أرشيف - غير مصنف

إيران وعائدية البحرين ، دروس في النزعة القومية

بقلم : محمدعبدالرحمن
التاريخ الذي يصنعه الأقوياء (لا الأدعياء) يقول بأنّ إستقلال البحرين (1971) قد جاء على خلفية إتفاق بريطاني ـ إيراني تـُخلـي بموجبه الإمبراطورية الغاربة جزيرة أبي موسى العربية لإيران في مقابل تنازل الأخيرة عن إدعائها بفارسية البحرين . آنذاك ، كان شاهنشاه إيران محمد رضا بهلوي يحمل رتبة (شرطي أول وأخير) الخليج العربي في المؤسسة الأمنية الغربية ، وكان في ذات الوقت الذي يتطلع إلى (ترفيع) رتبته لا ينفكّ (بالفطرة القومية) ينزع إلى إستعادة الأمجاد الفارسية الغابرة !. لكنّ الرجل كان شرطياً (براغماتياً) من الطراز الفضائحي الخليع ، فقد سبق للإستخبارات الأمريكية أن أعادته إلى العرش على عينك يا (بازركـَان) بعد أن كان الإصلاحي (محمد مُصدّق) قد طرده إلى خارج إيران (1953) إثر انقلابه عليه . في حينها باركَ وبقوةٍ الزعيم (أيضاً القومي إنما العربي) جمال عبد الناصر إنقلاب مُصدّق القصير العمر على البهلويين .
 في عام 1979 أطاحت الثورة الإيرانية الجارفة بالشاه . هذه الثورة لم تكن منطلقاتها الأساسية (قومية) المبنى والمعنى ، ذلك ببساطة لأنّ محمد رضا بهلوي لم يكن أقل قومية ًمن ملهمها وقائدها الخميني . بل ربما كانت تطلعات الشاه الإمبراطورية العابرة للحدود والمشفوعة بترسانة عسكرية فاتحة للشهية هي بحد ذاتها على رأس الأسباب التي كمنت وراء ( تعامي ) المعسكر الغربي عن حـراك الشارع الإيراني ضد الشاه حين كان هذا الشارع يمور بالغاضبين لا على (لاقومية العهد البهلوي) ولكنْ على ديكتاتوريته المقيته وتسلــّطـه الدموي واستئثاره وبطانته من الطبقة النفعية والأجهزة القمعية بثروات إيران . فبالنسبة لغربٍ يخوض آنذاك صراعاً متعدد الأوجه مع الإتحاد السوفيتي لا أخطرعلى مصالحه في الشرق الأوسط من مطامح الدّب الشيوعي سوى ملامح يقظة قومية مسكونة بالتاريخ : فارسية كانت أم عربية . ولعل هذا ما يفسر بعضاً من خذلان الأوربيين والأمريكان لشاه إيران حتى بعد أن تحول إلى طالب لجوء إنساني !. فلأنّ مسألة إسقاط الحكم الشاهنشاهي أضحت تحصيل حاصل بعد جملة المتغيـّرات التي طرأت على عقلية ورؤية وبنية المجتمع الإيراني إعتقد المعسكر الغربي أنّ دولة إيرانية ثيوقراطية يقودها الملالي (من شأن طبيعتها الدينية أن تجعل منها سَـداً بوجه المـدّ الشيوعي) قد تكون أقل خطراً وأكثر قابلية (للإحتواء) من دولة إيرانية قومية شوفينية يقودها عساكر إنقلابيون مغامرون طموحون قد ينفلتون بمشاعلهم في ليلة نشوة إستذكارية فارسية على (الجَوارين) النفطيين فتعمّ الحرائق وتسود الفوضى !. ليجيء الخميني إذاً ولنرى بعدها ما سيكون .
 هكذا أكلَ الغربُ المقلبَ عندما ( رفعَ ) يديه عن شرطيـّه المُطيع بدلاً من (ترفيع) رتبته الوظيفية ليموت هذا قهراً بعد عام ٍعند مضيـّـفه أنور السادات في موئل العروبة (1980)…. وبقية القصة معروفة ، بدءً بأزمة الرهائن الأمريكان في طهران مروراً بحرب السنوات الثمان وصولاً إلى رؤية (هلال المدّ الشيعي) ونجم الصّبح النووي القومي (الفارسي) بعيون عربية جاحظة وأخرى دولية حائرة !. على الجانب العربي ، فإنّ أحوال وتطبيقات (الفكرة القومية) آنذاك كانت ـ كما شأنها الآن ـ تـُسـرّ العدو وتغيظ الصديق وقبل كل ذلك : تـُـكيـد بالشقيق ! .
وكأمثولة تعكس واقع الأنموذج كان بعث العراق يقارع بعث سورية على ( لاشيء) ! ، وحتى إنّ طامة ً قومية ًبمستوى طامة (كمب ديفيد السّادات) لم توحّد الرّفاق إلا على قاعدة المكر لبعضهم البعض ، لا بل إنّ البعث العربي السوري وقفَ يعاضد الإنبعاث الفارسي ضد البعث العربي العراقي طيلة أعوام حرب الذود عن (البوابة الشرقية) للأمة العربية في ثمانينيات القرن الماضي !. ثم لتأتي عودة (الفرع) الكويتي إلى ( الأصل) العراقي بقوة المحبة الغاشمة لتكشف عن عمق مأساة الفكرة القومية العربية وعقم تطبيقاتها قدر تعلق الأمر حصراً وجمعاً وقصراً (بالقائمين) على تجسيدها.
 
