إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

فاطمة وساعتها الرولكس .. وفقراء غزة

 
 
بين تلك الملامح التي رسمت خطوطها على وجه وصفه البعض كالقمر، وقدها الممشوق المفتون بتصميمات كريستيان ديور، وساعدها المكشوف حتى الكتف يشع بياضا لسعته اشعة شمس رقيقة، وبعض شعرها الحريري المنسدل بالوان اوروبية ، وقفت تلك الفاتنة تندب الحظ العاثر لأهل غزة الغلابا المساكين، وتدعو للتضامن معهم، وتكيل التهم للحكومات العربية ، العميلة المأجورة، الى اخر الاوصاف.
ولم تنسى فاطمة وهذا اسمها الحقيقي الذي طورته ليصبح فوفو ، ان توجه الاتهامات لسلطة اوسلو “العميلة” وعباس “المأجور” الذي ينفذ أوامر واشنطن وتل ابيب.
فاطمة صحفية عربية تعمل باحدى الصحف الخليجية، اينما وقفت في صالة الفندق الانيقة تشكل حولها دائرة من الرجال بلباسهم الابيض، وقليل من ذوي “الكرافتات”، تتحدث في كل المجالات من الأزمة الاقتصادية العالمية، ووحشية الليبرالية، الى معاناة الحجاج على معبر رفح وهم يهللون الله اكبر، لعل صوتهم يصل الى القاهرة، وتبدي اعجابها الشديد بقناة الجزيرة “التي تحمل على كاهلها مسؤولية فك الحصار عن غزة، وكشف الفاسدين في رام الله”.
مثلها الاعلى “سيد المقاومة” حسن نصر الله “الذي هزم الجيش الصهيوني ومرغ انف جنرالاته بتراب الجنوب اللبناني”.
 الكل في الدائرة المحيطة بها يصغي، وفاطمة تواصل الحديث، وجسدها يهتز ثأئرا بسوء الاوضاع، لا يقطع حديثها الا جرس هاتفها الانيق بين حين واخر.
على مقربة منها كنت اقف وعدد من المعارف .. صوتها مسموع .. فهي نجم هذا التجمع بين جلستين رسميتين لمؤتمر يناقش أثارالازمة المالية على اقتصاديات الخليج ..
 انتهت الاستراحة .. نظرت فوفو لساعتها الانيقة .. وقالت “يلا بدأ الاجتماع تعالوا نسمع الاخبار عن مليارات العرب الضائعة والتي لو خصص واحد بالمليون منها لجعلت من غزة هونغ كونغ العرب”.
ارقام وارقام ومبررات وتساؤلات ووصايا وتوصيات .. جلسة مملة .. تنفس الحضور في نهايتها الصعداء، وتدافعوا بسرعة الى الطابق السابع لتناول طعام الغداء.. لكن عدد غير قليل من الحضور لم يتدافع للجلوس على الطاولات، جزء منهم ليس قليل كان كما بدا لاحقا ينتظر السيدة فاطمة ليتشرف بالجلوس الى طاولتها.
ولحسن الحظ ، او سوءه، اختارت فاطمة الطاولة المجاورة لطاولتنا، خلف ظهري مباشرة.. وعلى الفور بدأ حوار بين جيراننا ولكنه هذه المرة لم يكن حول غزة او سلطة رام الله ، وبسرعة البرق تم طي صفحة الحديث عن المقاومة اللبنانية حين قال احد جلاس طاولة فاطمة .. “ارجوكي لا تنسي ان نصر الله حاول اغتيال امير الكويت، وحاول اختطاف لينان في مايو الماضي”.
وقال احدهم “ان ساعتك انيقة هل هي رولكس حقيقة ام تقليد؟” فشهقت مستغربة كيف يجروء هذا الرجل على توجيه هذا السؤال، وقالت انها حقيقة بالتأكيد وقد دفعت ثمنها عدا ونقدا 10 الاف دولار، انا يا سيدي ما بلبس تقليد كل شيء عندي ماركات عالمية.
فقال لها اخر هل لديك عمل غير الصحافة ؟؟ يعني هل عندك شركة او مؤسسة ؟؟
لا انا صحفية محترفة فقط متفرغة للصحافة..؟
هيمن الصمت على قاعة الطعام الواسعة الا من طقطقة الشوك والسكاكين مع الصحون، وبعض الهمهمات تبدي اعجابا بانواع الطعام .. واصوات “الجرسونات” يسألن بأدب عن تقديم خدمات اضافية، وفجاة عاد الحديث عن ساعة الرولكس في سياق الحديث عن الحضارة والتحضر واحترام الوقت بالغرب بينما له في بلادنا.
فقالت نجم كل الاوقات .. لهذا انا احب ساعة الرولكس، لانها لا تقدم دقيقة ولا تؤخر، فمن لا يحترم الوقت في هذا الزمن يعتبر متخلف ،لأن الوقت كالسيف اذا لم تقطعه قطعك.
لكن احد جلاسها قال وهل يا سيدة فوفو لا يمكن احترام الوقت الا اذا لبسنا ساعة رولكس؟
قالت : يا سيدي اكيد ان أي ساعة اخرى يمكن ان نعرف الوقت من خلالها ، لكن هناك فرق كبير بين ساعة سويسرية انيقة مثل الرولكس، وبين ساعة صينية رديئة، فالساعة تدل على شخصية صاحبها تماما مثل الحذاء، فجودة الحذاء ونظافته واناقته تدل على شخصية الانسان رجلا كان او امرأة، وايضا مثل السيارة فهي ايضا تدل على شخصية صاحبها ، فسيارة مثل (BMW-X5) تختلف تماما عن سيارة تويوتا او هوندا، هذه اشياء اساسية تدل على شخصية الانسان.
 
فقال لها اخر .. هل تدل على شخ
صية الانسان ام على ثرائه ؟ فمن اين يستطيع الفقير مهما كانت شخصيته وثقافته ومستواه العلمي ان يمتلك ساعة رولكس او سيارة بي ام دبليو؟. واضاف هناك رجال عظام لهم ادوار بارزة في حياتنا المعاصرة بعضهم ورث ساعته عن والده، ولم يكن عنده حتى دراجة هوائية، وحذاؤه اما صناعة وطنية او صينية في احسن الاحوال، فماذا تقولين بشأنهم.
قالت .. انا برأيي من لا يستطيع بناء نفسه فهو لا يستطيع بناء غيره .. فكيف لجائع مثلا ان يفكر جيدا بهموم اسرته ومجتمعه .. انه سيكون مسلوب الارادة وتفكيره قاصرا على كيفية توفير رغيف العيش لنفسه واطفاله.. ان كل النظريات التي تحدثت عن دور الطبقة العاملة في تغيير المجتمع فشلت .. وهزمت انظمتها الشيوعية شر هزيمة، وحتى الدول التي تبنت جزء من تلك النظريات تعيش اليوم اوضاعا بائسة، بينما المجتمعات ذات النظم الرأسمالية حققت نجاحات باهرة، وانظر حولك ستجد كل ما يحيط بك هو نتاج ابداع افراد ينتمون للدول الراسمالية.
 
قال صديق يجلس قربي ويستمع مثلي واخرين الى ما تقوله السيدة او الانسة بصوت مسموع ..لم استطع ان احدد الاتجاهات الفكرية والسياسية لهذه السيدة فمن استمع اليها في الصالة اثناء الاستراحة تخيل له انها ممثلة حماس في الخليج، او على الاقل متعاطفة جدا مع فقراء غزة، وها هي الان تتحدث بازدراء عن الفقراء .. فهل يا ترى تعتبر فلسطينيو غزة اثرياء جار عليهم الزمان؟ وقرر ان يسألها مباشرة.. هل تعتقدي ان على سكان غزة ان يلبسوا ساعات رولكس ويركبوا سيارات فاخرة حتى يكسروا الحصار؟.
 
تنهدت فوفو تنهيدة فيها تعبير عن ضيقها لسؤال هذا المتطفل وقالت .. لا يا سيدي ولكن على من يمتلكوا السيارات الفارهة ويلبسوا ساعات الرولكس ان يتبرعوا لاهل غزة الفقراء لانقاذهم من الجوع ، وتوفير العلاج والدواء والمازوت والكهرباء لهم، فاهل غزة لا يملكون شيئا وليس باستطاعتهم ان يفعلوا شيئا، وهم ضحايا النظام العربي وسلطة اوسلو .. ان حماس تحاول ما بوسعها .. وهي تعلمت درسا ثمينا من تجربة حزب الله .. وكما انتصر حزب الله في جنوب لبنان فسوف تنتصر حماس في جنوب فلسطين..
 
فقال احد جلاس طاولتها .. ولكنك استمعت مثلنا في المؤتمر ان من يملكوا الساعات الفاخرة والسيارات الفارهة على وشك الافلاس بعد ان خسروا ملياراتهم ؟.
 
فتناولت السيدة فوفو احدى الصحف اليومية وفردتها على الطاولة وكان الجميع تقريبا منهمكا بتناول اصناف الحلويات الفاخرة بعد الانتهاء من تناول طعام الغداء، وقالت انظروا الى هذا الاعلان على الصفحة الاولى لهذه الصحيفة الشهيرة .. ان مساحته ربع صفحة يعني قيمته تبلغ حوالي 5 الاف دولار، انه اعلان لساعة رولكس ، يعني يمكن بقيمتة الاعلان شراء ساعة رولكس من النوع المتوسط ، فلماذا تضع الشركة هذا الاعلان المكلف لو لم يكن هناك سوق..!! وهناك طلب على هذه الساعات..!!، وهذا رغم كل الحديث عن الازمة المالية، فالاثرياء يا سيدي لا يفلسون، ان اموالهم تنقص فقط، ولكن مهما نقصت وتراجعت ارصدتهم فان ثرواتهم ستظل ضخمة.
وبينما يهم المدعوين لمغادرة القاعة، ووجدت نفسي مجاورا لها عند الوقوف ساألتها .. هل لديك الاستعداد لبيع ساعتك الرولكس والتبرع بثمنها لفقراء غزة ؟
 
ضحكت الست فوفو ووضعت كفها اليمنى بحركة لا ارادية فوق ساعتها وقالت .. “لو بقدر اشتري غيرها لتبرعت بها” ..
 
يا اهل غزة الطيبون .. ان الاثرياء والمتطلعون للثراء يستخدمون الامكم للتسلية في قاعات الطعام الفاخرة .. واجتماعاتهم المخملية .. ويبنون على ظهوركم امجادا .. وزعامة .. ويصبحون قادة .. فلا تنتظروا من هؤلاء غير الكلام .. وغير التظاهر بالبكاء على احوالكم .. فهم يستغلون معاناتكم الانسانية لتحقيق مصالحهم على اختلاف درجاتها بدءا من نموذج فاطمة او فوفو ، مرورا بصبيان القنوات الفضائية الذين لا يكفوا عن التهديد بزلزلة اركان العدو، وانتهاء بامراء غزة وابواقهم.
 
الحل موجود برام الله .. بالالتفاف حول السلطة الشرعية .. ورفض الامر الواقع الذي فرضه الانقلابيون .. بالوحدة الوطنية على اساس ومنهج الدولة الديمقراطية .. ورفض منطق الاستبداد والعنجهية .. والوعود الوهمية.
 
ابراهيم علاء الدين
 

 
 
  
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد