منظمة التحرير هي الكيان السياسي الفلسطيني (8)

منظمة التحرير هي الكيان السياسي الفلسطيني (8)
بعد أن أنهيت كتابة المقالة الآن فتحت النت لأرسلها، فوجدت هذا الخبر في وجهي: كشفت مصادر فلسطينية مطلعة، اليوم الخميس، أن حكومة الوحدة الوطنية المنوي تشكيلها في حال تم الاتفاق عليها في حوار القاهرة الذي يجري بين الفصائل الفلسطينية لإنهاء حالة الانقسام الداخلي تواجه شرطا أوروبياً وأمريكياً لقبولها دولياً بتولي الدكتور سلام فياض رئاستها للتعاون معها وتقديم الدعم المالي لها. وقالت المصادر إن الحديث الآن يدور حول موافقة أوروبية وأمريكية على حكومة وحدة وطنية للخروج من حالة الانقسام الراهن التي تشهدها الأراضي الفلسطينية شرط بقاء الدكتور فياض في منصبه كرئيس لهذه الحكومة”.
أما آن أوان استدراك الخطأ؟! ويدرك إخواننا الكرام في حركة حماس؛ أن الغرب يحاول أن وضع العصا في دواليب الحوار الفلسطيني لإفشاله، وأنه لا يريد للمصالحة وعودة الوحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة أن تتم، ويريد أن يكرس الانقسام الفلسطيني، لأن ذلك الانقسام يساعده العدو الصهيوني على تصفية القضية نهائياً، وإنهاء شيء اسمه شعب فلسطين، وتكريس الدولة الفلسطيني في غزة فقط، كما خطط لذلك شارون بفك ارتباطه مع غزة من طرف واحد؟!.أما آن لنا أن ندرك أن المرحلة لا تسمح لحماس تشكيل حكومة سلطة فلسطينية قبل الاعتراف بشروط العدو الصهيوني التي أدت إلى غسالة الدم الفلسطيني والانقسام؟! رأفة بالقضية والوطن وعذابات الجماهير!!.
أحداث بلورت الوعي الكياني الفلسطيني
كادت القضية المركزية للأمة ـ فلسطين ـ في عقد الخمسينيات من القرن الماضي أن تموت وتندثر ويشطب وجود الشعب الفلسطيني من الوجود السياسي والبشري والجغرافي في عالم العصر، بعد أن تم تداول القضية المركزية في ذلك الوقت على أنها مجرد قضية لاجئين فقط، سواء على صعيد الأمم المتحدة، أو حتى على صعيد الجامعة العربية. فقد طغت المصالح القطرية على المصلحة القومية الشاملة، واشتد نزاع الحكومات العربية فيما بينها، وتراجعت القضية المركزية فلسطين في سلم أولويات الاهتمامات والسياسات الغربية، بعد أن “أصبحت فلسطين موضوعاً في منتهى الخطورة، المس به فقط يعني عدواناً جديداً وتأديباً جديداً، والسلامة السلامة في تجنب الخوض جدياً في موضوعاتها”. كما كتب الدكتور منيف الرزاز.
ذلك الموقف العربي الرسمي مضافاً إليه كثير من الأحداث التي حدثت في ذلك العقد؛ أدى إلى بداية بلورة وعي فلسطيني بضرورة أن يكون هناك دور فلسطيني خاص وبرنامج مميز، يسعى إلى إيجاد كيان سياسي فلسطيني يحافظ على الهوية الفلسطينية والجماهير الفلسطينية من الضياع والاندماج في مواطن الشتات، ويعمل على تأطير القوى الحية فيها لتشكيل حركة تحرر وطني فلسطيني، للدفاع عن اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات اللجوء وحمايتهم من أي عدوان صهيوني بعد ان تركتهم جيوش بعض الأنظمة العربية دون حماية، وتكافح وتناضل من أجل تحرير فلسطين وإقامة الكيان السياسي الفلسطيني. وسوف نحاول أن نوجز في ذكر أهم تلك الأحداث التي حدثت في ذلك العقد وساعدت على بلورة وعي فلسطيني خاص:
1ـ المجازر الصهيونية: لقد قام العدو الصهيوني قبل وأثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 بارتكاب عدد من المجازر ضد أهلنا في الضفة الغربية وقطاع غزة، قتل في كل مجزرة منها عشرات الفلسطينيين دون أن يتم الدر من الحكومة الأردنية أو المصرية على العدو الصهيوني عقاباً له على تلك المجازر! فكانت مجزرة قبية والقواصمة وغيرها في الضفة الغربية، ولكن كانت المجزرة الأكثر تأثيراً ولم يتم الرد المصري عليها قبل العدوان الثلاثي هي مجزرة غزة عام 1955، حيث تسللت وحدات من العصابات الصهيونية تحت غطاء مدفعي صهيوني، وقتلت العشرات من الفلسطينيين ونسفت عدد من المنازل، وعادت إلى داخل الأراضي المحتلة 1948، ولم يتم الرد عليها أو ملاحقتها من قبل الجيش المصري حيث كانت غزة تحت الوصاية المصرية.
ذلك دفع بعض الشباب الفلسطينيين إلى تشكيل مجموعات فدائية تقوم بالتسلل إلى الأراضي المحتلة 1948 وتنفيذ عمليات انتقامية ضد المغتصبين الصهاينة.
أما بعد العدوان الثلاثي على مصر فقد انسحب الجيش المصري من غزة وترك المخيمات الفلسطينية بدون حماية ولا تسليح، وقد ارتكبت العصابات الصهيونية في مختلف مدن غزة مجازر مروعة، أودت بحياة العشرات من خيرة شباب تلك المخيمات بدون ذنب أو جدوى! كما أن رفض النظام المصري آنذاك فتح معسكرات تدريب للطلبة الفلسطينيين في مصر لتدريبهم وإرسالهم للدفاع عن أهلهم في غزة، في حين نجحت تجربة المقاومة التي قادها تحالف الإخوان المسلمين والشيوعيين في غزة أثناء الاحتلال الصهيوني وبعده في تقديم نموذج شعبي للدفاع عن المخيمات. كما أنه كان للانسحاب الصهيوني من سيناء بعد الضغط الروسي والأمريكي على القوى المعتدية (بريطانيا وفرنسا والعدو الصهيوني)، وترك غزة ستة شهور أخرى تعاني ويلات الاحتلال، واستمرار المقاومة فيها، ترك جرحاً غائراً في نفوس الفلسطينيين من الموقف الرسمي العربي.    
تلك الأحداث والتجربة الفلسطينية مع الأنظمة العربية وجيوشها، ونجاح تجربة المجموعات الفدائية التي تشكلت سواء في إطار شبه رسمي كتلك التي قادها بعض الضباط المصريين، وكان أشهر الشهيد مصطفى حافظ، أو التي انطلقت من سوريا والأردن على فترات متقطعة، كان لها ابلغ الأثر في إيقاظ الوعي الفلسطيني، وبعث فكرة ضرورة وجود تنظيم فلسطيني مسلح يدافع عن القضية والجماهير الفلسطينية.
2ـ حركة يوم الأرض في الأراضي المحتلة 1948: بعد النكبة الكبرى وضياع فلسطين عام 1948 وتهجير أهلنا من ديارهم، بقي عدد من الفلسطينيين في أرضهم ورفضوا الهجرة، ولأن الكيان الصهيوني هو من النوع الإحلالي، ويهدف إلى اغتصاب الأرض وطرد سكانها منها، فقد أعلن حالة الطوارئ وتعامل مع الفلسطينيين الذين بقوا متشبثين في وطنهم من خلال الأحكام والقوانين العرفية والعسكرية، وبدأ في مصادرة أراضيهم وحرمانهم من حقوقهم الوطنية كأقليات، ومصادرة الحريات العامة وحرية التعبير عن الرأي …إلخ، ولم يجد الفلسطينيين مَنْ يدافع عن حقوقهم ويعبروا من خلاله عن آرائهم سوى الحزب الشيوعي الصهيوني، فانخرط معظم الشباب الفلسطيني في ذلك الحزب، ولكن الحزب الشيوعي الصهيوني لم يكن يعبر عن طموحات وحقوق الفلسطينيين الوطنية والقومية، وحقهم كأقلية عربية بالحصول على ما تحصل عليه الأقليات في أي مكان في العالم، ولكن كان يدافع عن الحقوق الحياتية اليومية للفلسطينيين ويعمل على إذابتهم الفعلية في المجتمع الصهيوني، وطمس هويتهم الفلسطينية الخاصة بهم، وتحويلهم إلى جزء من التجمع الصهيوني في فلسطين المحتلة 1948ز
ذلك ما دعا بعض الأحرار من الوطنيين والقوميين الفلسطينيين عام 1959 إلى الدعوة لتشكيل حركة يوم الأرض، التي أوضحت منذ البداية: أنها حركة فلسطينية هدفها الحفاظ على الهوية العربية للفلسطينيين من الذوبان في الواقع الصهيوني، وأنهم جزء من الشعب الفلسطيني في كل مكان، وأن الشعب الفلسطيني هو جزء من الشعب الغربي، وأنه من حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته التي أقرتها له ما يسمى (الشرعية الدولية) إلى جانب الكيان الصهيوني، لذلك طالبوا بوقف اغتصاب الأراضي وإعادة الأراضي التي تم اغتصابها إلى أصحابها الفلسطينيين، وإعادة المهجرين إلى ديارهم، وإطلاق الحريات العامة والخاصة …إلخ، ولكن دافيد بن غوريون رئيس وزراء العدو الصهيوني آنذاك التقت حقيقة أهداف حركة يوم الأرض على كيان العدو الصهيوني، وعلى الحفاظ على الهوية والحقوق الفلسطينية فرفض الترخيص لها، وقد حاولت تغيير اسمها وتمويه بعض أهدافها ولكن رُفض الترخيص لها.
وقد حاولت تلك الحركة تشكيل جبهة بالتحالف مع الحزب الشيوعي الصهيوني علها تستطيع تحقيق بعض أهدافها، غلا أن وزارة الداخلية الصهيونية أيضاً رفضت الترخيص لذلك التحالف، فاضطرت إلى رفع مذكرة إلى الأمم المتحدة تطرح فيها مشكلتها. وقد أصدرت حركة الأرض مجلة للتعبير عن رأيها ومواقفها، ونشر وتثقيف الشباب الفلسطيني وتعريفه بهويته وانتمائه القومي.
وعلى الرغم من أن تلك الحركة كانت جهودها منصبة على وضع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة 1948، إلا أنها كانت تعتبر جزء من حركة التحرر والنضال الفلسطيني للحفاظ على الهوية الفلسطينية، وقد حفزت فلسطينيي الشتات على التفكير أكثر في إمكانية إيجاد عمل منظم.
3ـ الخلاف بين الحاج أمين الحسيني وعبد الناصر: كان نتيجة تلك الأحداث والضغوط التي مارستها الجماهير الفلسطينية في قطاع غزة على الإدارة المصرية تشكيل الاتحاد القومي العربي الفلسطيني، وذلك على غرار الاتحاد القومي الفلسطيني الذي تشكل في قطري الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا)، وقد رأي الحاج أمين الحسيني فيه بديلاً عن اللجنة العربية العليا، التي هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، فحدث خلاف بين الحاج أمين الحسيني وعبد الناصر، نقل على إثره الحاج أمين مقر إقامته من القاهرة إلى بيروت. وقد تزامن ذلك مع حدوث أول خلاف بين الاتجاه القومي العربي، بين عبد الناصر وعبد الكريم قاسم بعد سقوط النظام الملكي في العراق، وتشكيل عبد الريم قاسم (فوج التحرير الفلسطيني) 1958. وسرعان ما تبين أن الاتحاد القومي العربي الفلسطيني الذي شكلته الإدارة المصرية شكلي لا يملك أي صلاحيات.
 أضف إلى ذلك النشاط الذي كان يمارسه الطلبة الفلسطينيين في مصر من عام 1950، والضغوط التي كانوا يمارسونها من أجل تشكيل اتحاد طلبة فلسطين إلى أن نجحوا في ذلك عام 1959، إلى جانب نشاط تنظيم حركة “فتح”، ونشرة “فلسطيننا” الصادرة عنه، التي كانت تعبر عن طموحات الجماهير الفلسطينية في التحرير والاستقلال والعودة، وإقامة الكيان السياسي الفلسطيني.
كان محصلة ذلك وغيره من الأنشطة والأحداث؛ أن أدركت مصر خطورة استمرار الوضع الفلسطيني على ذلك الحال، وأنه قد يفرز حركة تحرر وطني فلسطيني تخرج عن سيطرة الأنظمة العربية، وقد تجرها لحرب مع العدو الصهيوني هي لا ترغب أو غير مستعدة لها! لذلك سارعت مصر إلى دعوة جامعة الدول العربية لتشكيل منظمة التحرير الفلسطينية عام 1959، لاحتواء أي حركة تحرر فلسطينية جادة، ولتبقى مسيطرة على حركة وردة الفعل الفلسطينية في إطار الإجماع العربي.
 
 
Exit mobile version