أما من نأت بأنفسها عن إشعاعات (الإنبعاث القومي ) من الأنظمة العربية فقد تدرّع بعضها بالعباءة المشيخية التي خلعها عليها التاج البريطاني فيما تحصن بعضها الآخر بالجمهوريات الملكية وذلك انسجاماً مع التحوّل الدراماتيكي لألوية الفكرة القومية العربية من حالة الهجوم على خرائط سايكس ـ بيكو إلى حالة التكيف مع نتائجها إلى حالة الدفاع عنها في متوالية التقهقر أمام ما لم يملأ فراغها ويتقدم ويترسخ من مفهوم (الدولة) العربية القطرية بشروطها العصرية بقدر ما راح المفهوم الأخير بدوره يتضعضع ويتراجع ثمّ ليتصدع بزلزال أمريكا في العراق فإذا بنا نقف تالياً أمام مفارقة الإنحسارين (القومي والقطري) لتبدأ جيوش المدّ الطائفي والمذهبي هجومها الكاسح لبسط مفاهيمها الإرتدادية !. أبـَعـدَ كل هذا نعيبُ على إيران صلافة اللسان حين تجاهر بعائدية البحرين وسواها من الأمصارالعربية، وهي الدولة التي ما برحت تقدّم لنا ما ينقصنا من
الأنموذج العَملاني لتجليات العقل القومي ؟! .
 كان الشاه العلماني مسلماً (شيعياً) بالولادة ، ولكنه على علاته عاش ومات قومياً فارسياً أصيلاً مثله مثل جده قورش ومثلهما الخميني وخامنئي ورافسنجاني وخاتمي وأحمدي نجاد . أما زعماؤنا فإنّ المتدينين منهم والعلمانيين ، المتمذهبين والمتحررين ، الملوك والرؤساء والسلاطين والأمراء ، كلهم سواء بسواء لم يصونوا لإنتمائهم القومي العروبي عهداً ولا ميثاقاً ، بل دأبوا ينكروه ويستنكروه ويعادوه ، ولما أن طلعَ (هلال فارس) راحوا يفتقدوه من بعد ما ضاعوا حين ضيعوه . لا عجب يا عرب.
 

زر الذهاب إلى الأعلى