إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

غزوة مومباي: طعنة في قلب الهند الجديدة .. بقلم: د. مضاوي الرشيد

غزوة مومباي: طعنة في قلب الهند الجديدة .. بقلم: د. مضاوي الرشيد
شاءت الارادة الالهية ان نخرج من فندق تاج محل يوم الاحد اي قبل يومين من تحول هذا الفندق الى ساحة معركة بين مجموعة ارهابية اقتحمته وروعت النزلاء والعاملين فيه وبين قوات الامن الهندية.
قمنا بزيارة قصيرة لهذه المدينة جمعنا فيها بين العمل والاطلاع على تاريخ المنطقة والذي ارتبط بمنطقة الخليج منذ مئات السنين. كانت زيارتنا كمن وقف على اطلال الماضي حيث تقلص النفوذ العربي الاسلامي في هذا الساحل الغربي الهندي واندثر امام النفوذ البرتغالي منذ القرن السادس عشر الميلادي ومن ثم اندحر هذا النفوذ امام المد الاستعماري البريطاني والذي انتهى باستقلال الهند عام 1948. كانت مومباي مدينة مرتبطة بالتجارة البحرية عن طريق ميناء تطور ونمى ليوفر الاتصال الضروري للاقتصاد المحلي وعلاقاته مع العالم التي بدأت بمحيطه الخليجي اولا ومن ثم الى حدود بعيدة امتدت الى اوروبا وما بعدها. هذه العلاقات التجارية جعلت من مومباي مركزا يستقطب مهاجرين من مناطق الهند البعيدة الذين استقروا في المدينة بحثا عن فرصة عمل وجدوها منذ اوائل التسعينات في المراكز التي اسستها شركات وبنوك وصناعات اجنبية جذبها الانفتاح الهندي على العالم والتسهيلات المتوفرة التي قدمتها الحكومة من اجل جلب الاستثمار ورأس المال العالمي. موزاييك مومباي الاقتصادي يقابله موزاييك ديني واثني حيث تتواجد مجموعات هندوسية وسيخية ومسلمة ويهودية ومن المجموعات ذات الثقل الاقتصادي تلك التي تنتمي الى ما يسمى ‘البارسي’ نسبة الى هجرتهم من بلاد الفرس ويدين هؤلاء بالزرداشتية. استطاعت هذه الاقلية ان تستفيد من الوجود البريطاني وتلعب دور الوسيط بين البريطانيين والمجتمع الهندي فنمت ثروات اصحابها. ويعد فندق تاج محل رمزا للمكانة الاقتصادية لصاحبه البارسي الذي اسسه عام 1905 على اثر رفض فندق آخر استقباله في اوائل القرن المنصرم بسبب العنصرية المستشرية وقتها والتي قامت على الفصل بين حكام المدينة البريطانيين ورعاياهم الهنود. تأسس الفندق وازدهر خلال قرن كامل حيث استقبل السياسيين والتجار مرورا بلاعبي الكريكيت وممثلين عالميين واصحاب الثروات ومؤخرا رجال الاعمال من جميع الجنسيات. يقف الفندق شامخا امام بوابة الهند المشهورة والتي شهدت رحيل آخر جندي بريطاني عام الاستقلال.
جاءت غزوة مومباي لتضرب هذا الرمز بقوة وتحدث بلبلة ليس فقط في المحيط المحلي للمدينة ولكن يبدو ان ابعادها كانت تستهدف اكثر من مغزى وهدف.
اقتصاد الهند والذي تمثل مومباي نجاحه استطاع ان يستفيد من انفتاح جلب الى المدينة ذاتها رؤوس اموال ومشاريع اهمها انشاء مراكز تقنية وتكنولوجية تساعد المراكز العالمية للشركات في اوروبا والولايات المتحدة من خلال اليد العاملة الرخيصة رغم انها تتمتع بتدريب عال في الاتصالات والمحاسبة والتقنية. فنشأت مدن تكنولوجية تحيط بقلب مومباي وتعتمد على الاستثمار الاجنبي ولكنها بقيت اي هذه المراكز معزولة عن محيطها. وقد استفاد من هذا الانفتاح الكثير من الشباب الهندي المتعلم الذي قدم الى المراكز بحثا عن معاشات مرتفعة وعمل يكسب من خلاله مهارات جديدة. انقسمت مومباي الى عالمين واحد يقطنه نخبة متعلمة ورفيعة المستوى الاجتماعي والاقتصادي واخرى معدمة تقدم الخدمات الوضيعة من سياقة وتنظيف وصيانة وخدمات تحيط بالمراكز الاقتصادية الجديدة وقصة مومباي هذه ليست فريدة حيث تكررت في كثير من مناطق آسيا التي تعاني من فائض في اليد العاملة وانعدام فرص للتوظيف. ولكن رغم استفادة الكثيرين من الفرص الجديدة في مومباي الا ان المئات بل آلاف من سكان المدينة ظلوا مهمشين فقراء ومعدمين يفترشون الارصفة ويعيشون على كسرات من الخبز التي تلف حول شرائح البصل والطماطم. يصطفون مقابل مداخل الفنادق يحلمون بما يجول داخل أسوارها العالية او ينتظرون زائرا يتسولون منه الصدقة والعطف ويلحقون به في تجواله حول محيط الفنادق والمراكز السياحية والأثرية. الانفتاح الاقتصادي للهند الجديدة قد ولد حالتين متناقضتين الاولى طبقة اجتماعية مرفهة تحتكر فرص العمل الجديدة بسبب تعليمها العالي وتصدرها للطبقة الثرية التي اتاحت لها الفرصة ان تكتسب خبرات ومهارات تعليمية واخرى فقيرة معدمة لن تستطيع ان تخرج من مستنقعات الفقر التي تنتشر في الشوارع والازقة. ارتقاء السلم الاجتماعي لم يعمم على جميع فئات المجتمع الاثنية والدينية. حيث تظل مجموعة البارسي تتصدر الهرم الاجتماعي بينما يظل الكثير من الهندوس وخاصة المسلمين يعانون من الفقر القاسي. وخلال زيارة للحي الذي يقطنه المسلمون في مومباي وجدنا انفسنا وجها لوجه امام فقر المسلمين حيث تتصدر محلات الجزارين واجهات الشوارع المحيطة بالمسجد الكبير وآخر مرتبط بشيخ طريقة صوفية ولدت في المدينة. مقابل الوضع الاقتصادي المتدني للجالية المسلمة رغم وجود بعض التجار المسلمين الاثرياء نجد ارتفاع نسبة العاملين من الهندوس والمسيحيين في المراكز الاقتصادية الحديثة حيث يمثل هؤلاء اغلبية اليد العاملة. طرحنا عدة ا
سئلة عن سبب عدم انتفاع المسلمين من الانفتاح الاقتصادي الهندي وبقائهم محاصرين ومتقوقعين في احيائهم الفقيرة حيث تختلط الاغنام مع البشر في شوارع وأزقة تتراكم فيها النفايات وتختلط مع رائحة الدماء التي تسيل من الذبائح. الأجوبة التي سمعناها كانت تختلف باختلاف الشخص الذي سألناه. ردد المسلمون نظرية محاصرتهم من قبل الأكثرية الهندوسية وتعرضهم للتمييز والعنصرية التي تقف حجر عثرة أمام فرص التعليم والاقتصاد التي توفرت حديثاً في المدينة هذا بالاضافة إلى عدم رغبة الشركات الأجنبية في توظيفهم حيث يفضل هؤلاء اليد العاملة الأخرى وخاصة المسيحية القادمة من منطقة جوا الكاثوليكية أو غيرهم من أصحاب الاثنيات والديانات المتعددة في الهند.
أما الهندوس فعللوا السبب بعدم وجود مهارات متطورة عند أبناء الجالية المسلمة التي اعتقدوا أنها تفضل ارسال أولادها إلى مدارس الكتاتيب بدلاً من الجامعات الحديثة. ورغم أن مسلمي مومباي هم من أهل المدينة القدامى إلاّ أن بعض الهندوس يعتبرونهم قادمين إليها من مناطق أخرى ويقوم بعض هؤلاء بشن حملة على ما يعتبرونه غريباً عن المدينة وقادماً عليها من خارج حدودها. وان تعددت الأسباب التي ما زالت تجعل من مسلمي المدينة شريحة فقيرة إلاّ ان التباين بين سكان هذه المدينة بدا واضحاً وجلياً. وها هو قد انفجر بشكل مزر أودى بحياة الكثيرين وقد يزيد في اضطراب التعايش السلمي بين فئات تتصارع ليس فقط دينياً بل اقتصادياً وربما صراعها الديني ما هو إلاّ انعكاس لحالة اقتصادية غير متوازنة وعادلة. ورغم تصريحات سياسية هندية ربطت الهجمات على المدينة بأيد خارجية كباكستان أو بنغلاديش إلاّ أن الوضع المحلي في مدينة مومباي قد يكون مهيئاً للإنفجار في أي وقت. وستزيده العملية الارهابية الأخيرة تعقيداً وتشابكاً قد ينذر باندلاع العنف بين المسلمين من جهة وغيرهم من سكان مومباي. وهذا ليس بالجديد على المدينة أو الهند كلها حيث هناك تاريخ حافل بالصراع والتهجير والتطهير منذ عام 1948 بين الأكثرية الهندية والأقلية المسلمة المتواجدة في كثير من مناطق الهند. وبعيداً عن المؤامرات والأهداف الخفية التي تحاك بين حكومتي الهند وباكستان والمنافسة الحادة بالاضافة الى مشكلة كشمير العالقة سنجد بؤراً جاهزة للانفجار وليس من المستبعد ذلك بعد أن تقلص نفوذ القاعدة في أفغانستان حيث تخوض اليوم حركة طالبان معركة مع قوات حلف الناتو من الممكن لها ان تنتقل الى باكستان والهند حيث ستجد مفردات القاعدة صدى كبيرا وعمقاً تهيئه الظروف الصعبة والقاسية التي تعيشها الجاليات المسلمة خاصة في الهند ومدنها المنفتحة على الاستثمار العالمي تحت مصطلحات الاقتصاد العالمي الجديد. لقد فشلت ديمقراطية الهند التي تفتخر بها هذه القارة الكبيرة في استيعاب أكثر من مئة مليون ونصف المليون مسلم لا يزال هؤلاء غير قادرين على صعود الهرم الاجتماعي وكثير منهم لا يجد فرصة الاّ في الهجرة الى الخليج طلباً للرزق أو الى دول أخرى حيث تتاح لهم فرص اقتصادية معدومة في وطنهم الأصلي. لقد أرعبت غزوة مومباي ليس فقط الحكومة الهندية بل العالم الغربي خاصة وأن شراكته الاقتصادية ودخوله الى سوق مومباي لم يستوعب الكثير من المسلمين.
لقد ضرب الارهاب مدينة مومباي ليس للمرة الأولى ولكنه فصل جديد يبدو أكثر تخطيطا من سابقاته العشوائية. ومهما كانت جنسية المدبرين له أو القائمين عليه ستظل للإرهاب أسبابه المحلية ودوافعه التي تلقى قبولاً عند بعض الفئات المحلية مما يجعل القضاء عليه أمراً صعباً وعسيراً. ومن المؤكد أن يستغل البعض حالة المسلمين المزرية في المدينة لمصالح سياسية تجر الجالية الى المزيد من العنف والعنف المضاد. وطالما ظلت الهند الجديدة لا تسمع أصوات المهمشين ستظل معضلة المسلمين في الهند قائمة تهدد السلم والتعايش الاجتماعيين في مجتمع ذي تعددية عرقية ودينية واثنية ولغوية. وقبل ان نطلق الاتهامات يميناً ويساراً يجب الالتفات الى جذور الارهاب المحلية التي تجعله خياراً لبعض المجموعات وسلاحها الوحيد في عصر يشهد تغييرات اجتماعية واقتصادية لا تستفيد منها المجموعات المسلمة كما يستفيد منها الغير في الهند. ان لم يشمل النمو الاقتصادي الهندي الجديد هذه المجموعات فستكون ثورة الهند الاقتصادية التي ستجعلها خلال الاعوام القادمة من اكبر اقتصاديات العالم محفوفة بالمخاطر وأعمال العنف وستكون طفرة اقتصادية تتجاوز أولئك الذين هم بأمس الحاجة إليها.
 
‘ كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد