دراكولا وشيخ ورطة

0
دراكولا وشيخ ورطة
 
هانيبال
 
بعد أن استعرض شيخ ورطة قواته في مناسبة بدون مناسبة قال موجها كلامه إلى رئيس وزرائه أنا لا ادري ما إذا كانت هذه القوات تخيف أعدائي ولكنها والله تخيفني ، وعندما قال له رئيس وزرائه أنت ياسيدي القائد الأعلى لهذه القوات ، وأنت  من اصدر الأوامر بتشكيلها وتدريبها وتسليحها ، وأنت من وضع عقيدتها الأمنية والقتالية ، رد عليه شيخ ورطة نعم انأ فعلت ذلك لأني كنت مضطرا لهذا العمل القذر وتشكيل هذه القوات الدموية ، قال شيخ ورطة ذلك في انفعال وعصبية مفرطة وحالة من القلق والتوتر والخوف وعدم السيطرة على دوافعه في العنف الدموي والسيطرة المفرطة وتقمص شخصيات وهمية وتخيل وجود أشباح وكائنات فضائية وهوية نفسية مشتتة  وأحلام يقظة وكوابيس مزعجة وعدم ثقة بالآخرين والاستهزاء والاستخفاف بمن حوله ، وهذه أعراض ترتبط بمرض السادية أو الماسوشية ، والماسوشية مرض نفسي يطلق على جرائم العنف الجنسي والازدواجية الشخصية والسلوك الوحشي تحو الآخرين بدون سبب ، وترجع تسمية هذا المرض بالسادية نسبة إلى المركيز دو سادو وهو كاتب فرنسي سجن أكثر من مرة لأنه كان يمارس العنف مع النساء أثناء ممارسته للجنس ، وقد انعكس هذا العنف في مؤلفاته عن ممارسة النشاط الجنسي السادي ، وهو ما يعرف بالهوية الانشقاقية أي انشقاق جزء في جسد الإنسان السادي أو الما شوسي عما هو مألوف بحيث يمثل الجانب السادي أو الماسوشي الذي يعرف باسم الهستيريا الانشقاقية ويؤدي إلى حالة من عدم القدرة على الحركة أو الكلام  والخوف من المجهول والتطلع إلى المستقبل ، ويدفع إلى الاعتقاد بالخرافات والسحر والعرافة ، وهذه أسباب ترتبط بمرض السفلس ، وفي هذه الحالة قد يكون هناك نوع من الانشقاق بين الأحاسيس وأفعال الجسد ، أو قد  تكون الحالة النفسية قد انعكست على أجزاء من الجسد وجعلتها تخرج عن وظيفتها الطبيعية ، أو قد تكون الحالة النفسية قد انعكست على الجسد كله وجعلت المريض يخرج من شخصيته الأصلية بحيث يفقد  القدرة على التركيز والتمييز بين أفكاره وآرائه وتخيلاته وتصوراته والشعور بالحاجة إلى حماية من طرف شخص آخر ، وهذه أسباب ترتبط بمرض الجنون وانفصام الشخصية ( الشيزوفرينيا ) وفي ظل هذه الحالة من القلق وعدم التوازن النفسي والجسدي غادر شيخ ورطة ساحة العرض بعد أن استعرض حرس الشرف وذهب إلى قصره في موكب مهيب ، وبعد وصوله إلى ساحة القصر استعرض حرس الشرف وصعد إلى مكتبه ، ولكنه شعر بحاجة ملحة في النوم ، ولذلك طلب من الوزراء وكبار الضباط والمستشارين والأزلام الخروج ، ودخل شيخ ورطة إلى غرفة نومه وما هي إلا لحظات حتى استغرق في نوم متقطع ، وما هي إلا لحظات أيضا حتى بدأت الأحلام والأوهام والكوابيس وسماع الأصوات المخيفة ، وما هي إلا لحظات أخرى حتى بدأ يشعر برعدة في جسده وقيد حديدي يطبق على عنقه ويكاد أن يخنقه ، وقد حاول الحركة للتخلص من هذا القيد ولكنه لم يستطع وكأن هذا القيد قد  أصاب مركز إرادته وافقده القدرة على الحركة ، وأخيرا رأى نفسه يصعد فوق قمة جبل ينهار ثم يسقط من فوق قمة هذا الجبل في بحيرة من الدم وفي وسطها خازوق ، وهنا استيقظ شيخ ورطة وهو في حالة غير مسبوقة من الفزع والهلع والشلل الهستيري والشعور بالاختناق والصعوبة في التنفس والاضطرابات المعدية وألم في الرأس ووجع في الصدر ورعشة في اليدين وبرودة في الأطراف واختلال في الشعور بالذات وصعوبة في الكلام ، وحاول أن يصرخ ولكنه لم يستطع وخرجت الكلمات من فمه ضعيفة ومتقطعة وهو يحرك رأسه في حركة لا إرادية إلى اليمين والى اليسار وفي كل الاتجاهات وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يهذي ويقول بصوت ضعيف ومتقطع وفيه حشرجة أشبه ما تكون بحشرجة الموت ، من الممكن أن يصل الإنسان إلى الحكم بالحظ ولكنه لا يمكن أن يصل إلى المجد بالحظ ، ومن الممكن أن يصل الإنسان إلى الحكم بالنذالة ولكنه لا يمكن أن يصل إلى المجد بالنذالة ، ومن الممكن أن يصل الإنسان إلى الحكم بسواعد غيره ولكنه لا يمكن أن يصل إلى المجد بسواعد غيره ، نحن ما نكرر فعله ، ونحن الأسلوب نفسه ، لماذا تركوني معلقا فوق جرحي وأنا الذي اخترعت عواطفهم ، ولماذا يسيرون فوق وقتي وأنا الذي خبزتهم ، وصار يكرر ذلك بدون وعي حتى راح في النوم من جديد ، ولكن ما هي إلا لحظات حتى رأى شبح غريب له رأس حيوان وجسم إنسان ، وعندما اقترب منه أكثر رأى أنه أدنى من إنسان وارقي من حيوان ، رأسه كبيرة وشعره كثيف وجبهته عريضة وحاجباه غليظان وعيناه حمراوان كأنهما جمرتان من جمرات نار جهنم وشفتاه غليظتان وأسنانه بارزة وقامته قصيرة ويداه طويلتان وأظافره أقرب ما تكون إلى الحوافر منها إلى الأظافر
قال شيخ ورطة : من أنت
قال الشبح :  دراكولا
قال شيخ ورطة : ابن الشيطان
قال دراكولا : نعم  ابن الشيطان
قال شيخ ورط
ة : وأمير الظلام
قال دراكولا : نعم أمير الظلام
قال شيخ ورطة : وفلاد الثالث المخوزق
قال دراكولا : نعم فلاد الثالث المخوزق أمير مقاطعة والاشيا   
قال شيخ ورطة : وفلاد تيبيسي
قال دراكولا :  نعم فلاد تيبيسي وتيبيسي كلمة تركية وتعني المخوزق
قال شيخ ورطة : ونوسيفراتو
قال دراكولا : نعم نوسيفراتو وهي كلمة هنغارية وتعني الذي لا يفنى
قال شيخ ورطة : ومصاص الدماء
قال دراكولا : نعم مصاص الدماء لأن حياتي السياسية هي المادة الأساسية التي استوحى منها الكاتب الايرلندي إبرام ستوكر شخصية مصاص الدماء في روايته الذي لا يموت قبل أن يتغير اسمها إلى دراكولا كما يتصور ستوكر ولكن هذا التصور يتناقض مع الحقيقة والواقع
قال شيخ ورطة :   وفلاد التنين
قال دراكولا : نعم فلاد التنين لأن والدي كان يناديني باسم دراكيوليا وهي كلمة مشتقة من كلمة دراجون اللاتينية وتعني التنين ، ولأن سيجموسند ملك هنغاريا شكل جماعة سرية اتخذت من التنين ( دراك ) باللغة الرومانية شعارا لها لمحاربة الدولة التركية ومقرها ترانسلفانيا وقد كنت أميرا على ترانسلفانيا وقائدا لهذه المجموعة السرية  
قال شيخ ورطة : يعني أنت هذا كله
قال دراكولا : نعم
قال شيخ ورطة : الإنسان ما يكرر فعله
قال دراكولا : لكن الحاكم ما يكرر فعله وما يكرر فعله ازلامه في نفس الوقت
قال شيخ ورطة : الأسلوب هو الإنسان نفسه
قال دراكولا : لكن الحاكم هو أسلوبه وأسلوب ازلامه في نفس الوقت
قال شيخ ورطة : يعني أنت ما كنت تكرر فعله وما يكرر فعله ازلامك
قال دراكولا : نعم وأنت ما كنت تكرر فعله وما يكرر فعله ازلامك
قال شيخ ورطة :   نحن ما نكرر فعله وما يكرر فعله ازلامنا
قال دراكولا : نعم لأن أزلام الحاكم أطوع من ظله وأذل من نعله
قال شيخ ورطة : هذا يعني انك ابن الشيطان
قال دراكولا : هكذا قال الأتراك لأني دخلت في حروب معهم وبالرغم من نهايتي في عام 1476 إلا أنني استطعت أن احتوي الاجتياح التركي وأن اكسب وقت لأوروبا حتى تستطيع الاستعداد لمواجهة الأتراك ، ولذلك يعتبرني الرومان بطلا قوميا ، وأنا لا يهمني ما يقول الأعداء ولكن يهمني ما يقوله شعبي
     
قال شيخ ورطة : لكن الرومان كانوا يطلقون عليك لقب أمير الظلام     
قال دراكولا : لأني كنت أميرهم في الليل والنهار
قال شيخ ورطة : والخازوق
قال دراكولا : كل الحكام يخوزقون شعوبهم وأنا كنت اخوزق التجار والمرابون والمخالفون للقوانين والخونة العملاء والجواسيس ومثيري الفتن والاضطرابات المؤامرات واللصوص وقطاع الطرق والزناة ولولا ذلك لما كان من الممكن أن يسود الأمن والسلام الاجتماعي في بلادي في ذلك الوقت الذي كانت فيه بلادي تواجه  الاجتياح التركي
قال شيخ ورطة : وهل حققت الأمن
قال دراكولا : نعم ولدرجة أنني وضعت كؤوس من الذهب في ساحة تراكوفشته في مدينة  ترجوفستا عاصمة والاشيا ليشرب فيها الناس ولم يسرقها احد
قال شيخ ورطة :  والجنود الأتراك
قال دراكولا : عندما رفضت دفع الجزية للدولة التركية اجتاح السلطان محمد الفاتح بلادي بجيش كبير يتكون من 60 ألف جندي نظامي و30 ألف جندي غير نظامي ، ووالاشيا لا تستطيع مقاومة هذا الجيش ولذلك لجأت إلى الخازوق وأخرجت 20 ألف سجين تركي وخوزقتهم وعلقتهم على طول الطريق حتى يرحبوا بالسلطان التركي وجنوده ،ولما رأى الجنود الأتراك الجثث المخوزقة المتعفنة رفضوا التقدم واضطر السلطان إلى العودة إلى القسطنطينية ، وهكذا أنقذت بلادي من الاجتياح التركي ، وفي الحرب والحب كل شيء يجوز ، ولا تنسى ما  فعلت أمريكا وبريطانيا وفرنسا وهولندا وايطاليا والبرتغال واسبانيا وحكام العالم الثالث وما فعلته وتفعله أنت وازلامك في شعبك    
قال شيخ ورطة :  والفقراء
قال دراكولا : دعوتهم لحضور وليمة وبعد أن انتهوا من الأكل سألتهم هل تريدون أن تتخلصوا من فقركم فصاحوا جميعا نعم ، فخرجت من القلعة وأمرت الحراس أن يقفلوا الأبواب ويشعلوا النار في القلعة ، واحترقوا وتخلصوا من فقرهم وتخلصت مملكتي من الفقراء ، وموت ساعة ولا كل ساعة وموت مرة ولا كل مرة ، ولكن اخبرني ماذا فعل العالم للفقراء وماذا فعلت أنت ، ولا تنسى أن الفقراء يموتون في كل يوم وفي كل ساعة وان ما ينفق على الكلاب في الغرب يمكن أن يحل مشكلة الفقر في العالم ، وأن ما يسرق من أموال في العالم الثالث يمكن أن يحل مشكلة الفقر في العالم الثالث  
قال شيخ ورطة : والنبلاء
قال دراكولا : قتلوا أبي بأمر من  جون هونيادي حاكم ترانسليفانيا ودفنوا أخي رادو حيا ، وكانوا وراء كل المؤامرات والسائس والاغتيالات في والاشيا ، ولذلك خوزقت الكبار وأرسلت الشباب إلى منطقة بونياري لبناء قلعة فوق الجبل وسط الصخور حتى أن ثياب بعضهم تمزقت واستمروا في عملهم عراة حتى لقوا حتفهم ، ولكن أخبرني ماذا فعل العالم وماذا فعلت أنت ، العالم أطلق يد النبلاء في الشعب وأنت شكلت كمبرادور وأطلقت يده في الشعب أيضا ،
قال شيخ ورطة :   والوفد التركي
قال دراكولا : رفضوا أن يخلعوا طرابيشهم لأن تقاليدهم تمنع ذلك فأمرت تدعيما لتقاليدهم أن تدق طرابيشهم في رؤوسهم بالمسامير ، وعلى أي حال هم أعداء ، والمعادلة مع الأعداء يجب أن تكون استقواء في مواجهة استقواء ، وليس استجداء في مواجهة استقواء ، وأنت تجاوزت كل حدود الاستجداء فهل استطعت أن تحقق الحد الأدنى من حقوق شعبك    
قال شيخ ورطة : وماذا يعني اسم نوسيفراتو
قال دراكولا : يعني الذي لا يفنى لأن فعل الحاكم لا ينقطع بموته ولكنه يستمر في فعل ازلامه
قال شيخ ورطة : ومصاص الدماء
قال دراكولا : هي قصة من خيال الأديب ابرام ستوكر ، وأنت  تعرف أن الأدب قليل أدب ولا يملك إلا أن يكون قليل أدب ، وأن السياسة لا قلب لها ولا تملك إلا أن تكون لا قلب لها ، وعلى ذلك ماذا سوف يتبقى للأدب إذا خضع للاعتبارات الأخلاقية وماذا سوف يتبقى للسياسة إذا خضعت للاعتبارات العاطفية ، قد لا يكون هذا رأي الشعوب والأدباء العضويين وهو بالتأكيد رأي الشعوب والكتاب العضويين ، ولكنه بلا شك رأي الحكام والكتاب البلاطيون ، لكن الحقيقة هي غير ما كتب برام ستوكر لأني كنت افعل ما افعل من اجل شعبي ولذلك خوزقت الكبار من النبلاء وأرسلت الشباب إلى منطقة بونياري لبناء قلعة فوق الجبل لأن هؤلاء النبلاء كانوا هم المصاصون الحقيقيون لدماء الشعب ، ولكن ماذا فعل العالم وماذا فعلت أنت ، العالم أطلق أنياب الطبقات السياسية في جسد الشعوب وأنت أطلقت أنياب ازلامك في جسد شعبك
قال شيخ ورطة : حتى أنت يا دراكولا
قال دراكولا : حتى أنا ماذا
قال شيخ ورطة : حتى أنت تزايد علينا
قال دراكولا : نعم لأني والله ورغم كل ما فعلت اقرب منك إلى الله واقرب منك إلى الإنسانية
قال هذا واختفى وهو يقو
ل ماذا سيتبقى منك للتاريخ يا شيخ ورطة .
 
           [email protected]
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
  
 
 
 
                          
 
                   
 
         
       
  
         
     
                                                                                             
 
 
 
 
 
 
 
 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.