أرشيف - غير مصنف
أين هي الممانعة؟ بقلم ناصر ثابت
في هذه الأوقات العصيبة، وهذه الأيام الدموية في فلسطين، تحت القصف الوحشي الصهيوني، وبعد عدة أيام من تدفق هذه الشلالات الهادرة من دماء الشهداء، لا يسعُ المرءَ إلا أن يشعر بالألم والأسى لهذا العجز العربي الرسمي والشعبي على الفعل والتحرك. هي ثورة غضب شعبي اعتدنا عليها من قبل، ستبدأ مع بدايات العدوان أو تتأخر قليلا، وستنتهي بعد انتهائه بأيام معدودة. فكأن هذه الثورة لفائدة أصحابها فقط، وليست لفائدة إخوانهم في فلسطين، ويبدو لي أن هدفها هو أن تتخلص هذه الجموع من الضغط النفسي الرهيب الذي يعتريها بعد أن تشاهد الدماء والأشلاء والدمار العظيم من بعيد على شاشات الفضائيات والمرئيات المختلفة، ثم تعود ثورتها الى الهدوء إما مع انتهاء العدوان أو مع اعتيادها على مشاهده الدموية!
أقول، أن تتوقف الأمور عند هذا الحد فهذا من المألوف لدينا، فلا نعجب له ولا نحس بالغرابة، لكن المثير للسخرية أن نقفز من فوق دماء الضحايا، وأن ننسى عدونا الحقيقي وأن يبدأ بعضنا بكيل الاتهامات الى البعض الآخر، والحرب لم تضع أوزارها بعد. ومن المثير للاشمئزاز أيضاً أن نستثمر هذه الأزمة وهذه الأرواح الطاهرة التي أزهقت، في خلافاتنا الداخلية. ومن المثير للغثيان أن نرى “محور الممانعة” يوجه سهامه الى صدور أبناء أمته بشكل حاقد وغير مسبوق، وينسى أن يمارس ممانعته في وقتها الصحيح، بعد أن جاء فعلا الوقت الذي يتوجب عليه فيه أن يُرينا ممانعته التي تحدث عنها طويلاً!
ليس غريبا علينا كأمة أن نصنع لأنفسنا طواحين هواء نهاجمها ونلعنها، ونستقوي عليها، في الوقت الذي نترك فيه العدو الحقيقي يمارس هواياته في قتلنا واستنزافنا.
ما وصلنا إليه لا يُبشر بخير. الأرواحُ التي أزهقت لم تستطع أن توحدنا، فمتى سنتوحد؟
لكننا من استقراء الأحداث ومراقبة الأفعال والأقوال لكل الأطراف، نجد أن هنالك من لا يزال يمارس حربه الاستقصائية ضد الآخرين، يريد أن يمسحهم من الوجود وأن يجعلهم يظهرون في عيون الجماهير المخدرة بالشعارات في ثوب المتهم الذي لا عقاب له إلا الإعدامَ المعنوي والمادي. في الوقت الذي نعرف جميعا أن كل واحد فينا له دور في الأزمة، وأن كل واحد منا قصَّر أو أخطأ بطريقة أو بأخرى، ما أدى الى هذا الحضيض الذي نحياه الآن، ولا يبدو أننا سنخرج منه في المدى المنظور.
نتهم مصر بالتقصير ومشاركة إسرائيل في الجريمة، وننسى أنها ليست وحدها العاجزة أو المستنكفة عن الفعل العسكري دفاعاً عن غزة. كل الدول العربية والإسلامية (ومن ضمنها دول “الممانعة” وحركاتها وشخصياتها وفضائياتها) عاجزة عن هذا الفعل، فلماذا نتركها جميعَها ونصبُّ جام غضبنا غير المحسوب وغير الأخلاقي على مصر بالذات؟ ليست وحدها التي ترتبط بمعاهدة سلام مع إسرائيل فهنالك هنالك الأردن وهنالك قطر، وهنالك من “دول الممانعة” نفسها من تسعى الى هذه المعاهدات. مصر ليست وحدها التي أوصلت التطمينات الإسرائيلية الكاذبة الى حماس، فهنالك قطر والتي قامت وباعتراف صريح من رئيس وزرائها بتوصيل مثل هذه التطمينات. ولكن “الممانعين” تركوا قطر وغضبوا من مصر، فيا للمفارقة!
وليتهم غضبوا بشكل محترم وأخوي وكريم، كنا سنقول “صغارٌ يعتبون على أمهم”، لكن هيهات أن نجد لهم مخرجاً بريئاً مما هم فيه الآن، وهم في نظرنا لئام يريدون رأس مصر، وهذه لعمري كبيرة من كبائرهم.
وكالعادة لا ينسى هؤلاءِ أن يهاجموا السلطة الوطنية الفلسطينية، ممثلة برئيسها محمود عباس. بل ما أثار دهشتنا أنهم في عزِّ أزمتنا مع عدونا، و عزِّ “ممانعتهم” وصمود أهلنا في غزة، وجدوا الوقت الكافي لكيل الاتهامات الى مؤسسة الرئاسة أنها تُحضر نفسها لدخول غزة على ظهر دبابة إسرائيلية!
أستغرب أولا كيف وجدوا طول النَفَسِ لمثل هذه التحليلات والاكتشافات وهم الآن مشغولون بصمودهم، وبما وعدونا به من “الممانعة” والبلاء الحسن إن تمت مهاجمة غزة. فإذا كان ما يقولونه صحيحاً فما الفائدة من ترديده بمثل هذا الأسلوب الفج وفي هذا الوقت بالذات؟ لا أجد تفسيراً إلا أنهم يريدون أن يُغطوا على تقصيرهم في “الممانعة” وأن يشغلوا الرأي العام عن هذا التقصير، وأن يستفيدوا من التعاطف الجماهيري الذي حصلوا عليه بسبب العدوان في تسجيل النقاط الإعلامية ضد معارضيهم السياسيين. وهذه برأيي سابقة خطيرة في تاريخ الشعوب.
إذا كنتم متأكدين أن الرئيس يريد أن يدخل غزة على ظهر دبابة إسرائيلية، فمن باب أولى أن تعملوا على إفشال هذه المؤامرة بصمت، وأن تضربوا رام الله بصواريخكم الجبارة مثلما تضربون المدن الإسرائيلية، لا أن تنشروها على الإعلام، وتقاوموا “مخططات أبي مازن القذرة” على الفضائيات وبحناجر إسلاموية عابثة هازئة ناكرة للجميل، وغير قادرة على تحمل مسؤولياتها. إنكم تتناس
ون أن الرئيس لو كان يريد أن يدخل غزة على ظهر دبابة إسرائيلية فلماذا ينتظر كل هذه الشهور بعد انقلابكم الدموي وما سبقه ولحقه من مجازركم الحاقدة ضد أهل غزة؟
ون أن الرئيس لو كان يريد أن يدخل غزة على ظهر دبابة إسرائيلية فلماذا ينتظر كل هذه الشهور بعد انقلابكم الدموي وما سبقه ولحقه من مجازركم الحاقدة ضد أهل غزة؟
آلاف مؤلفة من المسلحين في القسام والتنفيذية، لم يفعلوا شيئا لصد العدوان حتى ساعة كتابة هذا المقال، وأعتقد أنهم لن يفعلوا، وإن فعلوا فقليل منهم فقط. أين من أبلى بلاء حسناً في كل المجازر التي ارتكبتها حماس؟ أين هؤلاء الأسود والأشاوس الذين أبدعوا في حصار آل حلس، واستماتوا في حصار آل دغمش، وأظهروا قدرات عسكرية فائقة في الإجهاز على غريب أبي المجد وغيرهم؟ الآن يتضح أن هذه الأعداد الضخمة من المسلحين وما يملكونه من عتاد، لم يتم إعدادهم وتحضيرهم وتحريضهم إلا ضد أبناء جلدتهم من الفلسطينيين. وهذا ما يفسر بلاءَهم الحسن في ذلك الوقت و”ممانعتهم” الباهتة الآن!
الحقيقة أنهم لا يستطيعون أن يقفوا في وجه إسرائيل. نحن نعرف هذا ونعيه جيدا وهو مبني على موازين القوى وتحليل الوضع الميداني. دول بكاملها لم تستطع أن تقف في وجه إسرائيل، فهي قوة عسكرية كبيرة جدا، وعندها من الأسلحة ما يصلح لهزيمة عدة دول في نفس الوقت. هذا نعرفه جيدا، ونعرف أننا كشعب فلسطيني لا نملك إلا الإرادة الشعبية والصمود والمقاومة. لكننا هنا نشير الى من استثمروا التعاطف الشعبي العربي معهم، في خضم الأزمة، لكي يوجهوا الأنظار الى تقصير الآخرين، ويصرفوا الأنظار عن تقصيرهم هم.
الحقيقة هي الضحية دائماً. فمن العيب على سلطة الأمر الواقع في غزة أن تحدثنا عن خيالات تدور في أذهانها ضد مصر وضد رئاسة السلطة، متناسية أخطاءَها القاتلة وقيادتها غير الحكيمة. فخطأ قاتل أن يتم إعدام أبناء حركة فتح في غزة بدم بارد، وبرصاص حمساوي حاقد كان جباناً في وجه الصهاينة وشجاعاً على أبناء شعبه. والجريمة تتضاعف عندما تحدثُ أثناء العدوان وتتناساها الفضائيات!
هم المسؤولون عن عشرات السجناء (من الفتحويين وغير الفتحويين) الذين قضوا شهداءَ تحت أنقاض باستيلاتهم التي هدمها الله بيد بني صهيون. هم المسؤولون عن دماء الضابط المصري العربي المسلم الذي قتلوه على الحدود مع الشقيقة الكبرى التي صبرت عليهم وعلى بذاءاتهم أعواماً طويلة. خطأ قاتل أيضاً أن يتركوا العدو الحقيقي ويحملوا المسؤولية لمن يعرفون جيداً أنهم لم يشاركوا ولا يمكن أن يشاركوا إسرائيل في عدوانها، لذلك فإنني أجد من حقي بل ومن واجبي أن أقولها بصراحة إنهم هم المسؤولون عن الوضع المتردي الذي وصلنا إليه داخلياً وخارجياً، عريباً ودولياً.
هم الذين قدموا دماء الغزيين الى الوحش الإسرائيلي على طبق من ذهب، بأخطائهم القاتلة، واختبأوا في أنفاقهم، وعندما ينتهي العدوان، سيخرجون منها مرة أخرى لمواصلة إتحافنا بمِلَحِهم عن المقاومة وأحاديثهم الطريفة عن “الممانعة”.
كاليفورنيا
31-12-2008




