إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

من اين ستنطلق الشرارة ..؟؟

 
تفيد الاحصاءات الرسمية لمؤسسات دولية ومحلية ان معدلات الفقر في العالم العربي تتصاعد بحدة .. مع الانهيارات المتواصلة في صفوف الطبقة الوسطى. التي هي الاكثر تأثرا بالازمة المالية العالمية .. والتي اغلقت العديد من المنافذ والنوافذ التي كانت تحاول اقتحامها لتحسين اوضاعها المعيشية، فاذ بها تفقد كل او جزء كبيرا من مدخراتها وثرواتها رغم محدوديتها.
 
وقد يظن البعض ان الخسائر الفادحة في اسواق المال العربية اقتصرت على اصحاب الثروات الضخمة . وشركات الرساميل الكبيرة .. فترى البعض من ابناء الطبقتين الفقيرة والوسطى يردد شامتا عبارة “فخار يكسر بعضه”. دون ان يدري ان هذا الفخار يتناثر في كل اتجاه ليصيب الملايين من الفقراء وابناء الطبقة الوسطى بجراح عميقة.
 
ففي البورصات الخليجية مثلا يستحوذ صغار المستثمرين وهم بالكامل من ابناء الطبقة الوسطى على نحو 20 بالمائة من اجمالي القيمة السوقية للشركات المسجلة في البورصات، وتتراوح استثمارات الواحد منهم ما بين 50 الى 100 الف دولار.، ومع الهبوط الحاد الذي وصل في بعض الاسواق الى قرابة 60 بالمائة .. فقد هؤلاء ثرواتهم “وتحويشة عمرهم” والاشد بلوى ان الكثير منهم جاءت اموالهم التي استثمروها في البورصات من خلال قروض مصرفية وبفائدة مرتفعة، وباتوا الان امام امرين .. اما تسديد القروض من رواتبهم فيفقدوا اكثر من نصفها ويقعوا تحت طائل متطلبات الحياة المعيشية، واما التوقف عن السداد فيصبح مطلوبا للقضاء وقد يواجه السجن.
 
 وفي الاردن مثلا انهار ما كانت تسمى شركات البورصة العالمية، وفقدت الطبقة الوسطى الاردنية مئات الملايين من الدولارات، هي حصيلة مدخراتها على مدار عمرها، وفي سؤال لأحد الاصدقاء في الاردن حول طقوس عيد الاضحى هذا العام .. تساءل باستغراب .. أي عيد ..؟؟ واضاف لن يكون هناك عيد.. فاحوال الناس صعبة جدا بعد انهيار البورصات .. وقال “الناس فقدت اموالها على بساطتها ، والكثير منهم “مديونين” للبنوك.
 
ولم تقتصر الازمة المالية على من اقترب من الاسواق المالية، بل انعكس ذلك على ضعف التسوق بمناسبة العيد، ومن المعروف ان مناسبة العيد تعتبر موسما مهما جدا لتجار السلع الاستهلاكية ، وهم في الغالب افراد من الطبقة الوسطى، فالشكوى في اسواق العرب وبلا استثناء على كل شفة ولسان، حتى محلات الحلويات تشكو ضعف السوق، وفي نفس الوقت انخفضت اسعار الاراضي والمباني والسيارات والمواد الغذائية، ومع ذلك فالقوة الشرائية في ادنى مستوياتها.
 
واذا كان التراجع بالاسعار وخصوصا اسعار المشتقات النفطية والمواد الغذائية قد خفف نوعا ما من الضائقة المالية، الا ان ضعف الايرادات الناشئة عن ضعف المبيعات تلقي بثقلها على الطبقة الوسطى وتدفع باعداد كبيرة منها الى صفوف الطبقة الفقيرة.
 
وهذا التراجع والانهيارات في صفوف الطبقة الوسطى ينعكس بقوة على الطبقة الفقيرة وخصوصا العاملة منها، فمن المعروف اقتصاديا ان 80 بالمائة من الاعمال المتاحة امام الطبقة العاملة في الدول المتخلفة او النامية توفرها الطبقة الوسطى، وعندما تتراجع القدرة المالية للطبقة الوسطى فان الطبقة العاملة سوف تتاثر بقوة وتزداد اوضاعها صعوبة وقسوة.
 
ان تفاقم هذه الاوضاع تنذر بامكانية حدوث متغيرات دراماتيكية .. وتوقعات بحدوث حراك سياسي اجتماعي .. سيظل ذو طابع احتجاجي نظرا لضعف القوى السياسية الجماهيرية التي لن تستطيع كما حدث في مرات عديدة من التقاط اللحظة التاريخية لفرض تغييرات في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
 
المنطقة كلها تقريبا باستثناء الدول النفطية تجلس على مرجل يغلي .. ولا احد يعلم من اين ستنطلق الشرارة الاولى. وهل تكون من مصر ام المغرب ام من لبنان ؟؟ الشعب اليمني سبق الجميع بتحركات احتجاجية لكنها وئدت ولم تتجاوز نطاقها الضيق .. في غزة رغم القهر والفقر والجوع وفقدان ابسط مقومات الحياة .. لكن الامور لم تخرج عن نطاق المناشدة .. وما زالت الجماهير غائبة الا من شكوى بؤس حالها، والقوى السياسية تلقي بالمسؤولية على من هم خارج الحدود.
في لبنان الفقر يشمل اكثر من نصف السكان واصبح الاستثمار السياسي يشكل مصدرا رئيسيا لتوفير القوت اليومي .. ومن هم خارج نطاق الاحزاب السياسية يواجهوا صعوبات بالغة، وفي الجزائر البطالة تجاوزت 25 بالمائة ، وفي العراق حدث ولا حرج ، اما في السودان فالامور ماساوية، وكذا الامر في موريتانيا.
 
وهذا يفرض على حكومات المنطقة ان تولي اهتماما كبيرا بحال غالبية السكان وليس فقط بايجاد حلول وتوفير مليارات الدولارات لمساعدة الطبقة الثرية على البقاء ثرية، ان الخلل اذا ما اتسع في صفوف الطبقة الوسطى سوف يصعب معالجته بحلول اصلاحية، ان المسؤولية الوطنية تفرض على حكومات العرب تغيير سياساتها وبرامجها وقوانينها المسخرة لخدمة الطبقة الثرية، يجب ان يكون هناك وزنا مهما ورئيسيا للاقتصاد الاجتماعي، الذي ياخذ بعين الاعتبار تقديم كل اشكال المساعدة والعون لتوسيع ميدان الاعمال الوسيطه وتوفير الحماية للطبقة الوسطى باعتبارها تشكل مركز التوازن في المجتمع وهي المحرك الرئيسي لكل النشاطات التي تجري فيه.
 
ابراهيم علاء الدين
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد