إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

في ذكرى انطلاقتها: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تصعد بصعوبة

في ذكرى انطلاقتها: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تصعد بصعوبة

بقلم : زياد ابوشاويش

لا شك أن غياب الدكتور جورج حبش مؤسس الجبهة يلقي بظلاله الحزينة على ذكرى الانطلاقة الحادية والأربعين هذا العام، مضافاً لذلك حالة الانقسام التي يعيشها شعبنا والحصار الجائر الذي يفرضه العدو الصهيوني والأنظمة العربية المتأمركة على قطاع غزة البطل.

في مناسبة كهذه من الحكمة أن تقف الجبهة لتراجع مسيرة عام كامل منذ احتفالها العام الماضي ببلوغ سن الأربعين وهو سن الرشاد والحكمة كما يقال كما سن النبوة والوحي فهل كانت السنة الواحدة والأربعين تعبيراً ولو بسيطاً عن هذا الفهم وهذا الطموح؟،الإجابة الواضحة والصريحة هي : لا، لم يكن عام رحيل المؤسس عاماً للصعود الواثق والمبرمج بل عام صعود قلق وبالغ الصعوبة على مختلف الصعد رغم المؤشرات الايجابية التي يمكن رؤيتها في سلوك الجبهة وخطواتها الصحيحة تجاه موضوع الوحدة الوطنية وتشخيصها السليم لمفاعيل الأزمة الممسكة بخناق قضيتنا ومستقبلنا.

ولو بدأنا في المجال الفكري والايديولوجي فإن غياب الاستقرار واليقين ما زال هو السائد في مجال التثقيف الداخلي وانعاكسات ذلك على جملة السياسات والمواقف تجاه قضايا مفصلية لابد من الإجابة عنها وإعطاء رؤية الجبهة تجاهها كعنوان اليسار الفلسطيني ووحدة معسكر الثورة العالمي والمسألة الوطنية ربطاً بالمنهج القومي الذي اعتمدته الجبهة لفترة طويلة جداً وهل من الحكمة كبح جماحه أم تطويره باتجاه أكثر عمقاً؟ كما الشأن الطبقي ومعسكر الثورة وغيرها من قواعد وأسس التعبئة الفكرية في الجبهة. وفي الشأن التنظيمي لا زالت الجبهة تعاني مشكلات مزمنة على صعيد الهيئات القيادية وعدم القدرة على التجدد والخلق والإبداع، فالمؤتمر الذي يفترض عقده منذ ثلاث سنوات تأجل عدة مرات بذريعة ظروف موضوعية يمكن التذرع بها لوقف المقاومة كلها إن أردنا، وقضية اعتقال الأمين العام ونائبه ليست أعقد من الانقسام في الصف الوطني بين حماس وفتح ومع ذلك هناك من يستعد هذه الأيام لعقد مؤتمره العام فماذا بشأن الجبهة الشعبية؟ يضاف لذلك أن العمل الداخلي والدوران في الحلقة إياها لا زال ينخر في عظام الجبهة، وقاطرة التغيير والاندفاع ليست متوفرة لغياب برامج سبق أن تحدثنا عنها تجعل إمكانية انخراط العدد الأكبر من الكادر في العمل اليومي والهم اليومي للناس أمراً واقعاً، ويتجاذب القيادة اليوم ويؤثر فيها الاصطفاف الذي تشهده الساحة الفلسطينية، وعدنا لمنطق النصف زائد واحد والمماحكات الكابحة لأي تقدم بعد أن استبشرنا بموقف شبه الإجماع حول رفض الاشتراك في حكومة المحاصصة قبل اندلاع القتال بين طرفيها حماس وفتح والذي اتخذته الجبهة بشجاعة رغم عدم قدرتها في حينه على تسويغه أمام الشعب بالطريقة الملائمة ولو تأخر القتال كثيراً لعجزت الجبهة بصيغة عملها الراهنة عن الاستمرار في تبرير المقاطعة على صوابيتها وحكمتها.

وفي الجانب السياسي الأمر أفضل قليلاً لوجود ناظم يتعلق بالبرنامج وبطبيعة التركيبة الطبقية والثقافية للجبهة وكادراتها، ولوجود تاريخ حافل أيضاً بالنضال المبدأي والحازم للجبهة ضد كل مشاريع التسوية التي تنتقص من حق شعبنا في كامل أرضه، ومع ذلك ينتاب مواقف الجبهة أحياناً بعض الغموض غير الخلاق فيعطي صورة ضبابية عن موقف الجبهة ويقدمها بطريقة خاطئة للجمهور في الوقت الذي لا تزال الجبهة الشعبية الفصيل الأكثر قدرة على فهم التغيرات السياسية وتحليلها بطريقة علمية صائبة كما أنها الأكثر نزاهة واستقامة في مواقفها من الخلاف الفلسطيني الداخلي والتعبير عن نبض الشارع، فهل يترافق ذلك مع فعل على الأرض يشكل بديلاً حقيقياً لما يراه الناس ويلمسوه في ظل الانقسام والصراع بين فتح وحماس؟.

المشكلة التي يواجهها المشروع الوطني خطيرة لأبعد الحدود وجميعنا يدرك هذا الأمر وخاصة قيادة الجبهة فهل قامت بكل ما يجب القيام به على صعيد تقليل أو درء مخاطر المشكلة المتمثلة في انقسام أفقي وعمودي وشلل في كل مفاصل حياتنا الكفاحية ومفاوضات عبثية هنا وتهدئة أكثر عبثية هناك؟ وهل شكل تحركها على صعيد خلق تيار أو فريق بديل عن الانقسام وقادراً على لجم تداعيات الصراع حالة جماهيرية وفعل حقيقي على أرض الواقع؟ لقد وقعت الجبهة على اتفاق تحالف بين قوى اليسار ضمها والجبهة الديمقراطية وح
زب الشعب فهل مثل هذا التحالف ببرنامجه بديلاً جدياً عن حالة الانهيار التي نراها في الساحة الفلسطينية والمتمثلة في قسم محاصر ولا يملك سوى صواريخ بدائية للتعبير عن غضبه، وقسم آخر تحكمه سلطة لا تملك من أمرها شيئاً ومرهونة للدول المانحة ومقطعة الأوصال ويعيث المستوطنون خراباً بين ظهرانيها؟

بدون التفاصيل التي يمكن أن يلاحظها كل قاريء للبرنامج فإن الإجابة عن السؤال تتمثل في شقين الأول أن البحث والتحالف من حيث المبدأ هو أمر صحيح بل وواجب وطني شديد الإلحاح والشق الثاني من الإجابة يقول أن هذا التحالف ببرنامجه الفضفاض والمائع وبعلاقات أطرافه غير المتوازنة مع طرفي الخصومة في الساحة الفلسطينية لا يمثل الرد المطلوب على حالة الانقسام والانهيار التي ذكرناها. طبعاً هذا الحكم قابل للتعديل إن جرى إعادة نظر في البرنامج والاتفاق على آليات عمل أساسها الموقف السياسي بكل تفاصيله وتكتيكاته ولا يتم ترك قضايا هامة لاجتهادات هذا الطرف أو ذاك في حلف اليسار الجديد وكلنا يعرف أن الخلاف سيكون في التفاصيل. ونعرف الاختلاف النوعي بين طريقة تفكير ومنطق الجبهة الشعبية السياسي وطريقة تفكير ومنطق شريكيها في هذا الإئتلاف المهم والضروري. إن أجواء الحزن تلف الوطن كله لغياب أشياء عزيزة ورفاق أعزاء عن ذكرى يفترض أنها فرصة لشد الهمة وإعادة الحياة لشبكة العلاقات الوطنية صانعة القوة في مواجهة العدوان المستمر والتي مزقتها عواصف الانقسام والنزعة الفئوية في الساحة الفلسطينية، ولكن المطلوب هو أن ننتزع الفرح والأمل من هذا الواقع المرير والمؤلم وإذا كان القول بأنه لا يجعلنا عظماء سوى ألم عظيم صحيح فإن القول بأن عظمة شعبنا وقدرته على الصمود والعطاء تظهر وتعطي النموذج من خلال الحب والتقدير للحرية وللشهداء والأسرى هو قول نؤكده بالعهد لروح القائد الكبير الدكتور جورج حبش مؤسس الجبهة بأن القيم والأهداف التي عمل من أجلها حين أسس الجبهة ستبقى منارة الأجيال القادمة على درب الحرية والعودة وإقامة الدولة المستقلة في فلسطين.

زياد ابوشاويش

[email protected]

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد