أرشيف - غير مصنف
منظّرو المقاومة لا ينامون!
رشا عبدالله سلامة
من يحلل ويُنظّر للمقاومة، مكانه على أقل تقدير هو قلب المعركة والنزال، أي بين صفوف الفدائيين أنفسهم، أو على الأقل معهم في جرحهم وبردهم وجوعهم وعطشهم وخوفهم. تلك قاعدة بديهية إنسانياً لمن يريد الحديث عن أشخاص زهدوا في دنياهم، وانطلقوا للثورة والنضال بغض النظر عن مبادئهم الدينية والعِرقية التوّاقة للحرية: دينية كانت أم شيوعية أو حتى بوذية.
الحاصل حاليا هو العكس؛ فمن يُنظّرون للمقاومة هم أولئك القابعون في أحضان مكاتبهم الوثيرة، وهم أولئك العائدون لمنازلهم المدفّأة مساء بينما يتحلق حولهم أطفالهم وهم ينظّرون للمقاومة، وهم أولئك المتوافدون على “سهرات الأُنس”، والذين يُنظّرون للمقاومة قديماً وحديثاً على قرع الكؤوس المشعشعة وقهقهات “الشلّة”.
من ينكر ذلك، فله ما يريد؛ إذ ثمة من ينظّرون للمقاومة على منصّات الخطابة والندوات، بيد أنهم إما في أحيان كثيرة مرتزقة لدول وتنظيمات معينة، أو من أولئك الداعين لله بأن يسوق لهم صاحب منتدى أو تجمّع لدعوتهم لإلقاء “كلمتين” بمناسبة الأحداث السياسية المستجدّة.
عار علينا أن نُنظّر للمقاومة من مواقع إما مغرضة ومباعة، أو سطحية تافهة لا تعلم عن المقاومة غير اسمها. ولعل المثال على الشق الثاني هو حديث كنت سمعته منذ أيام، تُنظّر فيه إحدى الآنسات عن مدى استحقاق الفدائية دلال المغربي على لقب شهيدة. كانت الآنسة تستند على محورين في ضحدها تسمية الفدائية بذلك، وهما أن المغربي “غير محجّبة”، وأنها “تنتمي للتيار اليساري الذي هو بالضرورة ملحد”!
نسيت الآنسة تلك، في معرض حديثها، أن دلال، شأنها شأن كثيرات وكثيرين من الفدائيين والمقاومين، كانت يانعة يافعة ذات ثمانية عشر ربيعاً أو أقل عندما التحقت في صفوف العمل الفدائي. ونسيت أن دلال ودّعت الغالي والنفيس، عندما انطلقت للثورة، وهم أهلها في المقام الأول ومستقبلها التعليمي والمهني كأي فرد في هذا العالم في المقام الثاني، وكذلك أحلامها وأمانيها كافة، في سبيل تسجيل عمل على خارطة الفعل الوطني. ونسيت أن دلال حققت عملية نوعية في تاريخ العمل الفدائي عندما تسللت من لبنان إلى الشاطئ الفلسطيني، لتستولي على حافلة إسرائيلية وتُصفّي عدداً من أفراد الأمن الإسرائيلي الذين لحقوا بها، ولترفع علم فلسطين الحرة في قلب الكيان الغاصب، بكل ما تحمله هذه الخطوة من معان ورموز قد لا يدركها كل من يسمعها.
نسيت الآنسة أن بضع ركعات تؤديها وحجاب تعتمره، لا يسمح لها ولا لغيرها، البتة، تقرير مصير شهيد أياً كان فصيله. ونسيت أن دلال “اليسارية”، فعلت ما عجز ويعجز عنه كثيرون ممّن يتشدّقون باسم الدين، وتحديداً أولئك الفتيات المحجّبات اللواتي يتسلل كثير منهن لا للالتحاق بالثورة، بل لملاقاة الحبيب، وأيضاً أولئك الذين يتقاضون أجوراً باهظة عن فتاويهم، فلا يلبثوا يفتون بعدم وجوب الجهاد وحتى الدعاء للمجاهدين، بينما تكون الحرب حامية الوطيس!
ثمة عامل أسهم في “تنشيط” منظّري المقاومة الآنفين: هو اقتتال الفصائل الفلسطينية، وهو الأمر الذي بات يعصف بصورة النضال الوطني التاريخي، مفسحاً المجال للمغرضين والسطحيين كي يتجرأوا على المقاومة والمقاومين. وأسهم في تشجيع المغرضين، أولئك الذين اعتبروا المقاومة دجاجة تبيض ذهباً وملايين، فبنوا ببيض الدجاجة قصورهم في باريس بدلاً من المخيمات، لتغدو النتيجة زعزعة صورة النضال والقضية برمتها، وتشكيكاً بمصداقيتها وشفافيتها.
المقاومة بصورها كلها، أسمى وأرقى وأعلى شأناً من أن نخوض، نحن البشر الأقل من عاديين، بتنظيرات لها. ولعل أقل ما يمكننا تقديمه في زمان كهذا، تفشّت فيه دعوات الانبطاحية والخنوع، أن نقف إجلالاً واحتراماً للمقاومين والفدائيين بغض النظر عن مشاربهم وفصائلهم، وبأن نرفع قبعاتنا لهم اعترافاً بدفاعهم عن بقايا كرامة الأمة، فيما نحن نرفل في النعيم والتخمة المخدّرة.
منظّرو المقاومة الحقيقيون لا ينامون، بل تتورّم أجفانهم من السهر لضمان نجاح العمل الفدائي. منظّرو المقاومة الحقيقيون لا ينامون مع وفي العسل




