، حتى أنها لم تعد تعرف كم بقي لديها من المال. وصارت الوحيدة، بين كل بلدان الأزمة المالية العالمية، التي تفتح وتغلق بورصتها عن طريق المحاكم.
ولا تسأل عن كل الذين دفعوا ثمن الغزو. فها هم يدفعون الآن مرتين. وأموالهم تحترق، ويسرقها سادتهم، عيني عينك، وأفواههم لا يفتحون. وعلى فمهم يُلطمون.
ويأتيك غوردن براون ليطلب منهم أن يمولوا له تجارته مع بعض الدول المفلسة… لكي يُفلسهم، وهم صاغرون.
والكل يدفع من الخسائر، مئات المليارات، من حيث كان يعتقد أن غزو العراق سيغنيه.
وهم يشترون العملاء، ولكنهم بعملائهم سيحترقون. فالعملاء، في العراق، لا يعمرون. ونجاسة العمائم الطائفية لا تسود. والأنذال سحق الديدان سيسحقون، هم والشركات التي يقدمون لها عقود النفط والغاز.
أفهل تبني الولايات المتحدة “اكبر سفارة لها في العالم في بغداد”؟
هذا اقتراح لعراق الحرية ولبغداد الرشيد: أن نحول السفارة الأميركية الى اكبر مبولة في العالم. ويحصل الداخل اليها (بدلا من أن يدفع) على دولار أميركي.
يحقدون، وعليهم يسقط حقدهم. يكيدون ويكيد الله لهم. وعلى أرض الله ينتحرون.
نعم. لقد جلب الحقد علينا ما جلب. ولكن، هل هذا جديد؟ العراق جرب الحقد والغزاة 12 مرة في تاريخه. هم ذهبوا. وأرض الله بقت.
ولكن هل تعرف، أيها الحاقد الغازي، لماذا؟
لأنها أرض الله. يا صفيق.
قد تؤذيك، وقد تحاول أن ترد فتضرها وتحطمها وتعمل بها ما تشاء.
ولكن.
إن آذيتها تُؤذى. تلك هي المعادلة. إنها معادلة إلهية. معادلة صنعها الله، إذا كنت تؤمن بسيدنا نوح وسيدنا إبراهيم.
وهي معادلة قد لا تبدو عادلة في ناظريك. ولكن هذه هي. العراق قد يؤذيك، ولكنك لا تستطيع أن تؤذيه. أذاه قدر من أقدار الله عليك. وعليك أن تتحمله. أما أن تؤذيه، فذلك شيء آخر. انه كفر. عقابنا من الل
ه ضرر. ولكن عقابك من الله لعنة.
ولأنهم، بطبيعة الماء والملح، عراقيون، فانهم بالغريزة التاريخية متغطرسون. سبب الغطرسة هو انهم، بالوعي أو اللاوعي، يدركون وكأن لهم الحق في إلحاق الأذى (بأنفسهم أيضا). وقد تستطيع أن تؤذيهم، إلا أنك لا تستطيع أن تؤذي أرضهم.
وقد يعجبك أو لا يعجبك العراقيون، إلا أنهم مثل صدام حسين يموتون. شامخو الرأس يموتون. العشرات من أبطال العراق الحديث والقديم، ماتوا على النحو نفسه. ارتقوا المشانق، وركلوا ما تحتهم وهم شامخون. بالحق أو الباطل، لا يهم. ترضى أو لا ترضى، ليست مشكلة. تفهم أو لا تفهم، على كيفك. إلا أن فيهم من نفحة الله ما يجعلهم متغطرسون حتى على الموت. وأحيانا حتى على الله نفسه، فيغضب عليهم، ويسحقهم بيديه، فالى رشدهم يثوبون. فافعل ما تشاء بهم. أقتل، أحرق، أسرق، اغتصب. كل هذا مر عليهم. وهم رأوه عبر التاريخ مرات ومرات. وقد مر عليهم من الأنجاس المغول والمجوس والبرابرة، ما لم يمر على غيرهم. ولكن الأنجاس ذهبوا وظلت أرض الله باقية.
وإن آذيتها تُؤذيك. وتحل اللعنة عليك.
تقول “لعنة أكد” (منذ نحو 4100 عام): “يا من تعديت على حرمة هذه الأرض وهدمت بيوتها والمعابد، ستُطمَر بساتينك وتموت مواشيك، ولا يجد النائم في أرضك دثارا ولا الهارب من لهيب الشمس ظلا. ستتبدل أحجار بيتك لعنات عليك، فتذبح الأم في شعبك أبناءها والزوجة زوجها والوالد ذريته. عشر بقرات يرضعن طفلك الناجي من جرم أبيه ولا يشبع، وأنهار تسقي زرعك فلا يرتوي، وتصبح معابدك مأوى للثعالب، ويغطي القصب والأحراش مجاري ملاحتك، وتعج مراسيك بالأفاعي والديدان وعقارب الجبال، فمن نجا من هذا العذاب يهيم على وجهه كالبهائم”.
وها هم اليوم، كالبهائم يهيمون. يطبعون دولارات مزيفة لتمويل العجز. فيزيد. ينقذون بنوكا، فتشهر شركات عقارات وتأمين وربما سيارات أيضا إفلاسها. يسدّون فتحة، وفتقا يجدون.
والأم تقتل ابنها، والزوجة زوجها، والرضيع لا يشبع.
كانوا يعيشون على الثقة؛ على مزاعم القوة الخارقة.
فكم بقي من الثقة؟ وكم بقي من القوة؟
هراء فقط. حتى صارت الإمبراطورية لا تستطيع أن تحمي عملاءها في الصومال، ولا أن تدفع ثمن الغزو بالوكالة لأثيوبيا. وصار القراصنة هم الذين يجبون “الضرائب” والجمارك. وبدلا من أفغانستان واحدة، صار لدينا اثنين. وثالثة ستأتي.
وحليفهم الأول ضد الإرهاب (باكستان) يستجدي المال ليعيش. فميزان مدفوعاته ليس فيه ما يكفي لتغطية مدفوعات 6 أسابيع.
تلك هي النهاية الحقيقية للتاريخ: إن آذيت أرض الله، فإنها تؤذيك.
وإن كنت تؤمن بالله على الأذى، فلعنة الله عليك. إنها تلاحقك حتى باب الدار، بالحرائق والعواصف والأزمات والكوارث وانهيار الثقة.
أفهل فهمت من التاريخ شيئا؟
انه تاريخ. يا صفيق. ولدينا من دوافعه الكثير.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد