محمد تامالت
لندن
mohamed_tamalt@yahoo.co.uk
لم أحقد يوما ما على الشاعر الراحل منذ أيام عمر البرناوي غفر الله لنا جميعا ولن أحقد بالرغم من أنني كنت أعتبره، وكان يعرف ذلك، مثالا سيئا للمثقف. واعتباري له مثقفا سيئا لم يكن سببه ثلم في مستواه الثقافي أو عيب في فنية أشعاره، فكونه شاعرا جيدا أمر لا يختلف عليه منصفان كما أن كونه متحدثا مفوها لا يحتاج إلى دليل: إنما السبب كان ابتذاله لقلمه ولسانه وسمعته وبذلها رخيصة للحاكم كأنها طبل مضحك من مضحكي السلطان أو بندير (دف) حاوٍ من سحرته.
والله وحده يعلم وهو الشهيد على أنني لا أكتب هذه السطور إلا لتكون حياة المرحوم عمر البرناوي عبرة لكل من يتعلم ويجتهد ويبدع ثم يضع علمه واجتهاده وإبداعه ذلك في ميزان أصحاب السلطة أو أصحاب المال معادلا ما لا يفنى بما يفنى وقانعا من المجد بكرسي في إدارة أو بصرة من ذهب. ولقد قتل التودد للسياسيين الإبداع في نفس البرناوي حتى أن أكثر من يعرفونه (ويشمل هذا الحكم أكثر المثقفين الجزائريين) لا يحفظون من قصائده شيئا إلا يتيمة اشتهرت لآن أحد الملحنين حولها إلى نشيد كان تلفزيون الحزب الواحد يعيد بثه مرارا. وهي قصيدة جميلة مطلعها
من أجلك عشنا يا وطني * نفدي بالروح أراضينا
قد كنا أمس عمالقة * في الحرب نذل أعادينا
وانا اليوم عمالقة * في السلم حماة مبادينا
عرفت البرناوي أول ما عرفته عضوا في برلمان “معين” غير منتخب (المجلس الوطني الإنتقالي)، برلمان نصبه انقلابيو عام 1991 وشريكهم الرئيس زروال الذين جاؤوا به من طاولة الدومينو فكان بديلا للبرلمان الشرعي الذي تم حله قبل أن ينصب. كنت حينها صحفيا متدربا في الاذاعة الجزائرية جديدا على الصحافة وكان ما يدهشني في المرحوم عمر روح الزهو التي كانت تكسوه والكبر الذي كان يخيف من لم يكن يعرفه. حتى أن بعض الصحفيين المبتدئين اعتقدوا أنه جنرال متقاعد لا “مجرد” ممثل لاتحاد الكتاب الجزائريين في برلمان الكرتون ذلك
يفسر من عرفوا البرناوي ذلك الكبر الذي كان عليه في أيام قربه من الحاكم بإحدى اثنتين أو بكلتيهما، فيقول البعض إن ذلك يعود إلى النفوذ الكبير الذي كان عليه خوه غير الشقيق الطيبالاالطيب بلخضر أخوه غير الشقيق الذي ترأس اتحاد العمال الجزائريين لمدة طويلة قبل سقوط الحزب الحاكم واجهة النظام الفعلي (العسكر) في 1988.
ويزعم آخرون أن أصول البرناوي الافريقية السوداء بقيت تحز في نفسه خاصة وأن المجتمع الصحراوي الجزائري لا يزال يعاني من بقايا عنصرية يمارسها من يزعمون بأن دماهم عربية خالصة تجاه الزنوج خصوصا في مدينته بسكرة التي كان السود يمارسون فيها مهنة تنظيف الشوارع وما أشرفها من مهنة؛ ولذلك انزعج البرناوي عندما تعجبت أديبة عراقية من لقبه الذي يطلق في جزيرة العرب على المهاجرين الأفارقة المستقرين فيها (البرناوية أو التكارنة) وسألته عن سر التشابه في التسمية.
وظلت معرفتي بالبرناوي سطحية حتى بدأت كتاباتي تنتشر شيئا ما وبدأ الناس يعرفونني، ومرة كنت مبرمجا لأقرأ قصيدتين في احتفالية شعرية عقدتها وزارة الثقافة في أواخر القرن الماضي. كانت القصيدتان مغسولتين بروح الملح مرشوشا عليهما حمض الآسيد، كانت الأولى عن المقاومة في العالم التي رمزت إليها بحركة توباك أمارو اليسارية التي ثارت على طاغية البيرو الياباني الأصل فوجيموري، وكان مما أذكره منها
إلى شهداء “توباك أمارو”
(1)
خالدون استقاموا, أقاموا الطغاة لكي يسمعوهم
أثبتوا أن صوت الحقيقة مهما تخاذل لا يستحيل غناء رقيقا
وأذلوا الطواغيت في أشهر مثلما قد أذل الطواغيت شعب الهنود الفقيرْ
ليس في بعض أحياء “ليما” نلخص معنى العذاب ولكن “توباك أمارو” تلخصه في جميع البلادْ
في العراق المحاصر أو في الخليل وفي أرض كوبا وأكواخ بيرو وكل البلاد التي أصبحت مقلبا لنفايات ذاك النظام الجديدْ
(2)
أتصورني واحدا من رهائنكم لو حللتم وثاقي لما اخترت غير البقاء مع الفاتحين الذين سأصبح معبرهم للخلود وللانعتاقْ
لن أموت اذا كان موتي سيجلب بعض السعادة للطفلة الجائعه
للرضيع الذي عندما أبصر النور حرك عينيه يبحث عن ثدي من أنجبته فلم يُلف غير قليل من اللحم أما الحليب فلا
لن أموت إذا لم يمت ذلك الشيخ تحت عمود تحطمه الريح في منزل يتمنى السقوط قريبا ليرتاح من تبعات الزمنْ
لن أموت إذا أنقذت موتتي شعب بيرو وشعب البرازيل والأرغواي وكل الشعوب الفقيرة من كل أسر وجورْ
(3)
من رماد الحقيقة تطلع آمال شعب تؤاخذه سلطة جائره, إن تنفس قدرا من الأوكسجين يزيد على حقه في سجل الإداره
من شرائع رب السماوات في مصحف طاهر أو على ظهر انجيل عيسى وتوراة موسى
نستمد تعلقنا بغد مستنير بعيد عن الظلم بعد اختفاء الطواغيت من كل شبر من الأرض لا عودة المنقذ المنتظرْ
(4)
أنت يا من أمرت بأن يقتلوهم أتعلم أنك أصبحت خصما لكل الثكالى وكل المساكين والجائعينْ
فوجيموري لقد لعنتك العجائز في كل أرض وألقت عليك السماء صواعقها, انتقاما لقتلك فوجا من الفاتحين
أنت يا فوجيموري عدو الحقيقة, حاولت أن تجهض الشمس حين قتلت شعاعا ولكنها الشمس أعلى وأكبر مما تحيك, فلا تبن صرحا كهامان كي تبلغ الأفق فالأفق أبعد مما تطال يداكْ
(
5)
أنا لست نيرودا ولا شي غيفارا ولست نبي الزمان الأخير ولا مدع للنبوة, لكن قلبي ينبض بالحب, يكره كل الطواغيت, يمقت كل رموز الظلام
أنا هل يتحول حبي إلى بدعة سافره
أم ترى أتحول يوما إلى مجرم خارج عن قوانين أهل النفوذ ليتْهمني الناس بالعنف أو يصفوني بأني أخطط سرا لارهاب أصحابنا المتخمينْ
أوَ حق علينا التشرد ثم التمرد ثم التجرد من كل معنى لهذي الحياه
أو حق علينا الهلاك على نطع ذاك الزعيم إذا لم نمت فوق طاولة لكؤوس النبيذ المعتق والمنتشي بدماء ضحايا يموتون فوق حقول العنبْ
لا فإن لم يكن غير هذا فأفضل من هذه الحال أن نقتدي برجالات “توباك أمارو” فذا الموت في حضنها نعمة لا جحيمْ
كان في القصيدة الأولى من التورية ما يكفي لآن تمر بسلام أما القصيدة الثانية فكان المقصود منها واضحا، وكان مما قلت فيها
وطن ملعون
عندما يتساقط عهر فراش الرذيلة فوق أتون الوطنْ * * * * * فالعنوه وطنْ
عندما تتحول كل نواحيه قيعان وحل ويفرش تربته الذل والخوف من تبعات المحن * * * * * فالعنوه وطنْ
عندما يرقد الشهداء وفوق قبورهم العاهرات تحركن أردافهن لمن يحبسون مصير الوطنْ * * * * * فالعنوه وطنْ
عندما يصبح الأمر في يد خضر الدمن * * * * * فالعنوه وطنْ
عندما تتسابق نحو المعالي القرود ولا من أسود لتحمي الوطنْ * * * * * فالعنوه وطنْ
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وطني دمعة الطفل, زنزانة الفكر, قبر الأمل. وطني قد قتلْ
وطني معبد للخفافيش يجمعها الليل, لا نورَ * * * * * نور الحقيقة فيه أفل, وتلاشى اضمحلْ
وطني منزل للمواعيد بين العرابيد والعاهرات, سرير تمارس فيه جميع الفواحش يهرق فيه العسلْ, وتوزع فيه القبلْ
وطني مذبح للفضيلة أو للذين حكمت عليهم زماني بفقد الأمل, كل ذبح أُحلْ
وطني في الحقيقة ماخور ساقطة وإذا شئت كان لنا معتقل, هو حكم الأزلْ
فاختر اليوم بين الرذيلة تصبحُ عاهرة تَستحلْ, كل ما لا يحلْ
أو تموت على الحق تدعى بحقك هذا بطل, إن حقك هذا بطُل
حاول المرحوم البرناوي وهو رئيس الجلسة إيقافي عدة مرات فلم يفلح، ثم لجأ إلى أسلوب آخر لعله يدفعني إلى ترك المنصة قبل إكمال القصيدة، بدأ يصفق هو وزمرة معه عند كل مقطع قصير أقرؤه وكان التصفيق أقرب إلى التطبيل الذي كان يحسنه جيدا رحمه الله. ولكنني مع ذلك أكملت القصيدة.
ثم وبعد سنوات اصطدمنا اصطداما مباشرا حين كان موضوع أحد مقالتي الأسبوعية التي كانت تنشرها يومية جزائرية في صفحتها الأخيرة كل خميس عن “جمهورية” نادي الصنوبر وهو منتجع سياحي كان ولا يزال نموذجا مصغرا للمنطقة الخضراء اليوم في العراق. كان المقال قاسيا أثار ضجة في المنتجع الذي قرر بعض قاطنيه من ذوي النفوذ المتوسط مقاضاتي ولم أدر لم يفعلوا ووصلتني نسخة من ترجمة ركيكة للمقال إلى الفرنسية انتشرت هناك.
المهم في الموضوع هو أن البرناوي كتب ردا طويلا علي يسبني ويحرض علي فيه الرئيس زروال شخصيا وكأنه كان يعتقد أن ذلك سيخيفني وسرعان ما تصالحنا بعد أن طرد البرناوي من المنتجع ولم يسؤني في الأمر كله إلا منع مدير الجريدة لنشر رد كتبته على رده.
بعد سنتين أو أقل وصل الرئيس بوتفليقة إلى الحكم وحضرت حينذاك أول معرض للكتاب أشرف الرئيس على افتتاحه وهنا كانت واقعة غريبة. كنت واقفا في الوسط بين صالح حرز الله الصحفي الذي عينه بوتفليقة بعد الواقعة سيناتورا وبين عمر البرناوي، كنا نتحدث حينما مر علينا بوتفليقة مع حرسه وفجأة اتجه إلينا وسلم على حرز الله وحده ثم غادرنا بعد دقائق من الحديث الودي معه.
لم أكن أرى من جانبي في الأمر شيئا لأنني كنت قد صافحت بوتفليقة نصف ساعة قبلها حين حضر إلى الجناح الذي كان يعرض كتابي “الجزائر من فوق البركان” قبل منعه لاحقا. كان كتابي من الكتب التي تفحصها الرئيس وأهداه الناشر نسخة منها بل انني سمعت عميمور وزير الثقافة آنذاك يهمس لبوتفليقة قائلا: “هذا كتاب تامالت الجديد هل قرأته “ليحرك بوتفليقة رأسه بالإيجاب.
أسرد هذه التفاصيل لأعود إلى تجاهل الرئيس بوتفليقة للبرناوي بعدها بنصف ساعة، وهو أمر فهمه هذا الأخير جيدا فازداد وجهه سوادا وسر ذلك حرز الله الذي ابتسم ابتسامة خبيثة حاولت تداركها بالقول بصوت عال تنبه له حتى حرس بوتفليقة إن هذا الأخير إنما فضل مصافحة حرز الله وحده لكون الصحفي العجوز أقصر منه قامة مما يشعر الرئيس بالعظمة.
وتوالت السنين على البرناوي ولم يبق له من علاقة بالنظام غير راتب تقاعد شهري وفشلت كل محاولاته للتقرب من الرئيس الحالي رغم أنه وقف يدافع عنه مرة في مناظرة تلفزيونية مع رئيس الحكومة السابق مقداد سيفي الذي وصفه بأنه شاعر بلاط ورغم المقالات التي كتبها عنه. فقد البرناوي صوته بعد بتر جزء من حنجرته لكثرة تدخينه وتحول إلى مومياء بشرية تستحق التعاطف لا الحقد ومات قبل أن تصله موافقة الرئيس على ارساله للعلاج في الخارج
رحمه الله وغفر لنا وله