أرشيف - غير مصنف

رجل في حياتي.. الطيب صالح

رابح فيلالي
أعرف السودان أكثر مما أعرف وطني الام الجزائر ولذلك قصة غريبة التفاصيل واحدة منأسبابها أنني كنت دائم الصلة بالسودان والشأن السياسي السوداني بصورة أحيانا كانتتدفع الكثر من أصدقائي السوداننين العديدين الى تقديم اقتراح الحصول على الجنسيةالسودانية وتتويج قصة هذا الحب الكبير التي تجمعني بهذا البلد الكبير الذي قدرت لهأحكاام الجغرافيا أن يتوسط عوالم ثلاث مختلفة الخط الحضاري السياسي والاجتماعي.

في السودان وحده تجمعك الجغرافيا بنقطة التقاطع النادرة بين ٍافريقيا منجانب والعالم العربي من جانب اخر وفي السودان وحده أيضا تكشف لك الجغرافيا عن خيطالصلة العميق بين العالم الاسلامي وبقية القارة السمراء وفي السودان وحدة أيضاتتشكل خريطة من الاعراق الانسانية والاجتماعية تشكل خليطا حضاريا يدفع في الكثير منحالاته الى التامل طويلا في تركيبة هذا البد الاسثتنائية بكافة المقاييس.

لقد شرفني الاصدقاء السودانيين بالمحبة الواسعة في قلوبهم خلال زياراتيالمتعددة الى السودان من دارفور في الغرب الى جوبا في الجنوب مرورا عبر نيروبيمرورا دائما وليس عابرا بالعاصمة الخرطوم وكان من أوجه المحبة عند الاصدقاءالسودانيين أن أكون دائم الاطلاع على تفاصيل المشهد السياسي في السودان الى حد الذيجعل أحد المدراء السابقين الذين تشرفت بالعمل معهم في قناة الحرة أن يسالني مع مطلعكل صباح جديد وأنا أدخل الى غرفة الاخبار ما هو جديد الخرطوم؟

هذه التوطئةأجدها اكثر من مناسبة وأنا أريد أن أسجل بعض مواجعي العميقة في فقدان الكاتب العربيالراحل الطيب صالح .

الطيب اسم لجأت اليه والدته الكريمة بعد أن فقدت ا ثنينمن أبنائها على التتابع وعلى طيبة أهل السودان تعتقد الامهات منهن أن تسمية الطفلاللاحق بالطيب سوف يعطيه فرصة الحياة وهي نفس القصة حدثت معي شخصيا عندما أنقطعتالخلفة عن أمي بعد خمسةعشر سنة من الزواج فكان نذرها على الله أن تسمي مولودهاالبكر برابح وتلك واحدة من عادات نساء شرق الجزائر وهي الجهة التي تتحدر منها عائلةأمي .

الطيب اختارت له أمه الطيب اسما وكان الرجل في حجم الاختيار بعد أن منالله عليه وعلى أمه بطول العمر والنجاح الذي تجاوز جغرافية السودان البلد الاكبرجغرافية في القارة الاكبر جغرافية في العالم.

عاش الطيب القروي الهادئالمسالم في جلبابه الاصل ولم يحاول أن يخلعه يوما غزا كل المدن الباردة والدافئة منعمق لندن وضبابها المزمن الى فضاء الدوحة المتسع حرا الى سماء أبوظبي المزدحم رطوبةالى فضاء باريس المتراكم بعناوين الجن والملائكة .

في كافة هذه المحطات كانالطيب واحدا لايختلف ولايتغير كثير الاستماع الى من هم حوله كثير العطاء الى كلقادم الى مجلسه ويتساوى في الامر القادمون الى مجلسه للمرة الاولى أو العابرون الىهذا المجلس للمرة الالف والعادة عند الاصدقاء في السودان وان اختلفت بهم عواصمالدنيا هي فيض هائل من الحميمية في التواصل وكاني بالزول السوداني لايجد داته الاهو محاط بالسوداني وتلك ميزة تحسب في رصيد أخلاق وسير أبناء النيلين.

فيالطيب تجد المستمع الجيد كما تجد أيضا الانسان المتسع متسع في مساحة الحضور اليككانسان يشاركك البوح والمكاشفة للوجع ان كان في القلب جرج يستدعي أن يستمع اليه وماأكثر الجراحات التي تسكن القادمين من مختلف عناوين الجغرافيا العربية .

عندماالتقيت الرجل وهو شرف اعتززت به دائما ا قتربت لحظة من معلم رسمت له ملامح من نورفي مخيلتي الشخصية وأنا يافع في مرحلتي الثانوية أقرأ رواية موسم الهجرة الى الشمالللمرة الثالثة على التوالي ومن غير انقطاع وأحاول أن أمررها على الزملاء فيالاقسام الادبية قدر ما اتسعت طاقتي لذلك كنت أقول بوعيي المحدود في الرؤية والزمنحينذاك أن من لم يقرأ هذه الرواية أضاع نصف العمر أما النصف الاخر فسيظل معلقا ولنيعود الى صاحبه الى حين قراءتها .

أستحسن مني الرجل التفاصيل التي كنت أعيدصياغتها بمفرداتي عن موسم الهجرة وهو يسمعها مني باسلوبي في الرواية وعاد ليقول فيأدب أهل السودان وكرم أخلاقهم يا رجل هذا لطف منك.

كنت أقول للرجل أن الشمالكان في نظري حينذاك مسألة تثير في كل المخاوف والقلق على أساس أن الميراث الثوريلعائلتي الشهيدة والمجاهدة في مكافحة الاحتلال الفرنسي للجزائر جعلني أرى من خلالقصص أمي وأبي عن فترة الاعتقال في السجون الفرنسبة والاصابات الجسدية خلال حربالتحرير جعلني أعتقد دائما أن علاقة طبيعية بين الشمال والجنوب ستكون مستعصية علىعملية الترميم أو البناء.

كان الطيب صالح في روايته يأخدني الى حيث اسئلتيالقلقه والتي يعجز أفراد عائلتي عن الاجابة عليها حول ماهية العلاقة المستقبلية بينضفتي البحر الابيض المتوسط شماله وجنوبه .

بالنسبة لعائلتي ان الجرح أكبربكثير من الانتصار على ألامه أما بالنسبة لي ولغيري من أبناء جيلي فان العلاقةالشمالية بالجنوب تحتاج الى اعادة صياغة انطلاقا من متغيرات أوجدتها متغيراتالانسان تحولات الزمان والمكان< span dir="ltr"> .

وحده الطيب صالح على بعد المسافة بين ثالوثالمكان من أم درمان ا الى لندن الى جبال شرق الجزائر حيث قضيت جزءا من حياتي مع والدي كان يجيبني عن أسئلة هذاا القلق .

الطيب صالح وحده علمني المفهوم الاخرللعلاقة مع المحتل السابق علاقة تقوم على الافادة من أدواته اولها اللغة وحده صاحبموسم الهجرة الى الشمال بلغته الانجليزية الثانية أعاد ترتيب كينونتي الداخليةعندما علمني أن الاعجاب بلغة العدو التاريخي السابق مسألة تخلو من صفة الخيانة.

أحب الطيب صالح الانجليزية كحالة عشق عميقة جدا و وأجاد بناء علاقة من عشقمتصل مع لغة المستعمر السابق لبلاده وذلك قاسم اخر أسترك فيه مع صاحب موسمالهجرة .

كانت هذه هي ملامح العلاقة الوجدانية التي جمعتني بالطيب صالحوأنا أقطع طريقي باتجاه العشرينات من عمري وأبدأ محاولات الاجابة عن أسئلة القلق فيالهوية والكيان الحضاري.

في موسم الهجرة قال لي الطيب صالح حينداك تحدث الىالاخر على ضخامة الموروث الذي يجمعك به وتجاوز أناك بصدقية انسانك حينها فقط يمكنلك أن تتجاوز عقدة الماضي الحزين وتستطيع أن تقترب من لحظة انسانيية تتصفبالايجابية في التعامل مع الموروث المؤلم في علاقات الضفتين الشمالية والجنوبية منالبحر المتوسط .

بهذه الروح قابلت الراحل وبهذه الخلفية استمع الي صابرا وأناأحاول أن أعطي الابعاد المتعددة للرواية الخالدة كما قرأها أبناء جيلي في الجزءالشمالي من القارة السمراء والذي لابيعد سوى مسافة قطع البحر عن الجزء الجنوبي منالجنوب الاوروبي .

وجدت في الرجل اضافة الى خصلة الاستماع العميق خصلةالتواضع وتلك مسالة يعيدها هو شخصيا الى ارتباطه العميق ببيئة ريفية قال عنها دوماأنه لجأ الى الكتابة تعويضا عن بيئة امن يقينا أنه لن يقدر على العودة اليها يوما.
ما أجمل ان تكون ملكا متوجا على رؤية انسانية تملا العالم ضجيجا من حولك وفياللحظة أياها أنت تملك المفاتيح الهادئة لداتك بصورة تجعلك دائم التصالح مع انسانكومع كافة من هم حولك.

تلك هي المشاعر التي ملات قلبي وأنا أستمع الى الطيبصالح حقيقة انسانية حية بعد تجاوز الحالة الوجدانية التي عاشت معي طيلة فترة تشكيلكياني الابداعي وحتى الانساني .

لم يكن الطيب يريد يوما أن يتجاوز انسانهبأية صفة من الصفات فعلى كثرة أزمات السودان على الاقل منذ فترة ارتباطي الشخصيبهذا الجزء من القارة السمراء كمراسل صحفي اختلف الكثير من الاشقاء في السودان بكلأشكال الاختلاف من السياسي الى العسكري الى الانساني الى القانوني لكن وحده الطيبظل ابن السودان الذي لايريد أن يضيف الى النار أي قطرة من زيت .

ظل الرجل عندمسافة الوسط من كل الخلافات ظل السودان قضيته وحتى عندما قررت السلطات السودانيةمنع أشهر كتبه عن طلبة جامعات السودان رفض الرجل أن يخوض في التفاصيل وعندما عادرجال الخرطوم عن قرارهم كان الرجل طيبا حتى في كلماته التي استعملها في التعامل معقرار المنع أولا ومع قرار التراجع عن المنع لاحقا .

يحيلك الطيب صالح الىحالة التساؤل الى أي مدي تستطيع المحبة أن تتجاوز الوجع الشخصي عندما يتعلق الامربالاوطان ولذلك ليس غريبا مثلا أن يكون الطيب صالح وهو الرجل الذي كان يقول ليالكثير من أصدقائي من مثقفي السودان بالكثير من الاعتزاز انهم من بلد الطيب صالح .

تحول الرجل الى وطن لابناء وطنه وتحول اسمه الى انتماء بديل عن الوطن الامالى هذه المرتبة ينظر الكثير من أصدقائي في السودان الى الرجل الراحل.

قلتليس غريبا مثلا أن يكون الطيب هو أقل الاسيماء السودانية وغير السودانية حديثا فيالشأن السوداني على الفضائيات وذلك خيار سلوكي يستحق التفكير ويستدعي الاحترام .

وحده البطيب صالح صنع خياري الاخر بالتنوع في الامكنة كنت دائم الحلم أنيتسع العمر بوالدي حتى أنعم بالحياة قربهما عل مشارف الشمال القسنطيني في الجزائرلكن موسم الهجرة وحده قاد خيالي في تلك المرحلة من العمرالى قناعة تقول ان الوطنيتجاوز مفهوم المكان وأن البديل الممكن قد يكون في شمال فرجينيا كما يحدث معي الان .

عندما تكون علاقتك الشخصية بكاتب ما الى هذا الحد من الوجدانية والعمقوالتوغل في الحضور وتكرمك الحياة بفرصة لقاء الرجل لاكثر من مرة واحدة وتلتقي معأغلب الامكنة التي ساهمت في صناعة رؤيته للعالم والانسان على ضفتي النيلين الازرقوالابيض وعندمكا تلتقي بالعشرات من أصدقاء الرجل في الخرطوم وخارج الخرطوم تؤمنيقينا لحظتها أن الحياة أحيانا كريمة عليك بصورة تتجاوز توقعاتك .

عمي الطيبوحدك علمتني باكرا ألا أخاف ان كان اطار حلمي في المدن الواسعة رغم خوفي من ركوبالطائرة والابتعاد عن مكان لاترى  فيه الشمس وجه أمي كنت أقول هذا الرجل أتى من خلفقرية يرعي أهلها الاغنام مثل أهلي ويفلحون الارض مثل أمي وأبي استطاع أن يمد كافةالجسور مع الشمال وهو الجنوبي المتخم بقيم الطفولة والقرية والفضاء الواسع والحقولالخضراء.

علمني الطيب أن أحمل أحلامي على أكتافي ألا أخاف غير المعقول منهاقبل أن أؤمن بالطبيعي منها وأن أحاول أن اسمع صوتي عاليا حديثا خطابا كتابة حبا أوعشقا لان
في كل الحلات كان يتوجب على أن أوصل الرسالة الى الجهة الاخرى.

فيرحيل الطيب صالح حلم لم يتحقق كنت أتمنى أن يتحدث الي الرجل عن رؤيته لازمة دارفوروهي أزمة ارتبط بها اسمي صحفيا حيث كنت أول صحفي غير سوداني يدخل الاقليم المضطربفي بداية الازمة صيف العام الفين وثلاثة مانع الرجل وطلب التاجيل في أكثر من مناسبةالى ان كان للموت سلطة وكالعادة أكبر من سلطة كريم أخلاق الطيب صالح وقدرتي الشخصيةعلى انتظار كرم اضافي من الراحل بالحديث عن أزمة لاأزال أؤمن يقينا أنها تحتاج الىجهد انساني جماعي حتى يستطيع السودان تجاوز مضاعفاتها على مستقبله و على كيانهالسياسي المتحد.

الان تحديدا أخاف أن أتحدث عن الطيب صالح كحالة راحلة لانالرجل الذي فضله أبناء وطنه عنوانا وانتماء أكبر من الموت و كلمات الوداع ولكنبحسابات الغياب والحضور سيكون الطيب صالح بعد الان انسانا جميلا شرف عالمنا اليوميبالعبور عليه اسمعنا روؤاه تتابعا علمنا الكثير من عوالمه أحالنا في الكثير منمحطاته الى الحقائق الانسانية الثلاث التي تعلمتها بصورة مختلفة من الرجل وهيالمحبة التواضع والتسامح.

في كل مرة أنزل فيها الخرطوم كنت دائم السؤاللنفسي في صمتي هذه المدينة وحدها تعرف الطيب صالح أكثر من كافة مدن الدنيا وهذهالخرطوم وحدها حجزت لنفسها مكانا أبديا في قلب الطيب صالح حتى وان عاش الرجل فيصورة المواطن العالمي أكثرمنه مواطنا سودانيا ولكن هذه المدينة وحدها ستقول لي فيكافة أسفاري القادمة الى الخرطوم هذه المدينة وحدها هي التي تشرفت بالنومة الابديةلانسان كان أبدا جميلا متسامحا مبدعا شفافا كان بيننا هنا وأختار أن يرحل كائناختارت له أمه الطيب اسما فكان طيبا وبامتياز من المهد الى اللحد تلك حكايتي أنا معالطيب صالح مبدعا وانسانا

رابح فيلالي
كاتب واعلامي جزائري مقيمبواشنطن
[email protected]

 

زر الذهاب إلى الأعلى