إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

البوليزاريو إلى أين…؟

البوليزاريو إلى أين...؟ لحسن بولسان
إستطاعت البوليزاريو على مدار ثلاثة عقود أن تحول الشعب الصحراوي من قبائل يعيشون وفقاً لأساليب الحياة البدوية على نمط العصور الغابرة   ،بعدما كانوا   تحت وطأة أخلف إستعمار عسكري أوروبي وهو الإستعمار الإسباني ، إلى شعب متعلم و فاعل.و إن الناظر لتاريخ البوليزاريو لا ينكر لها هذا الدور وكيف أنها إستطاعت
أن تنهض بالصحراويين وتنقلهم من حالة التخلف والتأخر إلى حالة من الوحدة والتقدم والفكر الحر وإدارة الحياة العامة بصورة محترمة تخدم مصلحة وسعادة الإنسان الصحراوي.ورغم شح الإمكانيات وظروف الحرب ،أسست البوليزاريو لمشروع دولة عصرية إنصهرت فيها طاقات كل الصحراويين ،مانحة المشاركة لكل شرائح المجتمع اليوم أين تلعب المرأة الصحراوية دورا هاما في تسيير الشأن العام.
ولا نبالغ كذالك إن قلنا إن البوليزاريو أبدعت في الحرب وأصبحت تجربتها القتالية الفريدة تشكل مرجعية في حرب العصابات ونظريات الحروب بحيث إنها أول من طبق وأسس لنظرية جديدة تؤكد قدرة الإنسان على القيام بحرب العصابات في أماكن صحراوية قاحلة لا توجد فيها جبال ولاغابات وتغيب فيها المياه غيابا شبه تام.وإعتمدت البوليزاريو في هذا على خبرة الإنسان الصحراوي التاريخية في فن الحرب وقدرته على التحمل وإنصهاره في الطبيعة مضيفة على ذالك التجديد في الوسائل والتخطيط والتنظيم وكلها أمور تعتمد على فطنة حقيقية وسرعة فائقة.
لكن ما يلفت النظر، هو كيف حولت البوليزاريو شعب ترك فيه الإستعمار الاسباني 4 خريجين فقط خلال عقد من الزمن الى نخبة من الأكاديميين والمثقفين والسياسيين نشأت في الثلاثة عقود الأخيرة ، وجرى تطور نوعي لافت في الخطاب الثقافي – السياسي عند هذا المجتمع الذي كان ينظر له بنزعة فوقية دونية.
 وبالتأكيد لا يوجد خلاف على أن البوليزاريو ما قبل وقف إطلاق النار فكرا وممارسة لم تعد هي نفسها اليوم ،ويخطيء من يعتقد أن النظام السياسي في البوليزاريو لم يشهد تغييرات في سياساته الداخلية أو في القواعد التي قامت عليها تلك السياسات. وشرعت البوليزاريو التي أبانت عن قدرات معتبرة في فهمها للمرحلة وللعلاقة بين المرحلي والإستراتيجي وأشكال النضال المتاحة بعد وقف الحرب في السادس أيلول 1991 ، وإستطاعت التوفيق بين من يرى أنه في مرحلة التحرر، ومن يقول إنه دخل مرحلة بناء الدولة؛ وبدأت في التكيف مع ما جد على الساحة الدولية من فلسفة جديدة من قبيل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير وبدأت في خطوات في هذا الاتجاه والتأسيس لعلاقات الديمقراطية المؤسسة.  
 ولا ننكر أن هناك عدة أخطاء واكبت سير البوليزاريو بسبب قلة التجربة وطبيعة عدة ظروف موضوعية وذاتية. علما أن صغر سن المسؤوليين للبوليزاريو في مرحلة معينة جعلها ترتكب بعض الأخطاء ولكنها تقنية وليس إستراتيجية ، حيث كان في الثمانينات معدل سن عناصر قيادة البوليزاريو يتراوح بين 25إلى 35 سنة..
وفي مرحلة السلم برزت عدة إشكاليات موضوعية أوضحت أن البوليزاريو كانت أكثر قدرة على تسير الحرب من مواجهة وضعية اللاحرب واللاسلم وفرضت مرحلة السلم هذه عدة إشكاليات جديدة على بساط البحث داخل البوليزاريو التي وجدت نفسها أمام العديد من الظروف الصعبة والمواقف الحرجة في العديد من المرات و أمام تحديات وأصوات تتعالى أحيانا تطالب بالتقيم الدائم في سبيل معرفة أين أخفقت وأين نجحت؟ ويعتبرموضوع التوظيف والإستثمار الأمثل للطاقات الشابة   وكيفية إستيعاب كل القدرات من أكبر التحديات التي أفرزتها ظروف ما بعد وقف إطلاق النار وكيفية إحتواء ألاف الخريجين الجامعين والشباب وهذا يرجع أساسا إلى عدم توفر مؤسسات كبيرة تستقطب هذا الكم الهائل من الشباب وهو ما دفع بعضهم إلى الهجرة مع الإستعداد الدائم لتلبية نداءات الواجب..
ولا يمكن نفي كذالك أنه في صفوف قيادة البوليزاريو من مازال لم يؤقلم نفسه مع هذه التطورات ويحن إلى نفوذه السابق الذي ولى عصره.وإذا كان في الجيل القديم من يحن إلى أوضاع أصبحت متجاوزة ،فإن في الجيل الجديد وخاصة في صفوف النخبة من يسمح لنفسه بتوجيه إنتقادات لقيادة البوليزاريو بدون معرفة الظروف الموضوعية التي أحاطت بهذا القرار أو ذاك ،وتفاصيل الأمور وفي الكثير من الحالات من قبل أصوات لا يسجل لها أي عطاء أو مساهمة في الساحة الصحراوية..
إن هذا التعاطي السياسي داخل البوليزاريو وفي مؤسسات الدولة الصحراوية التي أعلنتها سنة 1976قفز بالمجتمع الصحراوي من مجتمع كان يفكر ويخطط له إلى مجتمع يفكر ويخط
ط من خلال مؤسسات سارعت البوليزاريو إلى إنشائها مع بداية ال 90للتأقلم مع رياح التغير العالمي نحو الدمقرطة رغم ما يشوبها من نقائص بسبب الوضعية الحالية للصحراويين. ولا بد من التذكير هنا إلى أن البرلمان الصحراوي إكتسب حيوية متميزة حتى عرف بأنه أول برلمان في كل دول شمال غربي إفريقيا الذي سحب الثقة من الحكومة سنة …1999..كما أن الإنتخابات تشمل كل المستويات :من البلدية إلى المستويات الوطنية وأصبحت كل القيادات منتخبة وهذا ضمن الشروط المتعارف عليها عالميا من سرية وفتح الترشح لكل صحراوي بالغ.ومن المؤسف أن هذه الحقائق تجهلها الأوساط الإعلامية العربية التي تبقى بقصد أو بغيره لا تبالي بتجربة الشعب الصحراوي الديمقراطية.وإذا كانت البوليزاريو لم تعرف إنشقاقات في صفوفها كما يدعي البعض لأن من تخلى عن الكفاح هي أسماء قليلة فاقدة للنفوذ أصلا والمصداقية حتى في أقرب المقربين إليها،إلا أنه لا يمكن نكران أن هناك جناحين داخل البوليزاريو اليوم:الجناح الأول وهو الغالبية و يعتبر المفاوضات غير نادجة ولا جدوى منها و يميل لتبنّي خيارالعودة للعمل العسكري ، وهذا الموقف ليس فقط عند جناح في القيادة ولكنه أخذ في التجذرعلى مستوي الجيش الصحراوي وفي اوساط النخب والقاعدة بالمخيمات والأراضي التي يسيطر عليها المغرب ويضغط هذا الصنف بوتيرة سريعة تجاه العودة إلى الحرب بإعتبار الأمم المتحدة لم تتفوق حتى الأن في تنظيم إستفتاء ولكون المفاوضات لم تنجح حسبهم ، لأن المغرب يتحدي  قرارات الأمم المتحدة ويستهان بالرأي العام العالمي.
 أما الجناح آو التوجه الآخر فلا يريد القطيعة مع الأمم المتحدة وينهج موقفا تكتيكيا حيث يعمل جاهدا على إستنفاذ كل الأساليب السلمية للحصول على نفس الهدف ويصر على المضي قدماً في إستكشاف مدى جدية المغرب في الوصول إلى حل يضمن حق تقرير المصير للصحراويين و قيام سلام دائم وعادل في المنطقة وكذالك قطع الطريق حسب رواد هذا الجناح على أساليب التسويف والمماطلة التي تتبعها المملكة المغربية قصد التهرب من مسؤولياتها تجاه المجموعة الدولية.
ويبقى في كل الأحوال الوزن الذي إكتسبه الأمين العام الحالي للبوليزاريو السيد محمد عبد العزيز نتيجة خبرته في الحرب وفي التسيير أن رأيه هو الذي سيرجح إحدى الكفتين في أخر المطاف..
وجدير بالذكر أن دخول عنصر الإنتفاضة بالمناطق الموجودة تحت سيطرة المغرب في المعادلة السياسية الصحراوية أعطى بعدا جديدا لتطورات نزاع الصحراء الغربية بحيث إن كل الأصوات القادمة من وراء الجدارالذي يقسم الصحراء الغربية، تطالب بإلحاح بإتخاذ قرار حاسم يضمن الخروج من الوضع الحالي وزاد من هذا الإصرار رفض المغرب حتى الآن التعامل مع المبعوث الشخصي الجديد للأمين العام الأممي بالإضافة إلى عنصر المواجهات الشبه اليومية بين قوات الأمن المغربية والمواطنين الصحراويين ، هذه كلها عوامل بالإضافة إلى غيرها قد تعجل بالحسم في إتخاذ قرار تجاه العودة إلى الحرب لأن الجناحين داخل البوليزاريو لا يقبلان بحل لا يؤمن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. وإذا كان المغرب قد راهن على الزمن لإضعاف االبوليزاريو وإنهاك قدراتها وتسلل اليأس والإحباط لنفوس قادتها   ،فان النتيجة عكسية وما يخشى الآن هو تجذر خيار الحرب أكثر.والمفارقة هي أن المغرب يمتلك الدفع بالبوليزاريو إلى إتخاذ قرار في إتجاه أو اتجاه أخر،فعندما يصعد المغرب ويظهر تعنتا يتقوى الحس والشعور لدى الصحراويين صوب الحرب،وعندما يجنح المغرب إلى المرونة والحوار يصبح خيار التفاوض مفتوحا عند الصحراويين.وبالتالي فإن وضعية اللاحرب واللاسلم بالصحراء الغربية جعلت البوليزاريو ،التي يبقى قرارها سيادي وغير مرتهن دون جهل بعض العناصر المؤثرة في صناعة هذا القرار ،هي اليوم قوة سياسية متمرسة على إستعمال سلاحين في أن واحد.
لحسن بولسان صحافي من الصحراء الغربية.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد