إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

كان عندنا دكتاتور… بقلم: علي الصراف

كان عندنا دكتاتور... بقلم: علي الصراف

لم تمر حزينة أبدا الذكرى الثانية لإعدام شهيد الحج الأكبر صدام حسين. لم يكن هناك ما يبرر الحزن أصلا، في يوم عيد. أتمَّ حجاجُ بيت الله الحرام شعائر الرحمة والمغفرة. وأتمّ الشهيدُ صلاتَه بدمه. فكان عيدا. وما يزال عيدا. وسيظل عيدا.
هناك سبب آخر اليوم للقول: كل عام وانتم بخير.
فعندما تقارن السنوات الخمس التي أمضاها الاحتلال وعملاؤه في السلطة بسجل السنوات الخمس الأولى التي أمضاها الشهيد في السلطة، فان مفارقةً قويةً ستدفع الى القول: كل عام والشهداء بخير. وكل عام والأحرار بخير. وكل عام والوطنيون بخير.
كان عندنا “دكتاتور”.
لم يكن الرجل الأول في النظام الذي نشأ عام 1968، ولكنه كان حجر الزاوية فيه. وكان رائدَ مبادراته ومخططه وعقله.
في سنواته الخمس الأولى في السلطة فعل “الدكتاتور” الأشياء التالية فقط:
1ـ أعلن العفو العام عن جميع السجناء السياسيين، وأعادهم الى وظائفهم، وعوضهم عن كل سنوات الحرمان بـ”العلاوة والترفيع”.
2ـ أطلق حملة لمحو الأمية، تحولت الى مهرجان ينشغل به المجتمع العراقي بأسره، حتى محيت من الوجود بالفعل.
3ـ أطلق سلسلة حملات “تطعيم” باللقاحات للأطفال من الأمراض المعدية و”المتوطنة” (كما كانت تسمى) حتى زال الكثير منها.
4ـ أصبح التعليم إلزاميا حتى الثانوية، والتعليم الجامعي مجانيا.
5ـ أنهى الحرب مع الأكراد. ووقع اتفاقا للحكم الذاتي (اتفاق 11 آذار الشهير عام 1970) منح من خلاله الأكراد، لأول مرة في التاريخ الحديث، حقوقا دستورية متساوية، وجعل اللغة الكردية الأولى للتعليم في مناطق الأغلبية الكردية، والثانية في بقية مناطق العراق، مُجبرا العرب على تعلّمها!
6ـ وزع الأراضي على الفلاحين وشن حملة لـ”الإصلاح الزراعي” شملت تزويد الفلاحين بالمكائن والمعدات والبذور (وزادهم دلالاً بتوزيع تلفزيونات وبرادات على الفلاحين!).
7ـ شكل “الجبهة الوطنية والقومية التقدمية” بين جميع الأحزاب السياسية الكبيرة الأخرى (بما فيها حزبا الأنذال الذين تحولوا الى أدلاء وعملاء للموساد)، ومنحها مقرات علنية لتمارس نشاطاتها، وصحفا تدعمها الدولة، ومعونات مباشرة (لكي لا تمد يدها الى الأجنبي).
8ـ أمم النفط العراقي، ورفع يد جميع الشركات الأجنبية من ثروات العراق.
9ـ أعاد استثمار كل درهم من عائدات النفط في مشاريع بناء حولت العراق الى نموذج لا سابق له في المنطقة. (مُجبرا الوزارات على أن تنفق ميزانياتها في مشاريع مخطط لها).
10 ـ أصدر قانون الأحوال المدنية لضمان حقوق المرأة ومساواتها بالرجل.
11ـ دعا العلماء والخبراء العراقيين في الخارج الى العودة للمساهمة في بناء وطنهم، ومنحهم مرتبات مغرية ومنازل وسيارات (مرسيدس من أرقى طراز في تلك السنوات).
12ـ وقع اتفاقية الجزائر لإنهاء النزاعات الحدودية مع إيران، ولوقف التدخلات الإيرانية في الشؤون العراقية.
13ـ دفع بقواته للمشاركة في حرب اكتوبر/تشرين الأول 1973، رغم ان العراق لم يكن على علم مسبق بالحرب. وذادت تلك القوات عن حمى دمشق، مقدمة عدة آلاف من الشهداء، في معارك مشهودة. ورغم ان الجنود العراقيين كانوا يقاتلون من دون غطاء جوي، ولكنهم فرضوا إرادتهم في الميدان، وأوقفوا تقدم الإسرائيليين في الجولان.
14ـ أقام نظاما حكوميا صارما للنزاهة وحسن التصرف بالمال العام. وما كان لأحد من كبار المسؤولين أن يجرؤ أن يكون له حساب مصرفي في الخارج (فهذا، بالنسبة له، كان من دلائل الاستعداد للخيانة).
15ـ ألقى القبض على شبكات الجواسيس التي كانت تزرعها إسرائيل، وأعدمهم علنا ليكونوا عبرة.
16ـ جعل من القيم الوطنية معيارا لكل شيء. (وبما انه “دكتاتور”، فقد وجد نفسه يمثل الضفة الأعلى لتلك القيم. عظمة العراق في عينيه، منحته شعورا شخصيا بالعظمة، بالفخار، بالأنفة والتعالي، مدركا انه وريث أسطورة تاريخ لا أرقى منها ولا أسمى).
ولدينا اليوم “ديمقراطيون”، جاءوا الى السلطة محمولين على دبابات العم سام، لإقامة “نظام جديد”. وفي سنواتهم الخمس الأولى في السلطة، فعلوا الأشياء التالية فقط:
1ـ اعتقلوا وعذبوا اكثر من 600 ألف معارض للاحتلال ولمشروعهم الطائفي. وقتلوا مئات الآلاف من الأبرياء في أول تصفيات جماعية من نوعها “على الهوية”، وأنشأوا أحزابا على أسس طائفية، استولى كل منها على ما قدر عليه من إدارات الدولة ومؤسساتها. وحرموا مئات الآلاف من موظفي الإدارات الحكومية من وظائفهم.
2ـ أطلقوا حملة لتزوير الشهادات وتزوير نتائج الامتحانات (على أسس طائفية أيضا) لمنح “المظلومين” القدرة على أن يكونوا أطباء ومهندسين بالجهل.
3 ـ أعادوا الكوليرا وغيرها من الأمراض “المتوطنة” لتكون “مواطنا” في “العراق الجديد”.
4ـ حوّلوا الجامعات من مؤسسات علم الى مؤسسات للمليشيات. وشنوا حملة لاغتيال وتصفية العلماء والخبراء والأساتذة الجامعيين. وتمكنوا من تصفية نحو 5500 عالم وخبير.
5ـ جعلوا العراق دولة كانتونات طائفية، وفصلوا بين المناطق بجدران كونكريتية. وأتاحوا الفرصة لعصابات النهب والاستيلاء الكردية لكي تتصرف كدولة مهربين مستقلة. و.. ذات مشروع استيطاني توسعي “يستلهم” “مواهبه” في السطو على الأراضي من تجارب المشروع الإسرائيلي.
6ـ  نشروا مليشيات حليفة للاحتلال، متصارعة فيما بينها، لتتقاسم السيطرة على المحافظات والأقاليم والمناطق
العراقية.
7ـ شكلوا مجلسا للحكم على أسس طائفية (حتى زعيم الحزب الشيوعي شارك فيه بوصفه “شيعيا”)، وخاضوا انتخابات (حملت الدبابات الأميركية صناديق اقتراعها) ليشكلوا برلمانا وحكومة قائمين على مبدأ “المحاصصة” الطائفية (وظلوا يستنكرون الطائفية!، وذلك على سبيل الدعارة بالكلمات).
8ـ أعادوا الشركات الأجنبية للتحكم بثروات النفط العراقية ومنحوها عقودا تحت ستار “الاستثمار” تسمح لها بالسيطرة على 49% من اجمالي إنتاج النفط والغاز العراقي. وسمحوا للاحتلال باستخراج النفط من دون عدادات.
9ـ حولوا الأموال الى الخارج في حسابات لصفقات خردة تجاوزت منهوباتها المليارات، بينما فشلت مشاريع “إعادة الاعمار” حتى في إعادة الكهرباء والمياه النقية والخدمات الأساسية.
10 ـ أصدروا تشريعات وقوانين تنقض قانون الأحوال المدنية السابق، وتحرم المرأة من حقوقها الأساسية، وفرضوا الحجاب بالقوة. وشنوا حملات للقتل ضد النساء. واضطهدوا الأقليات الدينية. ودبروا أعمال قتل لرجال دين مسيحيين، وشردوا آلاف العوائل المسيحية (ولم ينسوا ان ينسبوا جرائمهم لـ”تنظيم القاعدة” ـ باعتباره الشماعة التي يمكن أن يتعلق عليها كل شيء).
11ـ دفعوا الآلاف من العلماء والخبراء والأطباء والمهندسين والأساتذة الجامعيين، ممن لم تطالهم يد التصفية، الى الهرب خارج العراق.
12 ـ وقعوا اتفاقا أمنيا يجيز لقوات الاحتلال إقامة قواعد خارجة عن “السيادة” العراقية، كما يجيز لها ارتكاب أي جرائم، من دون محاسبة، طالما أنها تُرتكب “ضمن الواجب”. وربطوا إزالة الاحتلال ببقاء مصالحه في اتفاقية إستراتيجية موازية. فالجنود قد يرحلون، إلا أن مصالح الاحتلال تبقى. وحولوا العلاقة مع إيران الى علاقة تبعية مخزية.
13ـ مارسوا تطبيعا معلنا وخفيا مع إسرائيل، وأصبحت صور اللقاءات مع مسؤولين إسرائيليين من دواعي “الفخر”. وبعضهم يذهب الى إسرائيل أكثر مما يذهب الى المراحيض. وإذا تعرضت سوريا الى عدوان، فأنهم يبررون للمعتدي فعلته، وينتقدون سوريا.
14ـ أقاموا نظاما مشهودا له بالفساد، من أعلى المستويات الى أدناها. والأدلة يسجلها عليهم الاحتلال نفسه لكي يضمن ولاءهم وصمتهم، وهو يكشف سجلاته أيضا، لكي يقول لهم: انتم تعرفون ونحن نعرف.
15ـ حوّلوا العراق الى مرتع ليس للجواسيس من كل نوع فحسب، بل والى مرتع للمرتزقة من كل جنس أيضا.
16ـ جعلوا من الطائفية معيارا لكل شيء. حتى صار الكلام لا يبدأ إلا بسؤال: أنت شيعي أم سني؟ وبما أنهم سقط متاع من الدجالين الذين لا مشروع وطنيا لديهم، فقد أصبحت العمالة وخدمة مصالح الأجنبي هي مشروعهم الوحيد، وهي سبب الشعور الواطي الواطي الذي يعانيه، بينهم، كل وزير ونائب وزعيم حزب “ديمقراطي”.
هذا هو سجل الأعوام الخمسة.
كان لدينا “دكتاتور” وطني، واليوم لدينا نظام عملاءٍ “ديمقراطي”.
فضاعت الأنفة، وانهار الفخر والتعالي. والواطي صار عاليا، والعالي واطي.
ألا تشكل هذه المفارقة وحدها سببا إضافيا للقول: كل عام والشهداء بخير؟
إنما العيد عيدهم. وسيظل عيدا بهم، بصلاتهم، كما بدمائهم.

[email protected]

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد