أرشيف - غير مصنف
واقع الإنسان المعاصر في رقصات!
محمد عروب
احتضنت إحدى الصالات السورية الأسبوع الماضي عرضاً لفرقة رقص فلندية مؤلفة من أربعة أشخاص، وقد كانوا جميعهم يرتدون زياً رسميا..ً! لقد قطعوا آلاف الأميال ليقدموا لنا عرضاً دام فقط أقل من نصف ساعة، لكن هذا العرض القصير حمل الكثير من المعاني والرمزية!
بعد مشاهدة العرض، خرج بعض الجمهور بما يشبه الحيرة أمام رقص لم يألفوه من قبل ولم يعتادوا على استقبال رموزه، حتى أن فرداً من الجمهور قام بسؤال مصمم الرقصات بعد انتهاء العرض عن المعنى والغرض الذي أراد إيصاله لنا، فأجابه بأنه لا يستطيع تفسير ما قدمه لنا، ذلك لأن كل شخص شاهد العرض يمكن أن يأتي له بتفسير مختلف تماماً عن تفسير شخص آخر.
إننا بالطبع لا نستطيع حصر أي عمل أدبي أو فني ضمن تأويل أو تفسير واحد، ذلك لأن أي عمل من النوع المذكور إنما هو مفتوح لآلاف التفسيرات، حيث أن كل شخص فينا يمكن أن يقرأه ويفهمه بشكل مختلف عن الأخر. وعلاوة على ذلك فإننا لا يمكننا أن نجزم بأن شرحاً أو تفسيراً ما لأي عمل أدبي أو فني هو شرح أو تفسير شامل ووافٍ، لأننا بذلك نُحجّم من قيمة ومعنى هذا العمل، وفي هذا الخصوص يقول الكاتب المسرحي الأيرلندي أوسكار وايلد “في اللحظة التي تظن بأنك فهمت عملاً فنياً، فإنه يموت بالنسبة إليك.”
لذلك فإن هذا المقال إنما هو عرض لما شاهدت وتفسير واحد من بين آلاف التفسيرات الممكنة لذلك العرض الراقص..
استهل الراقصون العرض وهم منبطحون على بطونهم لمدة دقيقة، ثم بعد ذلك سمعنا موسيقى متصاعدة شبيها في إيقاعها بنبضات القلب، فينهض كل من الراقصون الأربع على إيقاع هذه الموسيقى المتصاعدة. لعلّ ارتداء الراقصون لبدلات رسمية كان متعمداً ليرمز للإنسان المعاصر، وانبطاحهم على بطونهم ربما كان تعبيراً عن تعثرهم في الحياة واستسلامهم لها، أما الموسيقى المتصاعدة التي كانت تشبه في إيقاعها نبضات القلب لعلها كانت دعوة للحياة!
يقوم الراقصون بعد ذلك بتأدية رقصات متخبطة، متأرجحين يمنة ويسرى، ويؤدون حركات حائرة غير متزنة، وشقلبات إلى الأمام والخلف. تلك الرقصات الغير متزنة ربما كانت إشارة على أن الإنسان المعاصر إنسان غير متزن، ذلك أنه عجز عن خلق توازن بين احتياجاته الجسدية والروحية، حيث قام فقط بإشباع الأولى بينما أهمل تلك الأخيرة كلياً. وهذا يذكرنا بقصيدة “الأرض اليباب” ‘The Waste Land’ للشاعر الأميركي إيليوت التي عرض لنا فيها مأساة الإنسان المعاصر وتخبطه في عالم من العقم الروحي والانغماس المادي البحت.
فجأة بعد ذلك يتوقف أحد الراقصون ليستريح فيخرج علبة سجائر، يتناول منها سيجارة ويضعها في فمه دون أن يشعلها، ذلك لأنه لم يكن بحوزته ولاعة، وعلامات التعب تظهر جلياً على وجهه. عندها يتوقف الراقصون الآخرون عن الرقص ليخرجوا ولاعاتهم، فيشعلوها ويمدوها للأمام، لكن الراقص الأول يرمي سيجارته بغضب كردة فعل على ما قام به الراقصون الآخرون! ربما كان إشهار الولاعات الثلاثة وإشعالها تعبيراً عن بارقات أمل لإصلاح ما فسد من الإنسان المعاصر، ولعل رفض الراقص الأول لمحاولات زملائه لتقديم المساعدة كان رمزاً لرفض الإنسان المعاصر لتغيير وضعه الراهن وانفكاكه عن عالم مادي مظلم يعيش فيه!
ثم يتابع الراقصون رقصهم المتخبط لفترة قصيرة ويتوقفون، لنرى راقصاً يلطم وجهه ثم يبتعد فجأة عن المجموعة ليقوم بحركات تعبّر عن معاناة وألم ، فيقترب منه راقص آخر يتكلم معه محاولاً مساعدته لإيجاد حل لمشكلاته، لكن الأول يرفض سماعه مستهزأً به، ويحاول تجاهله متظاهراً بأنه يعزف آلة موسيقية! لعل ذلك دلالة على تفكك العلاقات الإنسانية والعقم الروحي في الإنسان المعاصر الذي من شأنه أيضاً أن يقود إلى رفض التفاعل والتواصل مع الآخرين.
ومن جديد يعاود الراقصون ما كانوا قد بدؤوه من رقص متخبط لبرهة، ثم يتوقفون عن رقصاتهم لنرى بأن راقصاً آخر يكابد معاناة من خلال رقصات تعبيرية إيحائية، بينما الآخرون لا يحركون ساكناً حيال ذلك المشهد، بل يكتفون بالمشاهدة! ومن جديد تحضر أذهاننا قصيدة “الأرض اليباب” التي عرض أيضاً فيها إيليوت انعدام الرحمة والتعاطف عند الإنسان المعاصر نتيجة لأنانيته!
تعود بعد ذلك تلك الرقصات و نشاهد أيدي الراقصين تحط على كل جانب من جوانب وجوههم بحركات تشبه لطم الوجه! ثم يبتعد الراقص الرابع عن المجموعة، فنراه يصطدم بإحدى جدران المسرح! وهذا إن دل من جديد، فلعله يدل على عقم العلاقات الإنسانية وعلى مرارة واقع الإنسان المعاصر الذي ظن بأن انغماسه في الماديات سيجلب له الراحة!
لقد عبرت الفرقة ع
ن حالة التشتت والمرارة، وعن حالة الضياع والفوضى التي يعيشها الإنسان المعاصر بلغة الرقص. كما أنها عبّرت على أن الإنسان المعاصر إنسان بلا هدف أو اتجاه محدد وذلك عن طريق الرقصات التي كانت تتخبط يمنة و يسرى، إلى الأمام و إلى الخلف، وربما عبرت أيضاً عن غروره بنفسه وسخرية الحياة منه. وهنا نتذكر “مسرح اللامعقول” ‘The Theater of the Absurd’، الذي شاع في إنكلترا وأوروبا في أواخر الأربعينيات، والذي كان من مضامينه نقل تلك الأفكار لنا!
ن حالة التشتت والمرارة، وعن حالة الضياع والفوضى التي يعيشها الإنسان المعاصر بلغة الرقص. كما أنها عبّرت على أن الإنسان المعاصر إنسان بلا هدف أو اتجاه محدد وذلك عن طريق الرقصات التي كانت تتخبط يمنة و يسرى، إلى الأمام و إلى الخلف، وربما عبرت أيضاً عن غروره بنفسه وسخرية الحياة منه. وهنا نتذكر “مسرح اللامعقول” ‘The Theater of the Absurd’، الذي شاع في إنكلترا وأوروبا في أواخر الأربعينيات، والذي كان من مضامينه نقل تلك الأفكار لنا!
ثم ينتهي العرض بسقوط الراقصين على بطونهم، و تختفي كلياً الموسيقى التي كانت تنبض بعد توقف أو تعثر كل واحد منهم، والتي ربما عنت بأن هناك فسحة أمل للتغيير من أنفسنا وللتخلص من عقمنا الروحي! صورة سقوط الراقصين تذكرنا بمشهد في مسرحية “فاوست” ‘Faustus’ للكاتب المسرحي الإنكليزي كريستوفر مارلو، حين أتى الشيطان ليصعد بروح العالم فاوست إلى الجحيم، بعدما وقّع الأخير بدمه مع الشيطان صكاً منحه فيه حياته مقابل خمسة وعشرون عاماً من اللذة المطلقة والشهرة! إن سقوط الراقصين في نهاية العرض هي إحدى الرسائل التي أراد إيصالها لنا ذاك العرض الذي ربما تنبأ بمستقبل مشئوم للإنسان المعاصر، ذلك إذا استمر في تعنته على التمسك بعالمه المادي على حساب عالمه الروحي، فهل سيؤول الإنسان المعاصر إلى ما آل إليه حال هؤلاء الراقصين؟ وهل نحن حقاً راغبون بذلك..؟!
محمد عروب
محاضر لغة إنكليزية، جامعة البعث/سوريا




